العنوان الحرب والسلام في الشرق الأوسط وجهان لعملة واحدة
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 17-مايو-1983
مشاهدات 58
نشر في العدد 621
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 17-مايو-1983
·
تعود المواطن
العربي أن يتشاءم حين يعلو نفير الحرب مثلما يتشاءم حين تعلو نغمة السلام.
·
عندما تصحو
هذه الأمة من غفلتها فستصبح كافة الاتفاقيات اللاشرعية بالاعتراف بإسرائيل في مزبلة التاريخ.
منذ أن تحركت
الجيوش العربية (السبعة) عام 1948 لإنقاذ فلسطين تبين للشعب العربي المغلوب على أمره
أن معظم هذه الجيوش ما توجهت إلى فلسطين لإنقاذها من اليهود وإنما لتثبيت الكيان اليهودي
في فلسطين وقد يستغرب القارئ من هذا القول ويعتبره تهجمًا على الجيوش العربية، ولكن
الحقيقة التي يجب أن تعلمها الأجيال الإسلامية الصاعدة أن تلك الجيوش كانت هي أيضًا
مغلوبة على أمرها وأنها كانت مسخرة ومسيرة ضد إرادة الأمة ولصالح الرموز القابعة آنئذ
على سدة الحكم.
وليس هناك أسهل
من إيراد الأدلة على صدق هذا القول، ذلك أن تلك الجيوش التي كان من المفترض أن يكون
توجهها إلى فلسطين لمعونة أهلها على دحر الغزاة الصهاينة فإذا بها تنتزع السلاح من
الفلسطينيين بلا خجل ولا حياء ثم تتآمر على قوات المجاهدين المتطوعين من البلاد العربية
والإسلامية وتمنعهم من تحقيق أهدافهم في خوض عمار الجهاد لإنقاذ فلسطين، ثم بعد ذلك
تنسحب تلك الجيوش العربية السبعة بلا مبرر عسكري معقول وتوقف القتال بعد أن سلمت الأراضي
والمدن والقرى التي كانت تشرف عليها إلى اليهود وفي القدس الشرقية كان اليهود عندما
أوقف العرب القتال قد رفعوا الرايات البيضاء استسلامًا بعد أن قطع عنهم المجاهدون الماء
وفرضوا عليهم حصارًا محكمًا.
·
ومنذ توقف القتال في الهدنة الثانية الدائمة عام
1949 أصبح واضحًا لكل مراقب أن القوى المعنية قد أدت واجبها في تثبيت أقدام اليهود
في فلسطين وأنها لا تفكر، مجرد التفكير، في تحرير فلسطين وإن ملأت إذاعتها الأثير حديثًا
عن «إسرائيل المزعومة»،
وكان الأمر
حتى ذلك الحين لبريطانيا التي أنشأت إسرائيل ونصبت كثيرًا من الرموز العرب حكامًا على
شعوبهم، ومنذ انقلاب حسني الزعيم في سوريا وانقلاب عبدالناصر في مصر بدأت أميركا تحل
محل بريطانيا في المنطقة ولكنها استخدمت أسلوبًا جديدًا فكلفت صنائعها بأن يشتموها
ليتعلق الشعب بهم ولكن الشعب السوري سرعان ما كشف حسني الزعيم فأسقطه بعدما تبين أنه
يجري اتصالات للصلح مع إسرائيل، ثم لم يلبث عبدالناصر أن كشف عن وجهه الحقيقي حين أطلق
على نفسه اسم «بطل السلام» فتقزز الشعب الفلسطيني من هذا اللقب غير المتجانس وأوجس
خيفة من هذا الرجل فبدأت حركة الشعب الفلسطيني السرية في الخمسينيات تعمل، وهي النواة
الأولى لما سمي فيما بعد بحركة التحرير الوطني الفلسطيني.
ولكن إسرائيل التي ما وجدت لتتقوقع في قطعة صغيرة
من الأرض أخذت تخطط لقفزة جديدة فقامت حرب الأيام الستة عام 1956، هذه الحرب الإسرائيلية
في قناة السويس وشرم الشيخ وهي تحمل أعلامًا غير إسرائيلية كما حظرت وصول الطائرات
المصرية إلى مسافة أبعد من العريش.
وكان لأميركا في عهد أيزنهاور الدور الأوفى في
انسحاب إسرائيل بناء على تلك الاتفاقات ولكن إسرائيل بدأت تخطط لهجمة جديدة وتوسع جديد
بينما كان الحكام العرب يغطون في سبات عميق اعتمادًا على حماية أميركا التي لم تلبث
أن أعطت لروسيا دورًا ما في هذه الحماية المزعومة.
ومرة أخرى تقوم إسرائيل بهجومها الجديد عام 1967
ولكنها هذه المرة ترفض الانسحاب إلا بثمن باهظ لم يقدر عليه عبدالناصر الذي قبل مشروع
روجرز فكان لابد من ظروف أكثر ملائمة ورجل أكثر طواعية فكانت حرب أكتوبر 1973، وكان
السادات الذي قدم ما لم يجرؤ غيره على تقديمه، قدم الاعتراف الكامل بإسرائيل.
فكان لابد أن
تتجه إسرائيل وجهة أخرى فكان غزو لبنان ولكن هذا الغزو جاء باتفاق مسبق مع بعض أركان
النظام اللبناني لتخليص لبنان من الفلسطينيين وبمباركة أميركية ومشاركة عربية، نعم
مشاركة عربية رسمية بطريق مباشر أو غير مباشر أوصل الوضع اللبناني إلى ما هو عليه الآن.
