; أدب (العدد 890) | مجلة المجتمع

العنوان أدب (العدد 890)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-نوفمبر-1988

مشاهدات 79

نشر في العدد 890

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 08-نوفمبر-1988

في ذكرى فقيد الإسلام أبي الأعلى المودودي:

ابن عمرلي- مدرس اللغة العربية في مدينة بوغي- موريتانيا

ماذا تعاني دوحة الإيمان؟ *** ماذا اختفى عن ساحة الميدان؟
ماذا جرى لنهارنا حتى تسا *** وت قوة الإبصار بالعميان؟
هل كان ذلك من كسوف في السما *** أم من قذى جرحت به العينان؟
هل تبدل ليلينا بنهاره *** فتوقفت عملية الدوران؟
هلا ولم يك كل هذا واقعًا *** للناس لولا هزة الوجدان
قل كيف لا يقع الخبال لأمة *** فقدت دعامة صرحها الرباني؟
حقًا خلت دنيا السعادة من حمى *** قد كان يحميها أبونا الحاني 
يا دنيا الهدى تعزية *** من خالص القلب الجريح الفاني
عنا يا أبا الأعلى الذي *** نشر الهداية من هدى القرآن؟
رايته التي انهزت بها *** في الأرض كل معاقل الطغيان
تركتنا ليا سيدي في وحشة *** ودخلت فسحة جنة الرضوان
تركتنا بين الذئاب تلوكنا *** بتمالئ قاصيهمو والداني
رحماك ربي إنه العبد الذي *** خاض الحياة مكافح الشيطان
لم يرض يومًا بالرضوخ لباطل *** في أرضه وبقية البلدان
لم يعرف اليأس السبيل لقلبه *** لم ينخذل لتزايد العدوان
ولم يعط الولاء لكافر *** أبدًا وللجاهلين الجاني
ولم يشغله عن إيمانه *** أمر خطير أو حقير الشان
فلم يقض الحياة مغافلًا *** بل ظل يحسب عمره بثواني
يقضي من العمر المديد مجاهدًا *** بمؤلفات في حمى الفرقان
وقذائف العلم الصحيح توجهت *** ضد الطغاة محاربي الأديان
هذا ولم تك للحياة مزية *** إلا بنهضة قيمة الإنسان
حقًّا رحلت وقد بثت يمناك في *** أرض الرجال جماعة الإيمان
علمتهم أن الجهاد أمانة *** وعبادة وكرامة الشجعان
علمتهم أن الحياة محبة *** وإخوة متراصة البنيان
وأراك قد أرسيت كل دعائم *** الإسلام والإيمان والإحسان
فشرحت دستور الحياة موضحًا *** آياته في حكمة وبيان
وفضحت زيف حضارة الغرب التي *** لعبت بعقل الجاهل الخواني
فدعوت نحو حضارة الإيمان إذ *** منها استفاد الغرب في العمران
ذهب الإمام مخلفًا آثاره *** تستهدف التجميع للإخوان
وأنا لمست جهود خير في قرى *** إيران أو في شعب باكستان
وقوى العمالة حاولت إخضاعه *** كي يرجحوا في كفة الميزان
لكنما الإيمان أعلى صوته *** لا للعمالة لا لكل جبان
صوت الأمانة في نداء دائمًا: *** ألا ولاء لطغمة الخذلان
الله أكبر عزة وجلالة *** والله أكبر قوة السلطان
إن الصلاة على الرسول المصطفى *** تعني امتثال أوامر الرحمن
صلوا عليه وسلموا يا إخوتي *** تستنشقوا من ريقه الريحاني
رباه صل على النبي وآله *** وحماة بيضة ديننا الرحماني

 

قصة قصيرة: لقد طال الانتظار:

كان أبو مهند يتجول في حديقة المنزل وقد أينعت ورودها وفاضت روائح أزهارها المنعشة، وأخذ يلاحظ الأشجار وقد أتت عليها يد الربيع الحانية فأعطتها أوراقًا لامعة وأزهارًا حمراء وبيضاء ناصعة، ثم أخذ يشذب شجيرات العنب وقد امتدت أغصانها الجديدة بقوة وانبثاق ملفت للنظر، وكأنها تتسابق فيما بينها، ولا غرو في ذلك فقد كانت أم مهند تقول لأولادها: هذه الشجرة الكبيرة لأبيكم، وهذه الأصغر قليلًا لأمكم، وهذه لمهند، وتلك لخالد، وهذه الصغيرة لمعاذ.

لقد كان من عادة أبي مهند أن يغرس غرسة عنب مع مولد كل ولد من أولاده، وكان الأولاد يدعون الله أن تفوق شجرة كل منهم في نموها غيرها من الأشجار.

وأطلت أم مهند حاملة صينية الشاي ونظرت إلى زوجها بعينين حالمتين ودعته إلى شرب الشاي.. وقد ارتسمت على ثغرها بسمة سعيدة، ونطقت ملامحها بغبطة غامرة تنبعث من داخلها، وأخذا يشربان الشاي، وبدأت أطراف الحديث تتشعب بينهما.. وأتى خالد وكان كثير الحركة فهو لا يتجه إلى اليمين إلا وينعطف إلى اليسار.. وأخذ يقفز على عنق والده ويركب على عاتقه ويمسكه من شعر رأسه والأب يداعبه بحنان غامر.. وانتهرت الأم ابنها، فقال أبو مهند:

دعيه.. إنني آمل أن يكون كخالد بن الوليد.. وأن يعز الله به الإسلام.. اتركي نشاطه يأخذ حريته لينمو نموًّا متكاملًا.

ثم انتحى خالد جانبًا ليلعب بالأرجوحة المنصوبة في ركن الحديقة، ونظرت أم مهند إلى وجه زوجها وقد زادته حمرة المغيب روعة وحسنًا وقالت:

- إن أملي أن يديم الله السعادة على بيتنا، وأن يكبر أولادنا وأن يصبح مهند طبيبًا.. وإني نذرت لله أن يترك يومًا في الأسبوع ليعالج الفقراء والمساكين.. وأن يصبح خالد صيدليًّا وأن يفتح معاذ دارًا للتحليل الكيميائي، وأن يتعاونوا ليعيدوا سيرة المسلمين الأوائل وأن يجمعوا بين الدين والدنيا.. وأن يجعلهم الله قرة عين لنا.

فقال أبو مهند: 

- أرجو أن يتحقق ذلك.. وأسأل الله أن يجعلهم قدوة لشباب هذه البلدة، وألا يجعل الدنيا أكبر همهم ولا مبلغ علمهم.

ومر الوقت سريعًا ولم يقطع حديثهما سوى آذان المغرب فأخذا يرددان النداء مع المؤذن، ثم قام أبو مهند متوجهًا إلى المسجد، وهذه هي عادته إذا حانت الصلاة أنه يترك أهله مهما كانت سعادته معهم وينطلق ليلبي نداء ربه.

وأتى الليل بظلامه وسكونه.. وآوت الأسرة إلى نوم هادئ...

وقبل الفجر بقليل سمع أبو مهند طرقًا متواصلًا وشديدًا على الباب، فهب متعصبًا وقال:

- اللهم إنا نسألك خير هذا الطارق في هذه الساعة.

وهبت أم مهند مذعورة، حتى الصغير معاذ قد استيقظ باكيًا.. وانطلق أبو مهند لفتح الباب:

- من الطارق؟

وجاءه الجواب بقسوة وشدة:

- افتح الباب بسرعة.. البيت مطوق.. إياك أن تحاول الهرب! فعلت الدهشة وجه أبي مهند.. وقال في نفسه: البيت مطوق.. لماذا والله لا أذكر أني ارتكبت جريمة أو إثمًا؟ ... لا بد أن خطأ أو التباسًا قد وقع.

وردد الصوت الخشن الأجش:

- قلت: افتح الباب... وإلا...

وفتح أبو مهند الباب فهرع جند المباحث إلى الداخل وهم يحملون البنادق وأمروه أن يرفع يديه.. وأحدثوا جلبة وضوضاء في المنزل مما جعل الأطفال يهبون مذعورين.. فأسرعوا إلى أمهم ولاذوا بها وهم ينظرون بعيون يشع منها الخوف والقلق.

وراح الجنود ينثرون الملابس من الخزن والكتب والأوراق من المكتبة لعلهم يعثرون على ورقة تشير إلى تنظيم أو منشور تفوح منه رائحة التعامل مع المجاهدين؛ ولكنهم لم يحصلوا على أي شيء، وفتح أحدهم القرآن الكريم، وعندما لاحت سطوره وآياته قذف به إلى الجدار بقوة فسقط على الأرض وتناثرت بعض أوراقه، فأسرع مهند وكان في السنة العاشرة من عمره وأمسك بالقرآن وقبله، فانتهره الجندي وقال: قف مكانك أيها الصبي وإلا أزهقت روحك.. كلاب أولاد كلاب.. فرمقه مهند بعينين تفيضان بالغضب ونظر إليه نظرة تفوق في دلالتها ألف كلمة.

ولما انتهى الجند من التفتيش ساقوا أمامهم أبا مهند وطلب منهم أن يسمحوا له بارتداء ثيابه، ولكن قائدهم دفعه بأسفل بندقيته قائلًا:

- تقدم واركب السيارة بسرعة.. إنك لن تغيب طويلًا.. ستعود قبل طلوع الشمس.

ونظر أبو مهند إلى زوجته نظرة أودعها كل حبه، وكل تصميمه وقال:

- انتبهي إلى الأولاد.. ولم يتركه أحدهم يكمل كلامه ودفعه بقسوة إلى الخارج.. وغاب صوت هدير السيارة عن الأسماع، وأمضت أم مهند بقية ليلها باكية نائحة وراح أطفالها يشاركونها البكاء بعيون يتصارع فيها النوم واليقظة، وكان خالد يردد عليها:

- أين أخذوا بابا؟ ... متى سيعود بابا؟

وأشرقت الشمس وانتشر الخبر في البلدة: إن الأستاذ أبا مهند قد أخذته المخابرات في الليلة الماضية.. وجاء الأقارب والمحبون إلى بيت أم مهند ليخففوا عنها مصابها وليشدوا من أزرها، وراحت الألسن تفيض بالأدعية لأبي مهند أن يعود إليهم سالمًا، وأن يخلصه الله من طغيانهم وشرورهم؛ لأنهم ما عرفوا فيه غير الاستقامة والأمانة والالتزام بأمور الدين.

وراحت الأيام تتوالى والشهور تتلاحق وأم مهند تنتظر غائبها الذي سيعود قبل طلوع شمس ذلك اليوم.. وانتشرت إشاعات كثيرة في البلدة فمن قائل: إن أبا مهند قد مات تحت صنوف التعذيب، إلى قائل: إنه قد أدخل إحدى المستشفيات العسكرية ليعالج بعد أن أصيب بارتجاج في مخه إثر ضربة قوية على رأسه.. ومن مدع أنه قد فقد عقله من هول ما رأى.. وأسندت أم مهند مرفقيها على الطاولة ودفنت وجهها بين كفيها وراحت تتخيل أبا مهند مضرجًا بدمائه صارخًا مستغيثًا.. وتتصوره ممددًّا في لحده يدفن بأيد نجسة في صمت وشماتة.

- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. حسبنا الله ونعم الوكيل.

ومضت سنوات خمس وأم مهند تنتظر غائبها الذي سيعود قبل طلوع الشمس.. قاست أم مهند الكثير من الآلام فذبل وجهها وتغضنت بشرتها وخرب القلق رونقها وبهاءها.. وكانت تعتمد في صبرها وتحملها على قلبها المكدود.. فكان الذي لا بد منه لقد شعرت باعتلال صحتها وخوار قوتها.. ودخل عليها مهند يومًا فوجد نفسها يضيق وقد اتشح وجهها بالشحوب والاصفرار.. فلمس أطرافها فوجدها باردة كالثلج زرقاء قد دب إليها الموت، فصرخ بصوت مبحوح:

- أماه.. ماذا دهاك؟ أماه بم تشعرين؟.. سأدعو الطبيب، لا تتركينا لوحدنا.. أماه إننا صغار.. انتظري حتى نكبر.

يا الله يا.. يا رب.. وأشارت إليه بأن يأتي بإخوانه.. وضمت الجميع إلى صدرها الحنون ثم لفظت أنفاسها الأخيرة وقد انسلت آخر خيوط الحياة من وجهها وكانت آخر كلماتها:

- انتبه إلى إخوانك يا مهند.. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.

ودفنت أم مهند بصمت.. وانتقل الأطفال إلى رعاية عمهم.. بل انتقل العم وأولاده وزوجته إلى بيت أبي مهند.. ووجد مهند في رعاية عمه عوضًا عن حنان أبيه.. ولم ينغص عليه إلا قسوة زوجة عمه التي كانت تفضل أبناءها عليه وعلى إخوانه.

وكان مهند ينظر إلى أخويه وقد شعث شعرهما واغبر رأسهما ولبسا ثيابًا مهلهلة ممزقة.. فتأخذه الذكريات إلى ما قبل ست سنين فيرى أخويه يعيشان عيشة هنيئة في سعادة غامرة.. فتتراكم الأحزان في قلبه الصغير الذي أشرب كأس المرارة وهو ما يزال غضًّا طريًّا، ولكن أملًا وحيدًا ظل يداعب قلبه.. وما زال يرنو إليه وهو أن الله سيفرج الكربة وسيعود أبوه ليعيد إليهم بعض سعادتهم.. وكان على صغر سنه يدرك أن طريق الجنة محفوف بالمكاره، وأن الأجر على قدر الصبر. وكانت قصة آل ياسر التي تعلمها من أبيه تطل في الظلمة كالقنديل المضيء فتبدد ظلام وحشته وحلكة ليله.. وكان يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل.

وذات يوم طرق الباب شرطي وسلم مهندًا ظرفًا ممهورًا بختم وزارة الداخلية، فأعطاه إلى عمه ففتحه وأخذ يقرأ باهتمام وقد ارتجفت يداه، ثم قال بصوت مخنوق بالدموع:

- لا حول ولا قوة إلا بالله.. إنا لله وإنا إليه لراجعون.

وخطف مهند الورقة وقرأ ما فيها:

مهند- الفرار من السجن فقتل وقمنا بدفنه.. لأخذ العلم، لكم عزاؤنا.

واسودت الدنيا في عيني مهند ورأى الأرض تميد من تحت قدميه.. إنه صبر وتحمل وظل هادئًا مستجيبًا لنصائح عمه لأن أملًا يحدوه وهو عودة أبيه، وهذا الأمل قد انقطع، وهذا معين الصبر قد نفد، فقال لعمه:

- والله سألتحق بالمجاهدين يا عماه.. لا.. لن يضيع دم أبي وأمي هدرًا.. والله سأحرق رجالهم وأدمر مؤسسات مخابراتهم.. إنهم يهود؛ بل اليهود أرحم منهم.. هم الذين دفعونني إلى التطرف.. إلى الانتقام.. لقد فقدت صوابي.. وخرج باكيًا منتحبًا.

أبو ياسر

وتذكروا من الأندلس الإبادة:

قراءة في كتاب:

بقلم: منى الفولي

«وتذكروا من الأندلس الإبادة» قصة ضياع الأندلس أحب أرض الله إلى عباد الله ما بين عرب ومسلمين- قصة الفردوس المفقود الذي حكمه المسلمون ثمانية قرون من الزمان، وكان لنا فيها علم وحضارة ومجد تليد.

صرخة يطلقها أحمد رائف في كتابه «الإبادة» عن دار الزهراء للإعلام العربي، يقدم لنا الكاتب قصة ضياع الأندلس بأسلوب جديد.. قصة الأسباب وراء ذلك الضياع.. صرخة تحذير يطلقها لتدوي في كل شبر من أرض المسلمين.. تذكروا الإبادة.. من أجل ألا تصبح كل بلاد المسلمين أندلسًا.

وحافزه الأول من وراء هذا الجهد شواهد في أحوال المسلمين نعاصرها، فهي تكرار لما حدث في الأندلس منذ قرون.

الفردوس الذي ضاع:

الأندلس هذا الفردوس المفقود لا يكون قد ضاع إذا كنا قد انتفعنا بعبرته أو تعلمنا مما جرى عليه، كيف نحصن بقية أوطاننا من أن تكون «أندلسات» وبذلك لا يكون الفردوس المفقود بل الفردوس الموعود، موعود.. عند من يعلمون أن الماضي لا يموت إلا بالنسبة إلى الأموات.. موعود عند كل من يدركون أن التاريخ لا يعرف الأمس أو الغد؛ وإنما هو نهر الحياة يمضي إلى الأجل المضروب الذي قدره علام الغيوب.

قرنان ونصف قبل السقوط:

واتبع الكاتب منهجًا في أسلوب هذا الكتاب يمزج بين سرد متعاقب للأحداث ملخصًا الحقب، ومختزلًا السنين للإمساك بجوهر العظة، ومشاهد متخيلة لما كان يمكن أن تكون عليه اللحظات الأخيرة في حياة الشخصيات الرئيسية في غرناطة آخر معاقل المسلمين في الأندلس ليلة تسليمها للملكين الكاثوليكيين فرناندو وإيزابيلا ملكا «أراجون وقشتالة».

هذه البقعة الصغيرة من المجد الذاهب قاومت قرنين ونصف من الزمان قبل السقوط، فقد دافعت غرناطة الشهيدة قبل سقوطها دفاعًا باسلًا واستشهد في ميدان الشرف من أهلها آلاف بعد ألوف.

ولكن لا مفر من قضاء الله، واستسلمت غرناطة، واحتلت الحمراء واستسلم أهل غرناطة على عهود أخذوها من ملوك كان كل منهم يقود جيشًا جرارًا.

هذا ما فعلناه وذلك ما فعلوه:

وبعد التسليم.. لا عهود ولا مواثيق، لم يكن العصر عصر مواثيق بين غالب ومغلوب، ورحم الله أجدادنا أصحاب موسى بن نصير، وطارق بن زياد، وعبد العزيز بن موسى، ما قطعوا على أنفسهم عهدًا لبلد استسلم لهم إلا رعوه وحفظوه، وما دخل في ذمتهم إنسان إلا حفظوه وصانوه في أهله وماله ودينه، وظل إنسانًا له كرامة الإنسان. هذا ما فعلناه.. وذلك ما فعلوه.. الإبادة نزلت بسكينها فتم محو شعب نابض بأكمله.

ويستعرض أحمد رائف الحوادث التاريخية في ثوب أدبي رائع قل ما نجده هذه الأيام وخاصة في مجال الكتابة عن التاريخ، فيجعل القارئ بأسلوبه يسترسل معه حتى النهاية، متحملًا تلك المأساة، مأساة سقوط غرناطة الشهيدة، ليلة تسليمها، أو صبيحة يوم الذل كما يطلق عليه الكاتب، بالرغم مما تثيره في النفس من ألم، وذل، وهوان على المجد الذي ضاع منا أو أضعناه.

لا التزام بالمواثيق بين الغالب والمغلوب:

فيعرض في فصل من فصول كتابه لبنود معاهدة التسليم التي وقعت بين القشتاليين والمسلمين قبل السقوط.. بين جانب قشتالي قوي متشدد وجانب غرناطي ضعيف متهالك، يسلم لخصمه دون كبير مناقشة، في ذلك اليوم من شهر نوفمبر 1491م- 21 محرم 897هـ.

وتأتي نصوص المعاهدة في 46 بند، وقد ذيلت بتعهد من الملكين الكاثوليكيين باحترام نصوصها، ويؤكدان ويضمنان بدينهما وبشرفهما الملكي تنفيذ كل ما فيها من بنود ومن امتيازات لأهل غرناطة.

والذي يقرأ نصوص المعاهدة بإمعان وتدقيق يجد أن القشتاليين قد خدعوا المسلمين فلم ينفذوا مادة واحدة مما كتب.

مباراة القوة والضعف:

ويستمر الكاتب في تخيله لمسلسل الحوادث، فيصور بخياله الذي وعى التاريخ، صباح الذل في غرناطة، فكانت مباراة للقوة والقهر بين فريقين؛ فريق قوي لم يتهاون في إظهار قوته وتسلطه، وفريق ضعيف لم يتوان في التدني والتهالك وإظهار ما هو فيه من قهر وذل وضياع، والشعب المسلم بين القوتين في ذلك اليوم نظاره مغلوبون على أمرهم ولو خيروا لخرجوا فماتوا كما فعل المجاهدون منهم ليلة التسلم، وفضلوا أن يموتوا شهداء أعزاء ولا يروا صباح الذل.

نزيف السنين:

أخيرًا يؤكد الكاتب بالرغم من محاولات الإبادة إلا أن الإسبان المسلمين أثبتوا أمام التاريخ أنهم أمة صامدة صابرة تمسكت بدينها رغم الكوارث والمصائب وحرب الإبادة أكثر من قرن من الزمن، وفشلت أثناء هذه المدة كل محاولات التحذير بالوعد والوعيد والحرق والقتل.

ويسدل الستار بشكل نهائي على هذا الفصل الأخير من مأساة المسلمين في الأندلس على ذلك النحو المرير مع أعداء تخلوا عن كل مبادئ الشرف والمروءة بعد أن رسبوا في أعماقنا مطلوبًا أساسيًّا لا يزال يتكرر إلى اليوم هو الإبادة.

فهل يرفع الستار مرة أخرى بشكل مختلف؟

نعم.. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (الإسراء: 51) صدق الله العظيم.

أخبار رابطة الأدب الإسلامي:

بدأت رابطة الأدب الإسلامي في إصدار بعض مطبوعاتها، وتنفيذ مشاريعها في مجال النشر:

1- فلقد صدر عن دار المنارة بجدة الطبعة الأولى من كتاب «نظرات في الأدب» لرئيس الرابطة سماحة الشيخ أبي الحسن الندوي.

2- وستصدر قريبًا عن مؤسسة الرسالة في لبنان والأردن الطبعة الأولى للمجموعة الشعرية باسم «من الشعر الإسلامي الحديث» والتي تضم مختارات شعرية لعدد كبير من شعراء الرابطة.

3- وأصدرت الحلقة الأدبية من أعضاء رابطة الأدب الإسلامي في تركيا مجلة أدبية فصلية عن الأدب الإسلامي باسم EDEBIYAT ISLAMIC وسيصدر منها أربعة أعداد في كل سنة- صدر منها حتى الآن العددان 1 و2 ويرأس تحرير المجلة الأستاذ علي نار عضو رابطة الأدب الإسلامي، وعنوان المراسلة:

 POSTA

 KUTUSU 51

HABERLESME

FATILZ ISTANBUL

صدر حديثًا:

أدب ونقد:

كتاب من تأليف الأستاذ محمد المجذوب يقع في حوالي 158 صفحة من القطع المتوسط. يضم الكتاب بين ثناياه بحوثًا ومقالات وخواطر كتبها المؤلف في مناسبات مختلفة وتناولت من الأفكار ألوانًا متعددة، وقد اختار لها المؤلف عنوانًا واحدًا وهو أدب ونقد؛ لأن الإطار الذي يضمها على تعدد أشكالها لا يعدو حدود الأدب والنقد. وفي هذه المقالات قديمها وحديثها ما ينضوي تحت مظلة الأدب الخاص؛ إذ يتناول تحرك الكلمة في آفاق النفس والفكر من خلال العبارة الفنية تسجيلًا لخاطرة أو تعبيرًا عن شعور أو تصويرًا لواقع، في حين تؤلف بينها جميعًا وحدة المنبع النفسي الذي فيه ينطلق كل روافد الإبداع.

ملتزم النشر والتوزيع دار الاعتصام- القاهرة.

تبديلات لأخطاء تاريخية:

رد من الأستاذ الأميري:

اطلعت مؤخرًا على الحوار الذي نشرتموه في العدد الصادر في 4 محرم الجاري، ورأيت بعض الأخطاء التاريخية التي لا بد من الإشارة إليها رجاء نشر ذلك في عدد قادم.

ذكرتم أننا كنا نجتمع في حلقة التهذيب الروحي «على قراءة شيء من كتاب الله وعلى فصول من الناجحية!» والحقيقة أننا كنا نلتقي على حفظ شيء من كتاب الله وقراءة صفحات من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي.

وذكرتم أن مجموعات من الشباب في بلاد إسلامية أخرى، والحقيقة في مدن سورية أخرى.

وذكرتم أننا بعد عودتي من باريس اشترينا مكانًا أكثر ملاءمة وبدأنا العمل بدار الأرقم، والواقع أننا استأجرنا مكانًا بدأنا فيه أعمالنا باسم دار الأرقم.

وذكرتم أنني قلت بأنني أقوم بمعظم العمل، وهذه دعوى لا تصدر عمن يعرف قدر نفسه!

وذكرتم أنني كنت أبعث بمقالات إلى مجلة القبس في مصر.. وأنا في الواقع لا أعرف في مصر مجلة بهذا الاسم، وإنما كانت صلتي بمجلة الفتح التي كان يصدرها الأستاذ المجاهد الكبير محب الدين الخطيب، رحمه الله.

وذكرتم أننا أسسنا في دار الأرقم مجلس الشئون الإسلامية.. والواقع أنها لجنة الشئون الإسلامية.

وذكرتم أن جماعة الشبان المسلمين في مصر كان يرأسها الدكتور عبد الحميد بن سعيد؛ والحقيقة هي أنها جمعية الشبان المسلمين ويرأسها الدكتور عبد الحميد بك سعيد.

وذكرتم أن الأستاذ حسن البنا -رحمه الله- أرسل بعثة طبية إخوانية إلى سورية على إثر الهجوم الفرنسي على مجلس النواب السوري عام 1945 وكلف رئيس البعثة الأستاذ عبد الحكيم عابدين بالاتصال بنا.. والواقع أن رئيس البعثة كان الدكتور محمد محمد سليمان -رحمه الله- وقد رافقها الأستاذ عبد الحكيم عابدين -رحمه الله- بوصفه السكرتير العام للجماعة.

وذكرتم أنني بعد أن سافرت إلى مصر صحبت الأستاذ حسن البنا -رحمه الله- ولاحظته وهو يصلي فكان يطيل في سجوده، وأنه كان يبكي طويلًا وهو ساجد.. والواقع أن صلاته كانت عادية دون إطالة ولا بكاء عندما يكون مع إخوانه، وقد أتيح لي أن أراه خلسة وهو يصلي في كبد الليل في غرفة خلال رحلة لنا في الأقاليم، فلاحظت إطالته في سجوده ونشيجه ودموعه.. وتأكدت بذلك أن سريرته أطهر وأجدر من علانيته.

وذكرتم في سؤال من أسئلة الحوار أنني شاركت في الدفاع عن فلسطين مع جيش الإنقاذ عام 1948.. وأقر إبراء للذمة وبيانًا للواقع أن مشاركتي كانت محدودة وضئيلة وشبه رمزية.

وذكرتم في صدد البحث عن العروبة والإسلام أن الله حفظ للعرب مقامهم ورتب في أقداره جدارتهم الخام التي تستطيع وتستحق أن تعمل رسالة الإسلام.. والحقيقة أن تحمل رسالة الإسلام، وليس أن تعملها!

وذكرتم في هذا الصدد أن الأمة العربية كانت ملكًا لنفسها كبقية الأمم وأنها أصبحت ملكًا لله، وكاهلًا يحمل رسالة الله إلى الإنسانية جميعًا.. ولكن الواقع أن الأمة العربية والأمم كافة والأكوان والخلائق كلها ملك لله من قبل ومن بعد، وأن الذي أقوله دائمًا: إن العرب بالإسلام وبعد الإسلام انخلعوا عن انتمائهم لذاتهم، وأصبحوا ملكًا للإسلام ومسئولين عنه، وأصبحت العروبة بعد الإسلام «وظيفة» في الإسلام يستحق بها العرب التشريف إذا نهضوا بالتكليف.

لا بد بهذه المناسبة أن أشكر لكم حسن ظنكم وكريم تقديمكم لي بثناء لا أستحقه.. فجزاكم الله عنا خيرًا.

أرجو أن تتأكدوا من صادق مودتي وتقديري، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

أخوكم: عمر بهاء الدين الأميري

الرابط المختصر :