الثلاثاء 29-يوليو-1980
الحزام الطائفي هو جزء لا يتجزأ من نظرية الأمن اليهودية.. وهي النظرية التي يردد رجال الحكومة اليهودية معانيها على مسمع العالم في كل مؤتمر، أو صحيفة، أو إذاعة تتيح لهم الحديث عن موقفهم بالنسبة لحل مشكلة ما يسمى بالشرق الأوسط.
وإذا كانت نظرية الأمن هذه هي بدعة من بدع اليهود وفق سياسة المراوغة واللعب على حبال السياسة الدولية؛ فإن أهم ما في هذه النظرية الماكرة إنشاء حزام من الدويلات الطائفية اللا إسلامية حول الكيان اليهودي الذي يقيم دولته على تراب فلسطين المسلمة.
وإذا أردنا التنقيب عن هوية هذه الطوائف اللا إسلامية، فان من السهل أن تعرف أن الحرب الدائرة في لبنان اليوم تكشف لنا عن بعض هذه الطوائف.. وإذا كان النصارى الصليبيون قد نجحوا بمساعدة من بعض الأقطار العربية القريبة من لبنان في إقامة کیان ممسوخ في جنوب لبنان... فإن التغطية الطائفية للحزام الطائفي حول دولة اليهود لن تقتصر على لبنان وحده، أوالنصارى بمفردهم.
وهنا لا بأس للمراقب أن يستذكر ما قاله وزير خارجية مصر الذي استقال احتجاجًا على سياسة الرئيس السادات، فقد ذكر هذا الوزير وهو إسماعيل فهمي شيئًا عن مستقبل الوضع السائد في المنطقة قائلًا: «إن مشروع الدويلات الطائفية ما يزال من أهم أهداف إسرائيل، وستحاول تطبيقه وفرضه في لبنان وسوریا إن إستطاعت».
ويضيف الوزير المصري السابق في حديثه للوطن العربي: «إن مقومات تحقيق المشروع ما تزال موجودة، وقد وضعت لها إسرائيل مهلة للتطبيق تتجاوز على المدى البعيد ثلاث سنوات، ولكنها قد تلجأ إلى اختصار الوقت، وفرض مخطط الدويلات بشكل أكثر سرعة إذا ما هي إكتشفت أن عامل التعجيل والسرعة مفيد وضروري... وعلى هذا فإن مستقبل المنطقة ما يزال مهددًا بمثل هذا النوع من التخطيطات».
ولعلنا نلاحظ بعد هذا أن المشكلة اللبنانية لا بد وأن تبقى بارزة بشكلها العنيف على ساحة الشرق الأوسط إلى أن يتحقق لليهود ما كانوا قد خططوا له، وفي خلال الحرب الدائرة في لبنان يمكن للمرء أن يقوم بعملية فرز للطوائف اللا إسلامية المتصارعة؛ ليحدد فيما بعد هوية الدويلات الطائفية التي يمكن الحكومة العدو اليهودي أن تساعد على وجودها حول فلسطين المحتلة.
- فالنصارى هم المحور الأول الذي يعتمد عليه اليهود في إذكاء نار الفتنة على أرض لبنان، واذا كانوا قد أعلنوا عن جزء من الحزام الطائفي في جنوب لبنان؛ فإنهم ما زالوا يقومون بتصفيات حسابية لإيجاد الدولة الصليبية التي تغطي معظم الاجزاء الإستراتيجية من لبنان، والدروز -هم في عداد الطوائف اللا إسلامية- باتوا يشكلون قوة تعمل في المخطط نفسه، وإذا كان وليد جنبلاط يكمل مشوار أبيه في زعامة ما يسمى بالتجمع الوطني؛ فان أهداف جنبلاط هذا لم يظهر منها حتى الآن ما يوحي بأن مخططه يعمل لصالح لبنان أبدًا.
والسؤال الذي يطرح نفسه في صفوف الجهات المسماة بالوطنية في لبنان هو: هل خلت الساحة اللبنانية الوطنية من الزعامات الإسلامية ليصل الدروز إلى سدة قيادة الفئات التي تظهر بمظهر النزاع مع النصارى حول مصلحة لبنان؟
إن الإجابة على هذا السؤال لا يمكن أن تذكر في جملة أو سطر، بل لا بد من عودتها إلى الدور البريطاني في جعل الدروز قوة سياسية في لبنان، ولا بد من معرفة السبب الذي حدا ببريطانيا إلى تجميع أبناء هذه الطائفة اللا إسلامية في مناطق محددة من لبنان وفلسطين وجنوب سوريا أيضًا، وواضح بعد هذا أنه لو قدر للنصارى الانفصال عن لبنان الكلي في سبيل إنشاء الدولة النصرانية الكبرى، فإن الجهات لا بد وأن تخضع لقيادتها التي يشكل الدروز الحجر الأساسي فيها، وهذا يؤدي بالنتيجة إلى خطر قيام دولة درزية متضامة للدولة الصليبية، ليكتمل الجزء الثاني من الحزام الطائفي حول دولة اليهود.
- أما القوة الثالثة المشاركة في الحرب الطائفية في لبنان، فهي تلك التي تختبىء وتخفي أنفها وراء ما يسمى بالردع، ولعل بعض الديبلوماسيين العرب في لبنان أشار ذات يوم إلى الهوية الطائفية التي ترتكز عليها القوة الثالثة، ولن يكون بعيدًا عن أذهان المراقبين أن هذه القوة تعمل أيضًا للتشكيل الطائفي الذي يحاول إيجاد الحلقة الطائفية الثالثة في الحزام الطائفي اليهودي؛ لتبقى الجبهة الأردنية هي المنطقة الوحيدة المفتوحة بين المسلمين واليهود، الأمر الذي سيدعو دولة العدو إلى وضع كل قوتها في محاذاة هذه الجبهة بعد اكتمال الحزام الطائفي في الشمال والشرق الشمالي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل