العنوان نظرات إسلامية الاختلاف..- وأزمة الفكر
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر الجمعة 30-ديسمبر-2011
مشاهدات 73
نشر في العدد 1982
نشر في الصفحة 51
الجمعة 30-ديسمبر-2011
المتابع لشاشات التلفزة هذه الأيام يشعر بمرارة شديدة، بسبب تحول الكثير من برامج الحوارات والنقاشات إلى منابر للهجوم والنيل من التيار الإسلامي، لا لشيء، إلا لكونه حقق مكاسب متقدمة في الانتخابات في مصر ومن قبلها تونس والمغرب.
وإذا سلمنا بفطرية الاختلاف في وجهات النظر لإغناء العقل السياسي وتعظيم خصوبة الرأي، ورؤية الأمور من أبعاد وزوايا متعددة وإضافة عقول جديدة إلى العقل الذي اختاره الشعب بإرادته الحرة النزيهة، لا يمكن التسليم بأن يتحول الاختلاف في الرأي إلى وسيلة للتآكل الداخلي والإنهاك، وربما الاقتتال والاستنصار والتقوي بقوى الشرق والغرب.
وخطورة الرؤية الليبرالية والعلمانية التي يقف خلفها جيش جرار من الإعلاميين، أنهم عجزوا عن استيعاب النظرة الكلية السوية للأمور، والرؤية الشاملة للمنهج الإسلامي فقبعوا وراء جزئيات محددة وأخذوا يضخمونها ويكبرونها ، حتى استغرقتهم إلى درجة لا يمكن معها أن يروا شيئا آخر، ومشكلة المشكلات أن يتطور هذا الاختلاف إلى خلاف وتنازع بين أبناء التيار الإسلامي على اختلاف مشاربهم.
إن بعض أبناء التيار الإسلامي يستمرئ الاختلاف إلى حد الخلاف فتتعمق أخاديده ويتملك عليه حواسه، إلى درجة ينسى معها المعاني الجامعة، والصعيد المشترك الذي يلتقي عليه المسلمون، وتغيب عنه أبجديات الخلق الإسلامي، فتضطرب الموازين، وينقلب عنده الظنّي إلى قطعي، والمتشابه إلى محكم، وخفي الدلالة إلى واضح الدلالة، والعام إلى خاص وتستهوي النفوس العليلة مواطن الاختلاف ومن ثم يكون السقوط في هاوية النزاع والتصارع والتكالب على الدنيا وزينتها الفانية. وقد تنقلب الآراء الاجتهادية والمدارس الفقهية التي محلها أهل النظر والاجتهاد، على أيدي المقلدين والأتباع إلى ضرب من التحزب الفكري، والتعصب السياسي، والتخريب الاجتماعي، تؤوّل على ضوئه آيات القرآن وأحاديث الرسول ﷺ، فتصبح الأدلة التي لا توافق هذا اللون من التحزب الفكري إما مؤولة أو منسوخة، وقد يشتد التعصب ويشتد فتعود إلينا مقولة الجاهلية: «كذاب ربيعة أفضل من صادق مضر ..».
ولعل مرد معظم اختلافاتنا اليوم إلى عدم الرسوخ في العلم، وعوج في الفهم تورثه علل النفوس من الكبر والعجب بالرأي والطواف حول الذات والافتتان بها.. واعتقاد أن الصواب والزعامة وبناء الكيان إنما يكون باتهام الآخرين بالحق وبالباطل.. الأمر الذي قد يتطور ويتطور، حتى يصل إلى الفجور في الخصومة والعياذ بالله تعالى.
إننا قلما ننظر إلى الداخل؛ لأن الانشغال بعيوب الناس، والتشهير بهم، والإسقاط عليهم لم يدع لنا فرصة التأمل في بنائنا الداخلي.
لقد اختلف السلف الصالح رضوان الله عليهم، لكن اختلافهم في الرأي لم يكن سببا لافتراقهم؛ لأن وحدة القلوب كانت أكبر من أن ينال منها شيء.
أما نحن اليوم فمصيبتنا في نفوسنا وقلوبنا، لذلك فإن معظم مظاهر التوحد والدعوة إليه، والانتصار له، إنما هي عبارة عن مخادعة للنفس، ومظاهر خارجية قد لا نختلف فيها كثيرا عن غيرنا ، والله تعالى يقول: ﴿وَذَرُوا ظاهر الإِثْم وَبَاطِنَهُ﴾ (الأنعام: ۱۲۰).
والعالم الإسلامي اليوم بعد أن كان دولة واحدة تدين بالمشروعية العليا لكتاب الله تعالى وسنة خاتم النبيين محمد ﷺ، أصبح اليوم عشرات الدول، والاختلافات بينها لا يعلم مداها إلا الله، وكلها ترفع شعارات الوحدة بل قد توجد ضمن الدولة الواحدة كيانات عدة، وليس واقع بعض العاملين للإسلام اليوم – الذين يناط بهم مهمة الإنقاذ - أحسن حالا من مؤسساتهم الرسمية!
والاختلافات في عالمنا الإسلامي اليوم - كما يشهد الواقع – ترجع في الغالب إلى أن الأمة قد أصبحت هكذا تعاني في واقعها من تلك الأحداث، حتى أتقن الكثيرون فن الاختلاف والخلاف، وافتقدوا آدابه والالتزام بأخلاقياته ومن ثم سقطنا فريسة التنازع الذي أدى بنا إلى ذهاب الريح.
وأزمتنا في حقيقتها هي أزمة فكر ومشكلتنا في عدم صدق الانتماء.
والأمة المسلمة عندما سلم لها عالم أفكارها ، وكانت المشروعية العليا الأساسية للكتاب والسنة، وفقه الراسخين في العلم، استطاعت أن تحمل رسالة، وتقيم حضارة، على الرغم من شظف العيش، وقسوة الظروف المادية، فكان مع العسر يسر.. ذلك أن الحيدة عن الكتاب والسنة وفقه الراسخين في العلم من هذه الأمة موقع في التنازع والفشل، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ ﴾ (الأنفال: ٤٦).
والمسلمون اليوم لا يشكون من قلة المادة وتوافر الأشياء، ومع ذلك انقلبوا إلى أمة مستهلكة، على مستوى الأفكار والأشياء معا؛ لأنهم افتقدوا المعاني الجامعة والقواسم المشتركة، وغابت عنهم المشروعية الكبرى في حياتهم، وأصاب الخلل بنيتهم الفكرية!
ومن ثم لابد من إعادة الصياغة، وإعادة الترتيب المفقود لفكر المسلم، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالرجوع إلى كتب الأصول، حيث وضع علماؤنا الراسخون في العلم الضوابط والقواعد للمقايسة والاستنتاج لضبط الرأي وضمان مساره، واقترن العلم عندهم بأخلاقه.. ولابد من تنمية الدراسات التي تؤكد وحدة الأمة وقواسمها المشتركة، والمنهج التربوي الذي يسلحها بأخلاق المعرفة، وإبراز النقاط الجامعة، واعتبار فترات الرفض والخروج وكتب الخلافيات حالات مرضية لا يعتد بها.