والآن أصبحت هناك اتفاقية بين لبنان وإسرائيل وقعت
بالأحرف الأولى وهي لا تختلف في جوهرها عن اتفاقيات كامب ديفيد في أنها تعني الاعتراف
المتبادل بسيادة كل دولة على أراضيها أي بالاعتراف بأن فلسطين كاملة ملك لليهود، بينما
سيادة لبنان على أراضيها سيادة شكلية كاذبة ذلك أن من «حق» إسرائيل أن تشارك في «تدابير
أمنية» ضمن الأراضي اللبنانية وأن هناك منطقة في الجنوب اللبناني تبدأ من نهر الأولى
شمال مدينة صيدا إلى حدود فلسطين محظور أن يتواجد فيها أكثر من لواء لبناني من ضمنه
العناصر التابعة لحداد على أن تحدد أنواع الأسلحة التي يستخدمها هذا اللواء، كما أنه
يحظر على غير اللبنانيين دخول هذه المنطقة، ولعل هذا الشرط شبيه بالشرط الذي يحدد عدد
القوات المصرية وأسلحتها شرق قناة السويس فيسلب السيادة المصرية على أراضيها في الوقت
الذي تقرر فيها اتفاقيات الصلح سيادة كل دولة مصر وإسرائيل على أراضيها فتكون السيادة
لإسرائيل حقيقية والسيادة لمصر وهمية وزائفة.
ومن ضمن الاتفاق إنهاء حالة الحرب بين إسرائيل
ولبنان وهذا النص هو تحصيل حاصل فلبنان الرسمي لم يكن في يوم من الأيام في حالة حرب
مع إسرائيل بل هو في حالة حرب مستمرة مع مسلمي لبنان ومع الفلسطينيين لأنهم مسلمون
والشواهد على ذلك لا تعد ولا تحصى.
ومن ضمن الاتفاق أن تشارك القوات متعددة الجنسيات
الجيش اللبناني في الجزء الشمالي من الجنوب اللبناني أي من نهر الأولى إلى حدود بيروت
الكبرى فإذا كان هناك إسرائيليون مع سعد حداد مع الجيش اللبناني في الجزء القريب من
فلسطين المحتلة وإذا كانت هناك قوات من جنسيات مختلفة (قوات حلف الأطلسي) في الجزء
القريب من العاصمة بيروت فأين هي السيادة اللبنانية التي يتحدث عنها الرئيس اللبناني
والتي يهون كل شيء في سبيلها؟
وإذا كانت هناك شروط أخرى كإنهاء الحملات الإعلامية
بين تل أبيب وبيروت- وهي طبعًا غير موجودة- بالإضافة إلى تنقل «الحالات الإنسانية»
بين البلدين والمفكرين والشخصيات العلمية والسماح للنصارى بالذهاب إلى القدس للحج فإن
كل ذلك تمهيد لقيام مفاوضات بعد ستة أشهر- تمامًا كما حدث مع مصر- من أجل تطبيع العلاقات
التي بدأت بمكتب ارتباط قرب بيروت لن يلبث أن يصبح فيما بعد سفارة.
والسؤال الآن: لماذا يصمت العرب على هذه الاتفاقية
التي لا تختلف كثيرًا عن تلك الاتفاقية التي عقدتها إسرائيل مع مصر؟ الجواب: لأن رفض
الأنظمة العربية لاتفاقيات كامب ديفيد كان رفضًا زائفًا وأن العلاقات الحقيقية لم تقطع
مع مصر.
والسؤال الثاني: ما حقيقة الموقف السوري من هذه الاتفاقية؟ وبالتالي ما
حقيقة الموقف الروسي الذي يحاول في الآونة الأخيرة أن يستعيد نفوذه الضائع في المنطقة؟
لماذا تدق سوريا اليوم طبول الحرب بينما كانت تتفرج على القوات الإسرائيلية وهي تمر
من أمامها لإحكام الطوق على بيروت الغربية وصب الحمم المهلكة على كل من فيها؟ هل هي
الرغبة في توقيع اتفاقية شبيهة معها؟ أم هو التمهيد لحرب جديدة لتصفية البقية الباقية
مع الفلسطينيين في البقاع؟ ثم يخلو الميدان بعد ذلك لتوقيع اتفاق كامب جديد؟
لقد
تعود المواطن العربي أن يتشاءم حين يعلو نفير الحرب مثلما يتشاءم حين تعلو نغمة السلام
وسواء حاربت هذه الأنظمة التي استبعدت الإسلام عقيدة ومنهج حياة أو جلست على طاولة
المفاوضات فالنتيجة واحدة وهي إخضاع هذه الأمة وإذلالها، وسواء كان المحرك لما يجري
في المنطقة العربية بريطانيا سابقًا بكتبها البيضاء أو أميركا حاليًا باعتبارها «الشريك
الكامل» أو روسيا لاحقًا عن طريق مؤتمر للسلام يعقد جنيف أو غيرها فمما لا شك فيه أن
ضمير هذه الأمة سيظل يرفض هذا الهزل وهذا التلاعب بمصير هذه الأمة ممن وضعوا مصالحهم
الخاصة فوق كل اعتبار.
وعندما تصحو هذه الأمة من غفلتها فسوف تكون كافة الاتفاقيات اللاشرعية بالاعتراف بإسرائيل في مزبلة التاريخ.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل