; المجتمع التربوي | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 15-نوفمبر-2008

مشاهدات 63

نشر في العدد 1827

نشر في الصفحة 48

السبت 15-نوفمبر-2008

مفهوم العمل التطوعي

أعد الله سبحانه الثواب الكبير لمن يدعون إلى الخير ويفيدون مجتمعاتهم

حث الإسلام الناس جميعًا على التسابق إلى الخيرات في جوانب عدة مادية ومعنوية

النية والإخلاص والإيمان بالفكرة.. من مقومات العمل الخيري


الكاتب: حمزة بسام

يُعرف العمل التطوعي بأنه منظومة القيم والمبادئ، والأخلاقيات، والمعايير، والرموز، والممارسات التي تحض على المبادرة إلى عمل الخير الذي يتعدى نفعه إلى الغير؛ إما بدرء مفسدة أو بجلب منفعة، تطوعًا من غير إلزام، ودون إكراه.

وقد عرفته الأمم المتحدة ضمن برامجها أنه عمل غير ربحي، لا يُقدم نظير أجر معلوم. وهو عمل غير مهني، يقوم به الأفراد من أجل مساعدة وتنمية مستوى معيشة الآخرين من جيرانهم أو المجتمعات البشرية بصفة مطلقة.

وهناك الكثير من الأشكال والممارسات التي ينضوي تحتها العمل التطوعي، من مشاركات تقليدية ذات منفعة متبادلة، إلى مساعدة الآخرين في أوقات الشدة، وعند وقوع الكوارث الطبيعية والاجتماعية دون أن يُطلب ذلك؛ بل يمارس كرد فعل طبيعي دون توقع نظير مادي لذلك العمل، بل النظير هو السعادة والرضا عند رفع المعاناة عن كاهل المصابين، ولم شمل المنكوبين، ودرء الجوع والأمراض عن الفقراء والمحتاجين.

إذن فالعمل التطوعي: كل عمل لا ربحي يقوم به الشخص المتطوع بدافع ذاتي من غير عائد مادي أو معنوي ، يتمثل في جلب منفعة للناس، أو إبعاد سوء عن المجتمعات.

المفهوم الإسلامي للتطوع

حث الإسلام الناس جميعًا على التسابق إلى الخيرات في جوانب عدة، منها ما هو مادي، ومنها ما هو معنوي. وحرص على أن تسود روح المبادرة في المجتمع فأعد الله سبحانه الجوائز، وأجزل الثواب الكبير لمن يدعون إلى الخير ويفيدون مجتمعاتهم؛ كما حث على ذلك نبيه ﷺ  فسَمَا بالنفس البشرية عن ثواب الدنيا إلى ثواب الآخرة، وتجلى ذلك واضحًا في كثير من المواضع في القرآن الكريم والسنة المطهرة .

التطوع في القرآن الكريم

ففي القرآن الكريم نجد أن الله تعالى قد أمر بالتطوع، وحث عليه في عدة مواضع حيث يقول: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ (المائدة:2) ليأمر بالتعاون على أعمال الخير وتجنب أعمال السوء، وهو ما يشير إلى مفهوم العمل التطوعي، وكذلك يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ﴾ (البقرة: ١٨٤) وفي هذا المعنى دلالة على عظم أمر العمل التطوعي في الإسلام, كما حث الله على الإنفاق المادي- أحد صور التطوع- في غير ما موضع من القرآن الكريم حيث يقول جل وعلا:﴿إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا﴾

 (الإنسان:9), وأيضًا في قوله تعالى: ﴿وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ﴾ (البقرة: ۱۷۷) وفي مجال الحث على التسابق في العمل التطوعي والعمل الذي يعود بالفائدة على المجتمعات، حيث يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ﴾ (البقرة: ١٤٨) ويقول جل وعلا: ﴿وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران:133).

التطوع في السنة النبوية

وفي السنة النبوية نجد أن الرسول ﷺ حث على أعمال التطوع والأعمال الخيرية في الكثير من المواضع، منها قوله ﷺ في امتداح المتطوعين: «إن لله عبادًا اختصهم لقضاء حوائج الناس حببهم للخير، وحبب الخير إليهم، أولئك الناجون من عذاب يوم القيامة»، وفي ذلك دلالة على عظم أجر التطوع الذي ينجي من عذاب النار في يوم المشهد الأعظم، وهنا نلاحظ أن الرسول ﷺ لم يحدد فئة معينة للاستفادة من الأعمال الخيرية ولكنه ذكر كلمة «الناس»، وفي ذلك دلالة على أن الإسلام يأمر بتقديم المساعدة والعون للجميع وليس لفئة المؤمنين أو من ينتمي للدين الإسلامي فحسب؛ لأن الدين الإسلامي دين شامل عالمي.

وفي فضل العمل التطوعي يقول ﷺ: «لأن تغدو مع أخيك فتقضي له حاجته خيرمن أن تصلي في مسجدي هذا مائة ركعة». وأجر الصلاة في المسجد النبوي الشريف معروف إنه يعدل ألف صلاة فيما سواه, ويقول ﷺ:«خير الناس أنفعهم للناس» (ابن حبان في المجروحين: 1/2). فيمنح الرسول ﷺ الخيرية لمقدمي النفع للناس، أو دافعي الضرر عنهم، وهكذا نجد أن كل ما عرضناه من آيات وأحاديث شريفة قد تناول الجانب المادي وثوابه، ولكن هناك نوع آخر من التطوع...ألا وهو التطوع المعنوي، وذلك بعدة أشكال، منها الابتسامة التي ذكرها الرسول ﷺ في قوله: «وتبسمك في وجه أخيك صدقة» (الطبراني في المعجم الأوسط: 8342)، وقد عدها ﷺ من الصدقات، ومنها إماطة الأذى عن الطريق حيث عدها ﷺ من شعب الإيمان، فيقول ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (صحيح مسلم: 35)، كما أن الله سبحانه وتعالى أمر بالإحسان للجار حتى أن الرسول ﷺ ظن أن الجار سيرث جاره بعد وفاته، وذلك في قوله ﷺ: «مازال جبريلُ يوصيني بالجارِ حتىّ ظننتُ أنه سيورِثّهُ» (أبو داود: 5152). 

من كل ما سبق تتجلى لنا عظمة هذا الدين الذي يعتبر العمل التطوعي فريضة وواجبًا على المسلم أن يقدمه لمجتمعه ومحيطه والناس أجمعين، وكذلك نرى أن الله سبحانه وتعالى قد حفز على ذلك بشكل كبير، والجائزة ليست من النعيم الزائل في الدنيا؛ ولكنها جائزة عظيمة تدوم وتبقى للإنسان، ألا وهي الخلود والتنعم بالجنان.

إن الدين الإسلامي قد سبق ما سواه من التشريعات والقوانين في أمور الخير و جوانبه، وتلك حكمة ظاهرة لنا من جعل الدين الإسلامي خاتمًا للرسالات، وعالميًا لكل البشر.

مقومات العمل التطوعي

أي عمل لا يقوم على أسس صحيحة يحكم بفشله حتى قبل البدء به، ولو نجح نسبيًا فإنه سيبقى في دائرة الفشل! من هنا كان لا بد من توضيح مقومات العمل التطوعي أو أي عمل في إطار ساحة الدعوة ومضمارها. وبذلك يغدو النتاج أكبر وتبدو الثمرة أنضر. 

ومن أهم المقومات الأساسية للعمل الدعوي والتطوعي:

النية

إنها أساس كل عمل, تحدد القصد من وراء العمل وتبين مرماه، هي ما يراه الله ولا يراه سواه، وعلى أساسها يحاسب المرء عن أفعاله وأقواله، فعن أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله  فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه».([1])

ويقول الرسول ﷺ :«إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم».([2])

 فمن المهم أن يقوم الأخ المتطوع بعقد النية لله، دون أن تساور نيته أي من النوايا الأخرى التي قد تفسد العمل، وأن يقوم بتجديدها كلما أحس أن وساوس الشيطان تساوره لتبديل النيات وأن يدعو الله الثبات وذلك بالدعاء المأثور عن الرسول ﷺ: «اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك» (الترمذي: 2140)؛ فيجب علينا تجديد النية باستمرار، ويكون ذلك بالرجوع والإنابة الخالصة والدعاء بالثبات.

النية تعد أول حلقة يجب على المتطوع التمسك بها، وأن يخلصها لله وحده ضمن سلسلة ركائز ومقومات العمل التطوعي الصحيح.

الإيمان بالفكرة

تعتبر هذه النقطة من أهم النقاط التي يجب على المتطوع أو صاحب الرسالة التركيز عليها؛ لأن الإيمان بالفكرة يمنح الإنسان طاقة جبارة، ونشاطًا عاليًا، وقدرة على التقاني والتضحية والإخلاص وتقديم الغالي والرخيص في سبيل. ولعل لنا في رسول الله ﷺ وأصحابه الأسوة الحسنة في ذلك، حينما ذاقوا الأذى والعذاب على رمضاء مكة ذات الحر الشديد، ولكنهم ثبتوا لإيمانهم الكامل بالفكرة فنسوا كل ما يتعرضون له، وقدموا أنفسهم رخيصة في سبيل الدعوة ونشرها وإيصالها .

