العنوان فرنسا شهرزاد تنتصر وتعود للمدرسة بحجابها
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1994
مشاهدات 57
نشر في العدد 1090
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 01-مارس-1994
كنا قد أجرينا تحقيقًا ميدانيًّا حول الفتاة المحجبة شهرزاد «17» سنة، الحاملة للجنسية الفرنسية، بعد طردها من الدراسة بسبب تمسكها بحجابها ودخولها في إضراب عن الطعام في سيارة أمام الأكاديمية، ثم أمام الثانوية التي طُردت منها بمدينة جرونويل (جنوب شرقي فرنسا) توج بتجمع كبير يوم 5/2 لمساندتها.
«المجتمع» تتابع في هذا التقرير تطورات قضية شهرزاد التي شغلت طويلا الرأي العام الإسلامي والفرنسي خاصة في المنطقة التي تم فيها الإضراب عن الطعام والتجمع وفي المدن المجاورة لها.
ثبات و عزيمة
وللتذكير، فقد اتخذت هذه الفتاة المسلمة قرارًا بالدخول في إضراب عن الطعام يوم 14 يناير ولقيت -بعد تردد- مساندة من أسرتها، وخاصة والدها عيسى بن العربي الذي وقف صامدًا إلى جانب ابنته. وكما صرح سابقاً لـ «المجتمع»، فإنه يدرج موقفه ضمن مسؤوليته وواجبه كأب وكمسلم.
وقد أثبتت شهرزاد طوال عملية الإضراب شجاعة وعزيمة قويتين، بل حولت إلى واقع ملموس إيمانها الراسخ بعدالة قضيتها على أساس عقيدة ثابتة بالتزامها باللباس الشرعي الذي فرضه الله على كل مسلمة، والذي عبرت عنه قبل أيام من قرار الإضراب بقولها في اجتماع المؤتمر الأول للشباب المسلمين بفرنسا: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري فلن أتخلى عن حجابي».
ومما زاد هذه القضية أهمية وقوف المرأة الفرنسية ساندرا (ربة بيت وأم لابنتين وزوجة التونسي عبد الناصر الزياني)، إلى جانب شهرزاد من أول يوم في الإضراب إلى يوم التجمع. وهذا الوقوف المشترك أعطى بعدًا مميزًا للمسألة، فتعكس العلاقة الحميمة بين مختلف أجيال الجالية الإسلامية من المهاجرين من أصل عربي إسلامي والفرنسيين المعتنقين للدين الإسلامي، ويظهر تضامنًا حقيقيًّا بين الطرفين، خاصة في القضايا المتعلقة بالهوية الإسلامية واندماج المسلمين الإيجابي في المجتمعات الغربية.
وكان التجمع يوم 5/2 في ساحة فيكتور هيجو بمدينة جرونوبل مناسبة لتجسيد هذه المعاني لدى الفرنسيين، الذين وقفوا مبهورين بين مصدق ومكذب أمام تحول الساحة التي تحمل اسم أحد المفكرين الفرنسيين المشهورين، والتي ترمز إلى العلمانية، شهدوا اجتماعًا ضخمًا للفتيات المحجبات وعدد كبير من المسلمين، رجالًا ونساء، شبابًا وشيوخًا، حيث رُفعت خلاله شعارات عميقة المعاني مثل «مسلمون نعم، فرنسيون أيضًا». هذا يعني أن الأجيال الجديدة من أبناء المسلمين المقيمين في فرنسا وبقية البلدان الأوروبية والغربية لم تعد ترى مفارقة بين تمسكها بهويتها الإسلامية وحق المواطنة، ولا بين التزامها بالشعائر والآداب الإسلامية والاندماج في مجتمع يرفع شعار العلمانية.
فهذه الأجيال فهمت العلمانية بأنها فضاء محايد يحترم كل التعابير الدينية والتعددية الثقافية، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تتحول إلى سيف مسلط للإقصاء والانتقاء على أسس عرقية ودينية وثقافية.
ولم تقتصر المساندة على اللجنة التي كُلِّفت لهذا الغرض، ولا على مسلمي جهة جرونويل، بل تجاوزت ذلك إلى المناطق الأخرى. كما أصدرت هيئة التنسيق لمسلمي فرنسا بيانًا لمساندة شهرزاد، طالبت فيه بتمكين هذه الفتاة من حقوقها المدنية وعلى رأسها التعليم، مثلما هو حق كل الفتيات المقيمات في فرنسا، حيث تقام مبادئ الجمهورية على الحرية والعدالة والأخوة.
عودة برأس مرفوع
ولعل وضوح الرسالة من وراء نضالات شهرزاد وقوة المساندة التي وجدتها حتى من طرف بعض الفرنسيين المحبين للعدل والمساواة قد دفعتا الإدارة التعليمية إلى التراجع والإسراع باقتراح حل للخروج من هذه الأزمة ومن هذه الورطة؛ لأن الإصرار على الطرد يقابله إصرار على المضي في النضال حتى تحقيق الهدف، والتنازل يعني فتح الباب أمام حالات أخرى عديدة من الفتيات المطرودات بسبب حجابهن.
وفي اتصال هاتفي مع أسرة شهرزاد ذكر والدها بأن «مشاورات عديدة تمت بين مسؤولي المنطقة على مستوى البلدية وإدارة الشرطة والأكاديمية علمنا بها فيما بعد دون أن نطلع على ما جاء فيها»... على كل كانت نتيجة هذه المشاورات إيجابية حيث تلقت هذه الفتاة رسالة تخول لها التسجيل بثانوية جديدة بمنطقة فوراب، وبعد امتناع مديرة هذه الثانوية عن التسجيل بوضع شرط التخلي عن الحجاب عقبة مرة أخرى أمام الحل، تدخلت الأكاديمية بكل ثقلها وتم تسجيل شهرزاد في هذه الثانوية وهكذا عادت إلى دراستها يوم 15/2 مع الاحتفاظ بحجابها.
وحول انطباعاتها عن المرحلة السابقة صرحت شهرزاد للمجتمع بقولها «فهمت بأنه من أجل تحقيق المطالب واسترجاع الحقوق لا بد من الكفاح والتعب والتضحية».. وعبرت عن استعدادها لمواصلة نضالها من أجل عودة بقية الفتيات المطرودات الى دراستهن.
ولعل هذا الأمر هو الذي يفسر الإبقاء على لجنة مساندة شهرزاد حيث تم الاتفاق على توقيف نشاطها وقتيًّا خلال شهر رمضان ثم العودة إلى النضال بنفس الإصرار من أجل رفع المظلمة على 240 حالة طرد أخرى.
أما في الظرف الحالي فإن شهرزاد قد عادت إلى متابعة دراستها بصفة طبيعية وشعورها أن كل شيء يسير على أحسن حال والمشكل الوحيد هو التعب والإرهاق، بعد 20 يوما من الإضراب عن الطعام. وفي نفس الوقت فإنها تشعر بنشوة الانتصار لمبادئها ولدينها ... أما ساندراء فإنها عادت إلى بيتها وابنيتها وقد أدت رسالة الأخوة والتضامن التي يمليها عليها دينها.
ويبقى السؤال المطروح هل إن الضغط الداخلي والخارجي الإسلامي في مستواه الحالي سيرفع كابوس الطرد وسيف الإقصاء على بقية المسلمات المحجبات وسيضع حدًّا لتعنت الإدارة الفرنسية في التصدي للحجاب (آخر قرار منع صور الإقامة بالحجاب) أم أن حالة شهرزاد ستبقى استثناء؟ وهل تم إغلاق ملف قضية شهرزاد أم سيكون الشرارة الأولى لرفع مظلمة يعاني منها الحضور الإسلامي في فرنسا.