العنوان الأنبياء ومن بعدهم الدعاة والمصلحون اهتموا بمشاكل عصرهم الاجتماعية
الكاتب د. حمدي شعيب
تاريخ النشر السبت 25-فبراير-2006
مشاهدات 56
نشر في العدد 1690
نشر في الصفحة 58
السبت 25-فبراير-2006
ضرورة فعل الخير وتقديم الخدمات حتى للمخالفين والكفار
استعرضنا في العدد الماضي قصة الغلام والراهب «أصحاب الأخدود» وألقينا نظرة قريبة على أحداث القصة وما نأخذه منها من عبر واليوم نلقي نظرة بعيدة عميقة والتي من خلالها نصل إلى المغزى الكبير من قراءة هذه الصفحات الناصعة من قصة الغلام والراهب.
ما هي المنهجية التربوية والحركية التي بها يتحرك الدعاة داخل مجتمعاتهم؟! وما هي أبرز أولويات آليات التحرك الدعوي؟
وما هي أول خطوة في التغيير النهضوي والحضاري للمجتمع؟
خاصة إذا كان هناك نوعًا من التعتيم والتشويه الإعلامي والحصار للدعوة!
وكان هنالك نوعًا من التضييق والتهديد للدعاة.
ثم ما هي علامة النضج التربوي والحركي للمصلحين والدعاة؟
إن أول خطوة للخروج لدنيا الناس، هي عدم الاستسلام للحصار والتعتيم وعدم الانعزالية وفهم واقع الناس ودراسة مشاكلهم الحياتية، ومواجهتها بحلول منهجية، ثم تقديم ما ينفع الناس.
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد: 17)
فالمهم هو البعد الاجتماعي في حركة الدعاة، والأهم منه هو ما هي أولويات هذا الخير؟
وفي هذه الدراسة سنحاول وضع خطوط عريضة لكيفية الخروج عمليًا إلى دنيا الناس.
لماذا كان الاهتمام بهذه القضية الآن؟
نقول: إن هذا الباب الخدمي الاجتماعي وفعل الخير: كان ديدن الأنبياء والمصلحين والدعاة على مر تاريخ الدعوة الإسلامية من لدن آدم عليه السلام، حتى الحبيب صلى الله عليه وسلم، إلى عصرنا هذا.
فهو المجال الذي يفتح الأبواب الموصدة أمام الفكرة وذلك من خلال فتح القلوب ومعالجة النفوس التي تحب فعل الخير إليها. ولقد جعل الحق سبحانه فعل الخير من أبواب الفلاح: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الحج: 77).
ولهذه الأمة خصوصية في هذا المجال فلقد اكتسبت خيريتها من الخروج إلى الناس لتقودهم إلى خيري الدنيا والآخرة أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر منطلقة من قاعدتها الإيمانية ولتكون شهيدة عليهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110)
وكذلك كان للحبيب صلى الله عليه وسلم: الريادة في فعل الخير والحض عليه؛ فقد وصفه الحق سبحانه بصفات نفسية تحب الخير لأهلها وذويها؛ لأنه منهم وحريص عليهم، وأنه روف ورحيم بهم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: 128)
حب الخير للمخالفين
ويعلمنا الحق سبحانه، أن نحب فعل الخير، ونقدم الخدمات حتى للمخالفين حتى وإن كانوا كفارًا!
وتدبر ما ورد في قصة صاحب الجنتين عندما نتأمل الرجل المؤمن في حواره وعرض أفكاره، ونقف عند نقطة مهمة جاءت على لسانه، والحوار في مرحلة ساخنة وهي نصيحته المشفقة: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (الكهف: 39).
لقد أرشد الرجل المؤمن صاحبه الكافر، وهو يحاوره إلى التصرف اللائق الصحيح، الذي يشكر فيه ربه، ويعمل على دوام نعمة الله عليه. وطالبه بأن يلجأ إلى الله، وأن يعلق الأمر على مشيئته، ويجعله مرهونًا بقدرته، وأن يستمد قوته من قوة الله سبحانه. (1)
وتأمل هذا السلوك الفريد وكيف أن الرجل المؤمن قد راعى حق الصحبة ولو مع الكافر، ولم يشعر بالصغار أمام ملكه الواسع، بل أعلن لصاحبه في اعتزاز وإيمان تلك النصيحة الراقية الخالصة المخلصة في كيفية الشكر، وكيفية حفظ نعم الله؟!
ونحن لا نستغرب سلوك الرجل المؤمن مع صاحبه.
عندما نذكر مع هذه المهارة التفاوضية تلك النصيحة المشفقة التي جاءت في سياق الآيات التي تلاها صلى الله عليه وسلم أمام عتبة بن ربيعة أثناء جلستهما التفاوضية: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ (فصلت: 6)
لقد أعلن صلى الله عليه وسلم أنه منهم، ولكن الفرق أو تميزه عنهم هو أنه يملك ما لا يملكونه ويرى ما لا يرونه فهو يوحى إليه، ويحمل رسالة ربانية تدعوهم إلى توحيده سبحانه ثم تأخذ بيدهم إلى الاستقامة والهداية.
وكما أسلفنا في قصة الغلام والراهب «۲» وكيف أنه وبعد أن نضج تربويًا واستقر الإيمان في قلبه بدأ بالاختلاط والخروج إلى الناس، وشغلته المشكلات الحياتية الاجتماعية للناس وقد كان مجتمعًا كافرًا، بما فيهم جليس الملك، وقدم إليهم الخير والخدمات الجليلة وفي هذا رد على الذين يزعمون أن فعل الخير لا يجدي في الدعوة إلى الله، وأن على المسلمين إقامة الحكم الإسلامي، أما شغل النفس بإطعام الجائع وكسوة العاري وبناء المساجد والمستشفيات فإنه مضيعة للوقت. وهذا الحديث يرد عليهم، فقد أجرى الله على يد الغلام إبراء الأكمه وشفاء الأبرص وغيرها من الأمراض، مما جعل الناس يتعلقون به، ويقبلون على دعوته» (۳).
الأنبياء والبعد الاجتماعي
ولو تتبعنا مفردات خطاب الأنبياء عليهم السلام لوجدنا بروز البعد الاجتماعي في منهجيتهم.
وهو البعد الذي يترجم اهتمام الأنبياء والدعاة والمصلحين بمشاكل عصرهم الاجتماعية والأزمات الحياتية.
لقد كانوا يعرضون قضية التوحيد والإيمان بالله سبحانه من خلال اهتمامهم بمشكلة عصرهم الاجتماعية.
فهذا نبي الله صالح عليه السلام كان يركز على الطغيان المادي في قضيته: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (الأعراف: 74-74).
وكان لوط عليه السلام يوجه تركيزه على أخطر قضايا عصره وهي الانحراف الأخلاقي:
﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ (الأعراف: 80-81)
وكذلك كان نبي الله شعيب عليه السلام يعرض قضيته من منظور الانحراف الاقتصادي: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف: 85)
أما موسى عليه السلام فقد كان يواجه الاستبداد السياسي أو «الدكتاتورية» بقضيته:
﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الأعراف: 105)
الهوامش
(1) مع قصص السابقين في القرآن: د. صلاح الخالدي - طبعة دار القلم - دمشق 2/140.
(۲) صحيح مسلم: كتاب الزهد والرقائق - باب قصة أصحاب الأخدود 4/2299 ورقمه (3005) ورواه الترمذي في سننه في كتاب التفسير - تفسير سورة البروج 4/437.
(۳) صحيح القصص النبوي: د. عمر الأشقر - طبعة دار النفائس - الأردن، ص 315.
طعام فاسد!
سئمت ذلك الطعام الفاسد الذي يقدمونه لي رغم في اجتماعاتهم الدوريَّة!
هكذا صرخت شذى بتذمر بالغ والغضب يتملكها فيضفي على وجهها الجميل مسحة حزن عميق، ثم تابعت قائلة:
كُلما أطل لقاء من هذه اللقاءات المقيتة استبشرت خيرًا بأثر أتركه في قلوب صديقاتي يمنعهن من تناول ذلك الطعام الفاسد الذي تعودن على تناوله بشكل يومي دائم أو إطعامه لي بطريقة أو بأخرى لأعود إلى بيتي فأتقيأ ما تناولته من سموم دسمة تأتيني على طبق ذهبي من «غيبة ونميمة» تستمر لساعات متواصلة لا تنقطع فيها شهية المدعوات دقيقة، وأستغرب لم لا يصين مثلي بأدنى وعكة ويتأخر الوقت كثيراً فينصرفن متململات بقلوب محشوة حسداً وأرواح ممتلئة ضغينة، ونفوس تضخمت فيها «الأنا» فطفت على كل شيء سواها، وتصدرت بغرور لتتحدث تلك اللغة الأئمة بكل ثقة وطلاقة أتهيب حلول كل موعد أتوجس إثم اللقاء، وكأنني مقدمة على معركة حامية الوطيس، أندفع فيها لأقاتل فيها دفاعًا عن دين ومبدأ، ثم لا ألبث أن أجري هاربة بما تبقى لي من كرامة وإباء جريحة متألمة حائرة.
أقرأ على قلبي دروسًا في الإيمان أذكره بسير الصالحات من نساء الأمة، فيستجيب ويتعظ وما أن أخطو خطواتي الأولى إليهم حتى تجرفني بحورهم الطاغية، وأغدو كحبة رمل ضئيلة، أو قطرة ماء منسية إلى عالمهم المفضل، فيأتين بمرحهم الزائف يحملن أدوات الجريمة، فتغيب الضحية جسدًا عن المكان لكن الألسنة لا تفتأ تلوكها بكل وقاحة حتى لا تترك من كرامتها شيئًا تعبت محاولاتي معهم ما بين مد وجزر..
فأحيانًا أحاول تغيير مسلك الحديث إلى حوار بناء، فأنجح مرة وأفشل مرات.
وأحيانًا أطلق نصيحة مرفقة بابتسامة حب، لعلها تلامس القلب فتصد ثم ترد...
وقد ساءت حالة قلبي كثيرًا لزيادة كمية الوجبة هذه المرة، وصرخت معدتي معترضة لم أعد أحتمل المزيد من اللحوم البشرية الميتة الكريهة.
ور محمد مؤيد الجندلي