وفي العصر الحديث تمثل لنا الحركات الإسلامية التي تأسست في القرن الماضي الأسوة الحسنة في ذلك، والتي قدم أبناؤها الأبرار وقادتها أرواحهم رخيصة في سبيل الفكرة، وذاقوا العذابات والويلات في غياهب السجون بكل الأنواع والألوان، وأكبر دليل على ذلك ما قدمته جماعة «الإخوان المسلمين»- كبرى الحركات الإسلامية وأكثرها اعتدالًا- من تضحيات وشهداء من أول لحظة تأسست فيها في مصر «الكنانة»، ومن ثم امتدت إلى الشام «الخير والبركة»، واتسعت لتغطي أغلب دول العالم فابتداء بالاغتيالات التي طالت العديد من القيادات وامتدت لتصل إلى الإمام الشهيد المؤسس «حسن البنا»-يرحمه الله- ومرورًا بالاعتقالات والسجون, والإعدامات, والقوانين الجائرة بحقها وانتهاءً بالتهجير لمنتميها وحرمانهم من أبسط حقوقهم.

إن تجربة اليوم تعيد لنا تجربة الأمس القريب، وكذلك البعيد في أبلغ صورة للتضحية والفداء في سبيل الفكرة وإيصالها .

وفي ذلك يقول الإمام الشهيد حسن البنا- يرحمه الله-: «أيها الشباب، إنما تنجح الفكرة إذا قوي الإيمان بها، وتوفر الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسة لها، ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها، وتكاد تكون هذه الأركان الأربعة: الإيمان، والإخلاص، والحماسة، والعمل من خصائص الشباب؛ لأن أساس الإيمان القلب الذكي, وأساس الإخلاص الفؤاد النقي, وأساس الحماسة الشعور القوي، وأساس العمل العزم الفتي، وهذه كلها لا تكون إلا للشباب».([3]

الإخلاص: كل عمل لا يبتغي به صاحبه وجه الله دون سواه يكون هباءً، ويُرمى في وجهه يوم الحساب، فالنوافل والخيرات والطاعات إذا لم تصاحبها النية الصادقة والتجرد المطلق لله سبحانه، لا تكون في میزان صاحبها يوم القيامة؛ بل تعود عليه بالوبال والخسران. ([4])

وفي ذلك يحذر الله من أن عدم الإخلاص يحبط العمل حيث يقول جل من قائل: ﴿وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا﴾ (الفرقان:23). ويقول الرسول ﷺ: «ثلاث لا يغل (يخون) عليهن قلب رجل مسلم: إخلاص العمل لله، والمناصحة لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم».([5]

وهنا يُعرف الفضيل بن عياض الإخلاص بقوله: «ترك العمل من أجل الناس رياء والعمل به من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما».([6]) وقيل: «الإخلاص, دوام المراقبة, ونسيان الحظوظ كلها».([7]) وقيل: «الأعمال صور قائمة، وأرواحها سر الإخلاص فيها».([8]

والإخلاص جزء مرتبط ارتباطًا تامًا بالنية؛ فالنية الصحيحة والخالصة لله تعالى تقود إلى الإخلاص في العمل، وكذلك النية التي لا تتسم بالتجرد لله تؤدي إلى عدم الإخلاص بالعمل، وبالتالي إحباط العمل؛ فما بُني على باطل فهو باطل. والإخلاص هو الذي يعطي الطعم الخاص والمذاق الرائع للعمل والقبول من الناس للعمل، فالتوفيق من الله يعتمد على مدى الإخلاص فيه. ولعل ذلك من مميزات العمل التطوعي الذي يتميز بالإخلاص لله سبحانه وتعالى .

ثمامة بن أثال.. رائد المقاطعة الإسلامية (1من ٢)

فرض المقاطعة الاقتصادية على قريش لتذعن لأمر رسول الله ﷺ

محمد مسعد ياقوت


عن أبي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدِ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ:«مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟»، فَقَالَ: عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ! إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَم، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شَئْتَ.

فَتُرِكَ حَتَّى كَانَ الْغَدُ، ثُمَّ قَالَ ﷺ: «لَهُ مَا عِنْدَكَ يَا ثَمَامَةٌ؟». قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرِ! فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ ﷺ:«مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةٌ»، فَقَالَ عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ! فَقَالَ ﷺ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ...»

فَانْطَلَقَ إِلَى نَحْل قريب من المسجد، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ! يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ، مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهُ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهَكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينِ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَد أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلادِ إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي، وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟

فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ: صَبَوْتَ؟! قَالَ: لا، ولكن أسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ ولا وَاللَّهِ، لَا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةِ حَتَّى الله يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ. (البخاري: ٤٠٢٤).

حول القصة

كانت سرية محمد بن مسلمة رضى الله عنه هي أول عمل عسكري بعد «غزوة الأحزاب» و«غزوة بني قريظة»، وقد تحركت هذه السرية في المحرم من العام السادس للهجرة في مهمة عسكرية ضد بني القرطاء في أرض نجد.. وفي طريق عودة السرية؛ تم أسر «ثمامة بن أثال الحنفي» سيد «بني حنيفة»، والصحابة لا يعرفونه، فقدموا به المدينة وربطوه بسارية من سواري المسجد، فلما خرج إليه رسول الله ﷺ قال: «أَتَدْرُونَ مَنْ أَخَذْتُمْ؟ هَذَا ثَمَامَةً بن أثال الحنفي، أحْسِنُوا إِسَارَهُ» (ابن هشام 2/638).

ورجع رسول الله ﷺ إلى أهله، فقال لهم: «اجْمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَكُمْ مِنْ طَعَامٍ فَابْعَثُوا بِهِ إليه».. وقد أمر ﷺ بلقحته- أي ناقته- أن يشرب ثمامة من حليبها.

 وما زال رسول الله ﷺ يتودد إليه ويتردد عليه، ويدعوه إلى الإسلام، ثم أمر أصحابه بفك أسر «ثمامة».

فذهب «ثمامة» من تلقاء نفسه إلى نخل قريب من المسجد النبوي- ولم يذهب إلى أهله- ومن تلقاء نفسه أيضًا اغتسل غُسل المسلمين؛ فلقد هزته الأخلاق المحمدية هزًا عنيفًا، فملكت عليه زمام قلبه، وأسرته في أسر جديد؛ بيد أن هذا الأسر عن طواعية!

ثم قدم إلى المسجد هذه المرة على قدم وساق، في حبرة وسرور، قد هطلت على وجهه مُزنة الإيمان، وتهللت أساريره بشاشة ووضاءة، وإذا به ينطق كلمات ما أجملها! صدًرها بشهادة التوحيد، وثناها بكلمة حق, وأعقبها بكلمة حب، وختمها باستئذان، فقد قصد العمرة، وكأنما هو جندي من أجناد الدعوة الإسلامية في عشية أو ضحاها، فأذن له قائده الذي أسره مرتين! رهبًا ثم رغبًا، ثم علمه أستاذه ﷺ صفة العمرة على منهج التوحيد، ولقنه التلبية خالية من الشرك، نقية طيبة.

وانتشر خبر إسلام «ثمامة»، سيد «اليمامة»، فلما قدم «مكة»، عيره قرشي قائلًا: أصبوت؟! أي أكفرت بدين الآباء؟! فقال- قولة من أطعم غضارة الإيمان: لا, وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ. وهكذا يعلن هويته بين ظهراني قريش- فهو السيد القوي صاحب العزيمة- ويعتز بدينه، ويفتخر بعقيدته.. ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين...

ثم يأخذ قراره، ويعلن موقف اليمام المسلمة, من قريش الجائرة:

ولا، وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حنْطَة حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم.. فهي المقاطعة...

المقاطعة لمن حاد الله ورسوله..

المقاطعة لمن حاربوا الإسلام..

 المقاطعة لمن عذبوا المسلمين وفتنوهم في دينهم..

فقد أيقن ثمامة أن واضع المعروف في غير أهله؛ كالزارع في السبخ، أو كالمسرج في الشمس.. وأن التعاون التجاري أولى به قبائل أخرى ذات أخلاق سجيحة.

لقد لقنهم ثمامة الدرس، وأصاب المفصل فيهم، وشل اقتصادهم، وجعل عيشهم رنق، وعذبهم أُجاج، وحلوهم صبر.. حتى أصابهم الضنك والضجر، فأرسل وجهاء قريش إلى رسول الله ﷺ يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة؛ ليخلي لهم حمل الطعام.

أدلة شرعية على جواز مقاطعة منتجات الأعداء

أدلة شرعية

إن المقاطعة الاقتصادية لبضائع الأعداء يدخل فيها أيضًا قول النبي ﷺ: «جَاهِدُوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم» (النسائي: ٣٠٤٥ عن أنس، وصححه الألباني، حديث رقم: ۲۰۹۰ في صحيح الجامع).

والجهاد بالمال له وجهان:

وجه إيجابي: بدفع المال, لتجهيز الجيش الإسلامي المحارب في الميدان أو المرابط في الثغور.

ووجه سلبي: بمنع المال، أي: بعدم شراء بضائع الأعداء، وقطع أي تعامل تجاري مع العدو..

هذا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ﴾ (التوبة:5), وهذا نص صريح يأمر الله فيه بالتضييق على المعتدين، وحصرهم، وبذل شتى السبل الشرعية لدفع عدوانهم..

قال القرطبي: ﴿وَٱحۡصُرُوهُمۡ﴾، أي :امنعوهم من التصرف في بلاد الإسلام, حتى تضيقوا محلهم الواسع. (تفسير القرطبي: 6/320).

 وقال ابن كثير:﴿وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ﴾، أي: لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم، والرصد في طرقهم ومسالكهم حتى تضيقوا عليهم الواسع. (ابن كثير:4/111).

وقال الطبري: ﴿وَٱحۡصُرُوهُمۡ﴾ يقول: وامنعوهم من التصرف في بلاد الإسلام. (تفسير الطبري: 14/134).

وقال الشيخ أبو بكر الجزائري: ﴿وَٱحۡصُرُوهُمۡ﴾: أي حاصروهم. (أيسر التفاسير للجزائري جـ ٢ / ص ٦١).

والحاصل أن الحصار العسكري والحصار الاقتصادي يدخلان في قوله تعالى: ﴿وَٱحۡصُرُوهُمۡ﴾.

والحصار الاقتصادي له أوجه كثيرة أدناها الامتناع عن شراء بضائع العدو، أو منع إجراء أي اتفاقات تجارية معه على الصعيدين الفردي أو الجماعي..

ولقد استخدم أعداء الإسلام- في العهد النبوي- الحصار الاقتصادي والحصار العسكري ضد المسلمين.

ومثال الأول: حصار شعب أبي طالب، حيث قاطع المشركون المسلمين مقاطعة شاملة وكُتبت بذلك وثيقة علقت في جوف الكعبة، وامتد هذا الحصار من المحرم من العام السابع من البعثة، وحتى المحرم من العام العاشر من البعثة.

ومثال الثاني: معركة الخندق في شوال من العام الخامس من الهجرة، حيث قدم المشركون في عشرة آلاف وحصروا المدينة قرابة شهر.

مواقف من السيرة النبوية

ولقد استخدم رسول الله ﷺ نفس السلاح الذي استخدمه أعداء الإسلام في حربهم ضد المسلمين..

فمارس ﷺ أسلوب الحصار العسكري والحصار الاقتصادي، أو المقاطعة أو الحصر الوارد في الآية الكريمة سالفة الذكر، في أكثر من موقف في سيرته المباركة.. وأهم هذه المواقف:

حصاره ليهود «بني قينقاع» في معركته معهم في ١٥ شوال سنة ٢ هـ / ٩ أبريل ٦٢٤م. جراء ما صدر منهم من جريمة نكراء، قد تواطؤوا فيها على كشف عورة سيدة مسلمة في مكان عام. وتواطؤهم على قتل رجل مسلم, دافع عن عرض السيدة المسلمة وحاول رد العدوان.

 حصاره ﷺ ليهود «بني النضير» في معركته معهم في ربيع الأول سنة ٤ هـ / أغسطس ٦٢٥م...  بعد أن خططوا لعملية اغتيال فاشلة لحضرة النبي ﷺ.

حصاره ﷺ ليهود «بني قريظة» - لعنهم الله- في معركته معهم في «ذي القعدة ٥ هـ / أبريل ٦٢٧ م»، بعدما خانوا أهل المدينة وتحالفوا مع المحتل أثناء معركة الأحزاب.

[1])) رواه البخاري ومسلم

[2])) أخرجه مسلم

[3])) مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله

[4])) في التزكية والسلوك, ص ۲۹

[5])) أخرجه ابن ماجه

[6])) القشيري, ص ۲۰۹

[7])) الإحياء ج 5, ص ۲۹۰

[8])) شرح حكم ابن عطاء الله, رقم 10, ص ۷۲

الرابط المختصر :