; أميركا بقرة إسرائيل الحلوب | مجلة المجتمع

العنوان أميركا بقرة إسرائيل الحلوب

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أكتوبر-1984

مشاهدات 67

نشر في العدد 687

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 16-أكتوبر-1984

يعاني الكيان الصهيوني الدخيل من مشكلة اقتصادية «دائمة» بسب ظروف نشأته غير الطبيعية من جهة، ولأنه كيان قائم على اقتصاد الحرب والتوسع والولوغ في دماء الأبرياء من جهة أخرى. وقد تفاقم الوضع الاقتصادي في السنوات الأخيرة وبسبب احتلال جنوب لبنان بشكل أساسي، الأمر الذي يكلف الخزانة الصهيونية مليون دولار يوميًّا. 

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن ميزان مدفوعات الكيان الإسرائيلي لعام ١٩٨٣ قد سجل عجزًا قدره 2.5 مليار دولار أي بزيادة قدرها نصف مليار عن عام ۱۹۸۲، كما هبط احتياطي العملات الصعبة من ٣,٧ مليار دولار في ديسمبر ٨٣ إلى ٢,٢ في سبتمبر الماضي.. فإذا علمنا أن المعدل الخطر بالنسبة لإسرائيل هو ٣ مليار دولار شهريًّا، فيما الدول الأخرى تعتبر أن المعدل الخطر هو المعدل الذي يكفي لتغطية مستورداتها لثلاثة أشهر، ندرك كم هي كبيرة أزمة الكيان الإسرائيلي المالية. ولم يخفف من هذه الأزمة إجراءات التقشف التي اتخذتها الحكومة السابقة والتي تتلخص في خفض المصروفات العامة بمقدار مليار دولار، وفرض ضرائب ورسوم جديدة عالية. وتعتبر استقالة ثلاثة مديرين لوزارة المالية من مناصبهم خلال عشرة أشهر دليلًا واضحًا على الأزمة المالية التي يعاني منها الكيان الإسرائيلي الدخيل.

لا وجود لأميركا من غير إسرائيل قوية!

وبالرغم من تدهور الوضع الاقتصادي الآخذ في التفاقم بسبب التضخم الذي وصلت نسبته إلى 400% وارتفاع نسبة البطالة، إلا أن قادة الكيان الإسرائيليين لا يظهرون قلقهم إزاء هذا الوضع كما يفعل المسؤولون الماليون. ولعل السبب يعود بحق إلى ما قاله مراسل صحيفة الأوبزيرفر البريطانية وهو يغطي معركة الانتخابات الإسرائيلية في شهر تموز الماضي من أن القادة السياسيين على ثقة تامة بأن أميركا ستحل مشاكل دولتهم، ولثقتهم بأن واشنطن مقتنعة تمامًا بأن «لا وجود لأميركا في الشرق الأوسط من غير إسرائيل، ومن غير إسرائيل قوية»!

وقد لاحظ المراسل أن كل الأطراف التي شاركت في المعركة الانتخابية تجنبت إلى حد بعيد الخوض في الكارثة الاقتصادية التي حلت بكيانهم الدخيل.

والواقع أن ملاحظة مراسل الأوبزيرفر صحيحة تمامًا، بل هي حقيقة «مدببة» قام عليها الكيان الإسرائيلي منذ نشأته غير الطبيعية. 

ففي نوفمبر الماضي وافقت الإدارة الأميركية لشامير على اعتبار ديون إسرائيل كمنحة، كما قررت إدارة ريغان تقديم مساعدات «منحة» لإسرائيل تقدر بـ ٢٫٦ مليار دولار، منها 1,4 مليار مساعدات عسكرية. وبسبب هذه الأزمة كانت الخطوة الأولى التي اتخذتها حكومة «الوحدة الوطنية» الجديدة هو توجهها شطر الولايات المتحدة بقرة إسرائيل الحلوب، فماذا فعل بيريز هناك؟ وما هو كشف حساب الأرباح التي ترتبت على الزيارة؟

زيارة ناجحة جدًّا

من المفيد ذكر أن بيريز اصطحب معه «الرأس الثاني» في الكيان الصهيوني إسحق شامير ونائبه ووزير المال إسحق موداعي، وقد حرص الوفد على الالتقاء بصناع القرار الأميركي جميعًا. فقد التقوا الرئيس ريغان ووزير خارجيته جورج شولتز ووزير دفاعه كاسبر واينبرغر. كما التقى بيريز قادة مجلس النواب والشيوخ والجالية اليهودية. وارتكز النقاش مع كل هذه الأطراف حول أهمية دعم الولايات المتحدة لإسرائيل ومدها بجميع ما يلزمها من أموال نظير الدور الذي تقوم به في منطقة الشرق الأوسط، نيابة عن أميركا، وفي سبيل استنهاض هِمم يهود أميركا. رفع بيريز شعارًا أنه لم يأت «متسولًا» بل ليبين لليهود ولغيرهم أن مسؤولية استنقاذ الاقتصاد الإسرائيلي تقع على دولة إسرائيل وعلى اليهود! وقد نجح هذا الشعار في الحصول على عهد بجمع أكبر مقدار ممكن من تبرعات اليهود خلال ثلاثين يومًا! أما النجاح الحقيقي الذي لم يخفه بيريز فهو ما حصل عليه من إدارة ريغان الذي وصفه بيريز بقوله «لقد وجدته صديقًا مخلصًا لإسرائيل» وأكد في ختام زيارته أنها حققت «نجاحًا تامًّا».

وكيف لا تكون ناجحة وقد حصل على ما أراد وزيادة؟!

في الجانب الاقتصادي تم تشكيل لجنة لدراسة وسائل دعم إسرائيل اقتصاديًّا وخولت حق اقتراح زيادة المساعدات التي وافق عليها ریغان والتي بلغت كما صرح بيريز 2, 1 مليار دولار! مع العلم أن بيريز قبل توجهه إلى واشنطن كان يأمل بمبلغ ۷۰۰إلی ۱۰۰۰ مليون دولار.

وفي الجانب السياسي تم تشكيل لجنة لدراسة موضوع انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان.

وفي الجانب العسكري تم الاتفاق على أن يقوم كاسبر واينبرغر بزيارة تل أبيب لاستكمال بحث زيادة مستوردات أميركا من السلاح الإسرائيلي وتزويد إسرائيل بغواصات متقدمة أعلن أنها غير نووية.

وفي مجال الاستخبارات اجتمع بيريز مع وليم كيسي مدير وكالة المخابرات المركزية وأحيط الاجتماع بتعتيم مقصود، وقد خصص فيما يبدو لبحث التعاون المشترك لمقاومة ما يسمونه الإرهاب، أي الحركات الجهادية المسلمة ضد المصالح الإسرائيلية والأمريكية.

منطقة تجارية حرة

إضافة لذلك وافقت الإدارة الأميركية على إقامة منطقة تجارية حرة بين البلدين، وكان قد سبق لمجلس النواب والشيوخ الموافقة عليها. وتتلخص هذه الاتفاقية في رفع القيود الجمركية على حركة السلع والخدمات بين البلدين رفعًا نهائيًّا مع حلول عام ۱۹۸۹، وهو نفس الموعد الذي ترفع فيه القيود الجمركية بين إسرائيل والسوق الأوروبية المشتركة، مع ملاحظة أن الاتفاق الأخير يقتصر على السلع الصناعية فقط. والهدف من الاتفاق تمكين إسرائيل من زيادة صادراتها للولايات المتحدة وعن طريقها بحيث يتحسن ميزانها التجاري مع أميركا الذي يشهد خللًا كبيرًا. فقد وصلت صادرات إسرائيل لأميركا العام الماضي إلى حوالي ٩٥٠ مليون دولار فيما بلغت الواردات من أميركا 2.2 مليار دولار.

وإذا وضعنا في الحسبان المشاكل التي ستعترض هذه الاتفاقية وخاصة من قِبَل إسرائيل بسبب اتباعها لأنظمة مخالفة لأنظمة أميركا كسياسة دعم سلع التصدير، فإن هذه الاتفاقية وكل المنح الأميركية غير قادرة على حل معضلة الاقتصاد الإسرائيلي. الأمر الذي يرجح استمرار اعتماد الكيان الدخيل على الدعم الأميركي المباشر، مالم تتغير الطبيعة العدوانية الاستيطانية للكيان الصهيوني، وما لم تقبل بوجودها الدول العربية وتفتح لها أسواقها.

