العنوان حكم رؤية الهلال هل يعم أو يخص
الكاتب الشيخ عبد العزيز بن باز
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أكتوبر-1973
مشاهدات 95
نشر في العدد 171
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 09-أكتوبر-1973
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه
أما بعد فقد سألني كثير من الإخوان عن حكم الاعتماد على الإذاعة في الصوم والإفطار وهل ذلك يوافق الحديث الصحيح «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤي» الحديث.
وهل إذا ثبتت الرؤية بشهادة العدل في دولة مسلمة يجب على الدولة المجاورة لها الأخذ بذلك، وإذا قلنا بذلك فما دليله وهل يعتبر اختلاف المطالع.
والجواب عن هذه الأسئلة أن يقال قد ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من طرق كثيرة أنه قال صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين، وفي لفظ آخر فأكملوا العدة ثلاثين، وفي رواية فأكملوا عدة شعبان ثلاثين.
وثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وهي تدل على أن المعتبر في ذلك هو الرؤية أو إكمال العدة.
أما الحساب فلا يعول عليه وهذا هو الحق وهو اجماع من أهل العلم المعتمد بهم وليس المراد من الأحاديث أن يرى كل واحد الهلال بنفسه، وإنما المراد ثبوت ذلك بشهادة البيئة العادلة، وقد خرج أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي -صلى الله عليه وسلم- أني رأيته فصام وأمر الناس بالصيام. وخرج أحمد وأهل السنن وصححه ابن خزيمة وابن حبان عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن أعرابيًا قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم -فقال إنـي رأيت الهلال فقال «أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فقال نعم قال فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غدًا» وعن عبد الرحمن بن زيد ابن الخطاب أنه خطب في اليوم الذي يشك فيه فقال ألا إني جالست أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسألتهم وأنهم حدثوني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال «صوموا لرؤيته وانسكوا لها فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين يومًا فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وافطروا» » رواه أحمد ورواه النسائي، ولم يقل فيه مسلمان وعن أمير مكة الحارث ابن حاطب قال عهد إلينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ننسك للرؤية فإن لم نره وشهد شاهدًا عدل نسكنا بشهادتهما. رواه أبو داود والدار قطني وقال هذا إسناد متصل صحيح.
فهذه الأحاديث وما جاء في معناها تدل على أنه يكتفي في رؤية هلال رمضان بالشاهد الواحد العدل، أما في الخروج من الصيام وفي بقية الشهور فلابد من شاهدين عدلين جمعًا بين الأحاديث الواردة في ذلك، وبهذا قال أكثر أهل العلم وهو الحق لظهور أدلته، ومن هذا يتضح أن المراد بالرؤية هو ثبوتها بطريقها الشرعي وليس المراد أن يرى الهلال كل أحد، فإذا أذاعت الدولة المسلمة المحكمة للشريعة كالمملكة العربية السعودية أنه ثبت لديها رؤية هلال رمضان أو هلال شوال أو هلال ذي الحجة فإن على جميع رعيتها أن يتبعوها في ذلك.
وعلى غيرها أن يأخذ بذلك عند جمع كثير من أهل العلم لعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين». رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر- رضي الله عنهما- وأخرجه مسلم بلفظ صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين « وأخرجه البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» وأخرجه مسلم بهذا اللفظ لكن قال «فإن غم عليكم الشهر فعدوا ثلاثين »فإن ظاهر هذه الأحاديث وما جاء في معناها يعم جميع الأمة ونقل النووي رحمه الله في شرح المهذب عن الإمام بن المنذر رحمه الله أن هذا هو قول الليث بن سعد والإمام الشافعي والإمام أحمد رحمة الله عليهم، قال يعني ابن المنذر ولا أعلمه إلا قول المدني والكوفي يعني مالكًا وأبا حنيفة رحمهما الله. انتهى وقال جمع من العلماء إنما يعم حکم الرؤية إذا اتحدت المطالع أما إذا اختلفت فلكل أهل مطلع رؤيتهم وحكاه الإمام الترمذي -رحمه الله- عن أهل العلم، واحتجوا على ذلك بما خرجه مسلم في صحيحه عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن كريبًا قدم عليه في المدينة من الشام في آخر رمضان فأخبره أن الهلال رؤي في الشام ليلة الجمعة وأن معاوية والناس صاموا بذلك فقال ابن عباس لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نراه أو نكمل العدة فقلت أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه فقال لا - هكذا أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالوا فهذا يدل على أن ابن عباس يرى أن الرؤية لا تعم وأن لكل أهل بلد رؤيتهم إذا اختلفت المطالع وقالوا أن المطالع في منطقة المدينة غير متحدة مع المطالع في الشام وقال آخرون لعله لم يعمل برؤية أهل الشام لأنه لم يشهد بها عنده الأكريب وحده، والشاهد الواحد لا يعمل بشهادته في الخروج وإنما يعمل بها في الدخول.
وقد عرضت هذه المسألة على هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في الدورة الثانية المنعقدة في شعبان عام ١٣٩٢ هـ فاتفق رأيهم على أن الأرجح في هذه المسألة التوسعة في هذا الأمر وذلك بجواز الأخذ بأحد القولين على حسب ما يراه علماء البلاد، قلت وهذا قول وسـط وفيه جمع - بين الأدلة وأقوال أهل العلم إذا علم ذلك.
فإن الواجب على أهل العلم في كل بلاد أن يعنوا بهذه المسألة عند دخول الشهر وخروجه وأن يتفقوا على ما هو الأقرب إلى الحق في اجتهادهم ثم يعملوا بذلك ويبلغوه الناس وعلى ولاة الأمر لديهم وعامة المسلمين متابعتهم في ذلك ولا ينبغي أن يختلفوا في هذا الأمر لأن ذلك يسبب انقسام الناس وكثرة القيل والقال إذا كانت الدولة غير إسلامية.
أما الدولة الإسلامية فإن الواجب عليها اعتماد ما قاله أهل العلم وإلزام الناس به من صوم أو فطر عملًا بالأحاديث المذكورة وأداء للواجب ومنعًا للرعية مما حرم الله عليها، ومعلوم أن الله يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن - وأسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين للفقه في الدين والثبات عليه والحكم والتحاكم إليه والحذر مما خالفه إنه جواد كريم.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه،