; الصيام والتراويح.. عبادة وصحة وسعادة | مجلة المجتمع

العنوان الصيام والتراويح.. عبادة وصحة وسعادة

الكاتب عبدالمطلب بن أحمد السح

تاريخ النشر السبت 25-أكتوبر-2003

مشاهدات 61

نشر في العدد 1574

نشر في الصفحة 58

السبت 25-أكتوبر-2003

هناك عادات غير حميدة قد تفقدنا العديد من مزايا الصيام، حيث إن البعض، بمجرد سماع صوت المؤذن يهب للمائدة ليتناول من أصناف الطعام ما لذ وطاب، ويحمل معدته وأمعاءه ما يزيد على طاقتها، ويحدث عسر الهضم، وقد يقضي ليله في المشافي -لا سمح الله- وعلى الصائم أن يبتعد عن الإكثار من الطعام، لا سيما الأطعمة الدسمة والحلويات الزائدة والمآكل الثقيلة، فالوجبات يجب أن تكون كما هي في الشهور العادية، مع مراعاة الإكثار من السوائل والأطعمة الخفيفة التي يسهل هضمها، وتعين الصائم على عبادته وعمله.

وهنا لا يسعنا إلا أن نذكر التمر، ذلك الغذاء الدواء الذي قال عنه رسول الله ﷺ: «إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإنه بركة فإن لم يجد تمرًا فالماء فإنه طهور» «رواه أبو داود والترمذي»، كما قال ﷺ: «نعم السحور التمر»، حيث إن الصوم يخلي المعدة من الغذاء، والحلو أسرع شيء وصولًا للكبد وأحبه إليه، لا سيما إن كان رطبًا فيشتد قبوله له فينتفع به الجسم، وإذا لم يتوافر الرطب فالتمر، لحلاوته وقوته الغذائية، وإن لم يكن فحسوات الماء التي تطفئ لهيب المعدة وحرارة الصوم، وعدا التمر هناك بدائل مثل اللبن والعسل والثمار، وكلها نعم منّ الله بها علينا.

أطعمة رمضان:

ينصح ألا تحتوي أطعمة رمضان على منبهات وحوامض وتوابل كثيرة، وأن تحوي قليلًا من الدسم، وأن تكون الكمية المتناولة قليلة، لأن تناول وجبة كبيرة في مدة زمنية قصيرة يؤدي إلى بطء إفراغ المعدة، وهذا يؤدي للشعور بالثقل والامتلاء، ويجب أيضًا عدم الإفراط في تناول الماء البارد لحظة الإفطار.

من الجدير بالذكر أنه يفضل أولًا تناول قدر من التمر -كما أشرنا- فهذا ينبه الجهاز الهضمي، ويزيل الشعور بالنهم والشراهة، وهو من سُنن الرسول ﷺ، ومن ثم تؤدى صلاة المغرب، وبعدها يتم تناول كمية معقولة من «الشوربة» الهادئة أو «الحساء» مما يساعد على تنبيه المعدة والأمعاء، والبدء في ضخ الإفرازات الهاضمة، ومن ثم تناول باقي الطعام كما ذكرنا، ويجب أن يتم مضغ الطعام جيدًا، لأن هذا مهم جدًا لعملية الهضم وللجسم ككل.

إن رمضان مناسبة لأن نعود أنفسنا وأطفالنا. البعد عن أطعمة تقذفها المصانع إلينا بالأطنان، وفيها من الضرر ما يفوق النفع، ونعيدهم وإيانا للذوق الغذائي السليم.

السحور:

يقول رسول الله ﷺ: «تسحروا فإن في السحور بركة»، ويقول في حديث آخر: «استعينوا بطعام السحور على صيام النهار، وبقيلولة النهار على قيام الليل»، ويقول ﷺ: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور» «متفق عليه».

وفي هذا توازن زمني بين الوجبتين اللتين يتناولهما الصائم، ويجب أن تكون وجبة السحور خفيفة ما أمكن، فتكون مثلًا من التمر والزبادي «اللبن» والحليب والخبز وشرائح اللحم المسلوق والفواكه والخضار والعسل والحبوب وما شابه، ويحبذ عدم النوم بعد تناول السحور مباشرة، لأن الجهاز الهضمي يكسل أثناء النوم، وننصح بالإقلال من الدهون في السحور، وتفضل المشويات على المقليات، ويجب عدم نسيان الدواء إذا كان الإنسان قادرًا على الصيام، وينصح باستعمال السواك أو الفرشاة لتنظيف الأسنان قبل النوم، فهذه سُنة محببة، ولها فوائد صحية كثيرة ومؤكدة بالدراسات.

النوم في رمضان:

مما يؤسف له أن البعض قد تعود نوم النهار في رمضان والسهر طوال الليل، إن رمضان شهر عبادة وعمل، وفي الإبكار صحة، يقول رسول الله ﷺ في الحديث الشريف: «بورك لأمتي في بكورها»، ويجب أن نكون قدوة في ذلك لغيرنا وخصوصًا لأطفالنا، فيجب ألا يشعر أطفالنا أن الصيام نوم وكسل، لا مانع إن تأخر الطفل في النوم قليلًا، ولكن الطامة الكبرى إن رأى أباه ينام طول النهار، لا يفيق إلا على صوت المؤذن يجب أن تشعر نحن وأطفالنا بأن وقت الصيام ثمين وعلينا کسبه بالطاعة والعبادة وقراءة القرآن الكريم بالإضافة للأعمال الاعتيادية.

أيضًا ينصح بتجنب النوم بعد الإفطار لأن هذا قد يحرم الصائم صلاتي العشاء والتراويح، كما أنه يضر ببدنه.

صلاة التراويح:

فضلًا عن الفوائد التعبدية والأجر العظيم في صلاة التراويح، فإن من فوائدها الأخرى تلك السعادة الدنيوية التي تمنحها الصلاة متمثلة بالفوائد الصحية التي تثبت بالأدلة القاطعة. فالصلاة مجهود جسدي بسيط منتظم الإيقاع وبخاصة حركات الركوع والسجود، فالمصلي يضغط على المعدة والأمعاء فيحدث تنشيط لحركاتهما، وتسريع العملية الهضم، فينام المسلم بعدها بعيدًا عن الإحساس بالتخمة والتوتر العصبي، كما أن المصلي يحرق كمية من الحريرات تعادل ١٠ حريرات في الركعة الواحدة، وفي هذا صحة وعافية جسدية ونفسية.

الصيام يحسن الصحة ويخفف الوزن:

ثبت علميًا أن الصيام الدوري فعال في تحسين الصحة وتخفيف الوزن تمامًا كتقليل السعرات المستهلكة، حتى وإن لم تقل الكمية الكلية المتناولة من الطعام.

وكانت الدراسات الطبية أكدت أهمية الغذاء محدود السعرات وفوائده في حماية الجسم والوقاية من الأمراض، وزيادة حساسية الإنسان للأنسولين المنظم لسكر الدم ومقاومة التوتر، وقد أظهرت الدراسة الجديدة أن للصيام فوائد صحية مشابهة لتقليل الغذاء بنسبة 40%․

ووجد الباحثون في المعهد الوطني للشيخوخة، في اختباراتهم المعملية، أن الحيوانات التي تم إطعامها ضعف الكمية يومًا بعد يوم وصامت في الأيام الأخرى، أي دون تقليل السعرات الكلية المتناولة، شهدت نفس الفوائد التي يحققها الغذاء محدود السعرات في السيطرة على سكر الدم، كما أظهرت خلاياها الدماغية تحملًا أكبر للسموم العصبية المحقونة في المخ.

ويقول الباحثون إن السبب في ظهور تلك التحسنات الصحية الناتجة عن تقليل الطعام لم يتضح بعد، ولكن يعتقد أنه قد يرجع إلى الانخفاض الطويل الأجل للسعرات الحرارية المستهلكة، مشيرين إلى أن الخطوة الثانية تتمثل في مقارنة صحة مجموعة من الأشخاص تناولوا ثلاث وجبات عادية يوميًا مع مجموعة أخرى تناولت نفس نوعية الغذاء وكميته لمدة أربع ساعات وصامت لمدة عشرين ساعة قبل تناول الطعام ثانية.

وأشار الخبراء إلى أن الإفراط في الأكل يعتبر مشكلة كبيرة وخصوصًا بين الأطفال. ولم تتضح بعد أفضل طريقة لحمل الناس على تقليل تناولهم للطعام، ولكن يعتقد أن إهمال وجبة يوميًا قد يساعد على ذلك، لا سيما مع تفشي وباء البدانة وقلة النشاط البدني في العالم اليوم، لذلك فإن أي طريقة قد تساعد على تخفيف الوزن ستكون قيّمة ومحط اهتمام.

ولاحظ الباحثون أن الصيام يومًا بعد يوم يقلل خطر الإصابة بالأمراض المزمنة كالسكري والتلف العصبي الدماغي المشابه لمرض الزهايمر.

ولاحظ الباحثون أن حيوانات التجارب المحمية استهلكت طعامًا أقل بنسبة 40٪ من تلك التي تغذت بشكل طبيعي وفقدت 49% من وزنها خلال فترة الدراسة، بينما كان وزن الحيوانات الصائمة أقل بقليل من تلك التي تغذت طبيعيًا.

ويرى الخبراء أن تراكيز سكر الدم والأنسولين كانت أقل عند الحيوانات الصائمة وتلك التي تناولت غذاء محدود السعرات، من التي سمح لها بتناول الطعام وقتما شاءت.

من ناحية أخرى، وجد الباحثون بعد حقن المجموعات الثلاث من الحيوانات بسم عصبي يتلف الخلايا في منطقة الدماغ التي تعرف باسم «تحت المهاد» بصورة مشابهة لما يحدث في مرض الزهايمر، أن أدمغة الحيوانات الصائمة كانت أكثر مقاومة للتلف من أدمغة الحيوانات محدودة السعرات أو من تغذت طبيعيًا.

التمر يؤخر الشيخوخة:

أظهرت دراسات طبية حديثة أن التمر غني بالعناصر الغذائية المهمة التي تلعب دورًا أساسيًا في تقوية العضلات والأعصاب وترميم الجلد وتأخير بوادر الشيخوخة.

وبينت تحليلات التمر الجاف أنه يحتوي على 70,6% من الكربوهيدرات، و2,5% من الدهن و33% من الماء و1,32% من الأملاح المعدنية و10% من الألياف وكميات من الكورامين وفيتامينات (أ) و(ب1) و(ب2) و(ج)، ومن البروتين والسكر والزيت والكلس والحديد والفوسفور المنشط للدماغ والقوة الجنسية، إضافة إلى الكبريت والبوتاس والمنجنيز والكلورين والنحاس والكالسيوم والمغنيسيوم.

هذه العناصر تؤهل التمر ليصل إلى مرتبة اللحوم من حيث قيمته الغذائية التي تتفوق على ثلاثة أمثال ما للسمك من فوائد، وهو يفيد المصابين بفقر الدم والأمراض الصدرية، ويمكن أن يعطى على شكل عجينة أو منقوع يُغلى ويُشرب على دفعات. 

ويشير خبراء التغذية إلى أن التمر يفيد الصغار والشبان والرياضيين والعمال والناقهين والنحيفين والنساء الحوامل، ويساعد على تقوية الجهاز الهضمي عند تناوله مع الحليب أو اللبن والجوز واللوز، وهو سهل الهضم، سريع التأثير في تنشيط الجسم، ويدر البول، وينظف الكبد، ويغسل الكلى ويفيد منقوعه ضد السعال والتهاب القصبات والبلغم، وتساعد أليافه في مكافحة الإمساك، وتعادل أملاحه المعدنية القلوية حموضة الدم التي تسبب حصيات الكلى والمرارة والنقرس والبواسير وارتفاع ضغط الدم.

ويزيد التمر في وزن الأطفال ويحفظ رطوبة العين وبريقها ويمنع جحوظ كرتها، ويكافح الغشاوة، ويقوي الرؤية وأعصاب السمع، ويهدئ الأعصاب ويقويها، ويحارب القلق العصبي، وينشط الغدة الدرقية، ويشيع السَكينة والهدوء في النفس بتناوله صباحًا مع كأس حليب، كما يلين الأوعية الدموية ويرطب الأمعاء ويحفظها من الضعف والالتهاب، ويقوي حجيرات الدماغ والقوة الجنسية، ويقوي العضلات ويكافح الدوخة وزوغان البصر والتراخي والكسل، وخصوصًا عند الصائمين والمرهقين.

واكتشف الأطباء أن الرطب يحوي مادة قابضة للرحم تشبه هرمون الأوكسيتوسين ومواد حافظة للضغط الدموي، لذا يساعد تناوله على خروج الجنين وتقليل النزف بعد الولادة، فضلًا عن غناء بالسكر الذي يعطي الطاقة اللازمة لعملية الولادة المجهدة، قال تعالى في سورة مريم حين جاءها مخاض الولادة﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ (سورة مريم: 25).

وأظهرت الدراسات أن الجسم يمتص سكريات التمر من الجلوكوز والليكولون والسكاروز، ويتمثلها بسهولة فتصل سريعًا إلى الدم والأنسجة وخلايا الدماغ والعضلات، فتمنحها القوة والحرارة، وهي مدرة للبول ونافعة للكليتين والكبد، ولا تمنع إلا عن الأشخاص البدينين والمصابين بالسكري. 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (سورة البقرة: 183).

الرابط المختصر :