; سفارة أندلسية إلى الدنمارك | مجلة المجتمع

العنوان سفارة أندلسية إلى الدنمارك

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 23-سبتمبر-2006

مشاهدات 78

نشر في العدد 1720

نشر في الصفحة 58

السبت 23-سبتمبر-2006

من غرائب وعجائب ونجائب الدبلوماسية الأندلسية، قادها السياسي والدبلوماسي اللبق وشاعر الأندلس وحكيمها المبدع: يحيى بن حكم الغزال الجياني «من مدينة جيان Jaen، شرق مدينة قرطبة» (1).

لقد سبق للغزال أن سفر «تولى سفارة دبلوماسية» للأمير عبد الرحمن الأوسط إلى القسطنطينية «إسطنبول حاليًا» بحرًا من ساحل الأندلس الشرقي «مرسية- Mur» «cia- ٢٢٥ هـ = ٨٤٠م ولقاء إمبراطورها توفلس (2) Theophilusوإذا كانت هذه السفارة لا تخلو من غرائب ممتعة فإن سفارته إلى الدنمارك Denmark أشد غرابة وأكثر مهابة.

كانت سفارتنا هذه سنة ٢٣٠ هـ= ٨٤٤م إلى الدنمارك أيام الفايكنج The Vikings «وهم: النورمان المجوس الأردمانيون» خلال حكم ملكهم هوريك-Horic (٢٤٠ هـ = ٨٥٤م) المتنصر حديثًا من الوثنية، إذ أرسل سفارة إلى الأندلس أيام الأمير عبد الرحمن الأوسط، تطلب صداقة الأندلس بعد هزيمتهم «النورمان» في هجومهم البحري المفاجئ (٢٢٩هـ= ٨٤٤م) على شواطئ الأندلس الغربية عند لشبونة- Lisbon Lis boa «عاصمة البرتغال اليوم فأجابهم الأمير عبد الرحمن الأوسط بهذه السفارة برئاسة الغزال (٢٣٠ هـ = ٨٤٥م).

أبحرت السفارة الأندلسية برئاسة الغزال -صحبة الوفد الدنماركي العائد- من مدينة «شلب» Silvesالبرتغالية اليوم، تمخر عباب مياه الأطلسي بمحاذاة الساحل الأندلسي الغربي شمالًا، مجتازة أمواجه العاتية، لتصل إلى الدنمارك عبر بحر المانش English Channel (la Manche) ومضيق دوفر- Strait of Do ver، وبحر الشمال North sea، وصولًا إلى الدنمارك.

وجرت للغزال هناك حكايات وطرائف ومواقف يشاد بها، تنبئ عن قوة تربيته الإسلامية ونوعية بناء المجتمع الإسلامي الملتزم، وعنها ينطلقون في كافة أحوالهم، لا تغلبهم الاعتبارات الدبلوماسية رسومًا وأعرافًا وأوصافًا.

استغرقت سفارة الغزال إلى الدنمارك -ذهابًا وإيابًا- عشرين شهرًا، كانت مليئة بالغرائب والعجائب والطرائف، كلها تسجل ضمن المفاخر والأمجاد، سواء في رحلة الذهاب البحرية أو الإياب البرمائية، أو أثناء الإقامة هناك، وما دار من لقاءات ومنازلات ومناظرات وما كان من إعجاب القوم به، وكان «للغزال معهم مجالس مذكورة ومقامات مشهورة، في بعضها جادل علماءهم فبكتهم، وفي بعضها ناضل شجعانهم فأثبتهم. ولما سمعت امرأة ملك المجوس بذكر الغزال وجهت فيه لتراه» (۳).

توافرت أخبار هذه السفارة المشوقة لدى ابن دحية الكلبي الأندلسي (٦٣٣هـ = ١٢٣٥م) في كتابه «المطرب من أشعار أهل المغرب»، رواية عن صديق الغزال تمام بن علقمة. وبعد استراحة السفارة في البلاط الدنماركي اتخذت الإجراءات للقائها بالملك وأطلعوا على قواعد وآداب المقابلة Etiquette، وكان منها الانحناء للملك عند الدخول فأبي الغزال ذلك، مبينًا -بإصرار- أن الانحناء لا يكون إلا لله تعالى، حتى لو لم تتم المقابلة فما كان منهم إلا الاستجابة.

وفي يوم اللقاء احتالوا عليه فوضعوا في صدر مجلس الملك مدخلًا مقوسًا منخفضًا، حيث لا يسع الداخل إلا الانحناء أمام الملك، ويكونون قد حققوا رغبتهم، لكن السفير المسلم الذكي الألمعي الأبي، أدرك الحيلة حالًا، فما كان منه إلا أن «جلس على الأرض وزحف حتى اجتازه، وباطن قدميه إلى وجه الملك، فلما جاز الباب المستوي واقفًا، والملك قد أعد له وأحفل في السلاح والزينة الكاملة، فما هاله ذلك ولا ذعره» (٤)، وسلم على الملك ومن في مجلسه، داعيًا ومستشهدًا بآية كريمة ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (القصص: 88)، فأعظم الملك كلامه وقال: «هذا حكيم من حكماء القوم داهية من دهاتهم» (٥)، متعجبًا من جلوسه على الأرض وتقديم رجله في الدخول قائلًا: «أردنا أن نذله فقابل وجوهنا بنعليه، ولولا أنه رسول لأنكرنا ذلك عليه» (٦).

وبعد بقاء الغزال في بلاط ملك الدنمارك ما يزيد على السنة، عاد إلى قرطبة الأندلس، لكن عن طريق إسبانيا نصرانية التي دخلها من خليج بسكاي Bay of Bisca إلى مدينة شنت ياقب وبقي،Santiago de Compostela عند ملكهم نحو شهرين، وعن هذا الطريق عاد داخلًا إلى الأندلس، ليصل إلى قرطبة حاضرة الأندلس العامرة بعد مرور نحو سنتين أنفقها في هذه الرحلة منذ انفصل عنها ذهابًا وإيابًا.

الهوامش

  1.  عنه وعن سفارته إلى الدنمارك، انظر رسالة الدكتوراه

Andalusian Diplomatic Relations with Western Eu- rope, pp. 166 ff.

وترجمتها العربية: العلاقات الدبلوماسية الأندلسية مع أوروبا الغربية، ص ۲۲۳ وبعدها. 

  1. عن هذه السفارة، انظر: العلاقات الدبلوماسية بين الأندلس وبيزنطة ٢٩- ٦٦ المقتبس ابن حيان القسم الأول من الجزء الثاني، ورقة ١٦٠ ب ١٦٣ أ.

(3-6) المطرب، ١٣٨، ١٤٥.

الرابط المختصر :