وهذا ما يجعل الإدارة الأميركية تتبني استراتيجية الحفاظ على أمن إسرائيل من جهة، وفرض السلام بزعمها مع جيرانها. ولكن أنى تغير الصهيونية من مخططاتها؟ وأنى لها أن تهنأ بالسلام مع المسلمين الذين تكن لهم أشد العداوة واستولت على أراضي فلسطين وقتلت وشردت شعبها وغيرهم من الشعوب والأراضي العربية؟! 

وتشير الأنباء كذلك إلى أن الإدارة الأميركية تحسست حاجة الكيان الإسرائيلي للعملات الصعبة لتمويل وارداته فوافقت على إيداع مبالغ في حساب خاص ضمانًا له في أسواق الائتمان العالمية.

ونظرًا للارتباط العضوي بين ديمومة إسرائيل والاقتصاد الأمريكي بات مطروحًا وفي إسرائيل نفسها قضية ربط الاقتصاد الإسرائيلي بالاقتصاد الأميركي ربطًا كاملًا، وهو ما تخشاه القيادات الصهيونية المتصلبة، تحسبًا من لجوء أميركا إلى أسلوب الضغط الاقتصادي على إسرائيل إذا ما تعارضت مصالحهما السياسية. ففي أكتوبر من العام الماضي اضطر وزير المالية يورام أريدور إلى الاستقالة عندما اقترح اعتماد الدولار كعملة متداولة في إسرائيل إلى جانب الشيكل، وذلك ليقينه -وهو محق- أن إسرائيل لا يمكن أن تعتمد على نفسها في حل معضلتها الاقتصادية، وقد برهنت على ذلك طوال خمسة وثلاثين عامًا.

الجنوب اللبناني

إلى جانب المشاكل الاقتصادية، تركزت محادثات بيريز - ريغان حول الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان. وقد تم الاتفاق على تشكيل لجنة لدراسة كيفية مواجهة المشاكل الاقتصادية المترتبة على ذلك. ويعتقد أن بيريز قد اطلع من مورفي على أن سوريا أبدت موقفًا إيجابيًّا من مسألة الانسحاب من لبنان، ولذلك صرح بيريز في ختام زيارته لواشنطن بأنه لا يريد من سوريا تعهدًا مكتوبًا بل يكتفي بتعهد شفوي.

ويعتقد المراقبون أن هذا غير وارد الآن بسبب الخسارة الفادحة التي تتحملها إسرائيل نتيجة استمرار احتلالها لجنوب لبنان، وربما توافق على الانسحاب من طرف واحد.

الشرق الأوسط على الخفيف

وكما كان متوقعًا فقد مست محادثات بیریز - ريغان مسألة الشرق الأوسط مسًّا خفيفًا، ولم يتوانَ بيريز عن التصريح بأن مبادرة ريغان أصبحت غير عملية، وعليه فلا بد من بديل آخر نوه إليه بدعوة الأردن من جديد للتفاوض مع إسرائيل من غير شروط مسبقة.

ويفهم من هذا أن إسرائيل طبقًا لما هو متفق عليه في برنامج الحكومة الوطنية ستتفاوض مع الأردن إن رغب في ذلك على أسس إقليمية، أي أن إسرائيل فيما لو كانت جادة في مساعيها لتسوية سياسية فإنها ستتفاوض مع الملك حسين كحاكم سابق للضفة الغربية، وأنها ستكون ضمن معادلة تضمن أمن إسرائيل على جميع الضفة، وتلحق المناطق المكتظة بالسكان العرب بالإدارة الأردنية. وعلى جبهة غزة سيتم الاتفاق مع حسني مبارك. أي أن التسوية التي تقبل بها إسرائيل وهي التي تملي ما تريد في النهاية تتجاوز الشعب الفلسطيني، كما تتجاوز منظمة التحرير الفلسطينية. وهي مرتبطة كذلك بالتوصل إلى اتفاق سلام شامل «وتطبيع» العلاقات مع المحيط العربي. ويبدو للمراقب أن المسرح العربي بات مهيأ لهذا الدور.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: إذا كانت الأمور ستجري كما أسلفنا فلماذا يتهافت الحكام العرب على الصلح مع إسرائيل؟ والأدهى من ذلك لماذا تنزف دماء الفلسطينيين وتتوزع جهودهم في سبيل دور هزيل على المسرح العربي الهزيل؟

الرابط المختصر :