; المجتمع الثقافي (1602) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1602)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الجمعة 28-مايو-2004

مشاهدات 56

نشر في العدد 1602

نشر في الصفحة 53

الجمعة 28-مايو-2004

»تتا«... عروس النيل

منال نور 

أواده يا منفيس. ثلاثة أعوام مضت وأنا بعيد عنك.. هناك في أقاصي البلاد عند أعالي النيل كم أنا مشتاق إليك.. إلى الدار الواسعة إلى العظيم أبي.. إلى أختي الحبيبة تتا.. إلى المقبرة والحدائق الغناء في الطريق إليها.. إلى حقول الكتان...

الدار في حالة استعداد وتأهب غير عادية. حالة استعداد أكبر من استعدادها للقائه حتى لكأنما لم تأبه كثيرًا بعودته من سفره البعيد الطويل.. يبحث كاخ في لهفة عن أخته تتا. يقصد إلى غرفتها مباشرة تراه الصغيرة الحسناء.. تطلق صيحة وتطير إلى حضنه يحملها بين ذراعيه ويلف بها الحجرة وهي تمطر خديه بقبلاتها: أخيرًا جئت يا كاخ كم كنت أدعو الرب أن أراك قبل أن أرحل.. يقول كاخ بعد أن هدأت نيران الأشواق في برد اللقاء ولكن أين العظيم أبي؟

مع الكاهن الأكبر عند المقبرة وكيف حالك يا تتا؟ هل ذكرت الرحيل إلى أین؟

يتذكر الآن بوضوح سعادتها وحبورها الطفولي الذي يملأ قسمات وجهها الفاتن لابنة الستة عشر ربيعًا وهي تجيبه بيقين المؤمنين:

سأزف إلى حبيب القلب يا كاخ غدًا سأزف إلى الحبيب الغالي.. إنه النيل يا كاخ.. سأزف إليه غدًا في احتفال أسطوري بهيج.. سأقدم نفسي قربانًا للعظيم الخالد سبب الحياة لمصر والأوطان، سأقدم نفسي قربانًا ليعلو النيل ويفيض ويشرب الناس بعد الظمأ، وتروى الحقول بعد الذبول وتغني الطيور في أعشاشها وتمرح الدواب بعد الضمور...

لا يا تتا.. لا تفعلي.. إنها أكذوبة فلا تصدقي.. النيل لا يحتاج إلى رفاتك.. النيل لا يحتاج إلى قرابين.. إنما الفيضان يأتي بأسبابه وله سنن يمضي بها وقوانين أتذكرين أختاه لقد أتيت من أعالي البلاد من عند المصب... أختي فلتعلمي أن ارتفاع منسوب المياه أو انخفاضه لا يتوقف على تقديم العرائس والقرابين، لكنه يتوقف على تقلبات مناخية وعوامل أخرى كثيرة منها غزارة المطر وشدة الرياح وأشياء أخر...

يخرج كاخ من صدره لفافة ويقدمها للفتاة وهو يقول متوسلًا: يا تتا.. هذه البرديات فيها خلاصة أبحاثي وتجاربي وكلها تدور حول فيضان النيل وجريانه، ألا تقرئين؟

تقول الفتاة في عجب ولكن أخي... النيل لا يحتاج إلى فداء ليفيض بالحياة لكنه يحتاج إلى علم وعمل، فهل تضحين بنفسك من أجل أكذوبة كبرى!!

ومالي لا أعطي الحياة إذا دعت بلادي؟

حياتي للبلاد ومالي.

يا حبيبتي .. أنا لست ضد التضحية لست ضد القربان، لكن أختاه الجميلة فلتعلمي أن القربان في غير موضعه غباء لا فداء، وأن التضحية في غير أرضها طيش ونزق.. أختاه... إن رموز التضحية والفداء في الحياة كثيرة، وأنا أمامك مثل، لقد قدمت نفسي فداء للعلم من أجل وطني ومن أجل النيل العظيم فتركت منفيس ومباهجها والحدائق والمعابد وحقول الكتان، ورحلت إلى أعالي البلاد حيث القارية الموحشة والوحوش الضواري والأسود المفترسة ...

حيث شح الطعام وضيق العيش، حيث الوحدة فلا أنيس كل ذلك قربانًا من أجل العلم .. لم يكن الأمر سهلًا صدقيني أختاه كانت حياتي نفسها معرضة للفناء في أية لحظة، لكن هذه تضحية في موضعها، تضحية من أجل العلم والخير والنماء الوفير...

ما زال يذكر شدوها في حبور:

يا أخي:

سوف لن نخشى المنايا بين أنواء الرزايا كلنا للحق للنيل قرابين ضحايا أختاه اسمعي.. أنا لست ضد التضحية... أنا لست ضد الفداء.. أختاه انظري الجندي الذي يقدم روحه قربانًا من أجل الدفاع عن الوطن. العالم الذي يهب نفسه للعلم والخير الكاتب الذي يهب نفسه للفرعون يحبس نفسه في القصر من أجل الكتابة والتدوين يقبله الوطن قربانًا ويخلد روحه العامل الذي يشق الحجر ويفني شبابه وحياته من أجل أن يبني للوطن مجده، يقبله الوطن قربانًا، الأم التي تهب نفسها لأبنائها وتحبس حياتها عليهم لتصنع منهم جنودًا كرامًا تجود بهم من أجل مصر، يقبلها الوطن قربانًا. لكن يا تتا أين القربان في أن ترمي بنفسك إلى أحضان النيل وتغرقي؟ إن غرقك أو نجاتك لا يغيران في القوانين التي تحكم جريان النيل شيئًا .. أختاه.. ما أروع التضحية عندما تكون في ميدانها، وما أعظم القربان حينما يأتي في موضعه.

 - أخي.. أتشفق علي أم تضن بي على الوطن؟ 

- أختي أنا لا أشفق عليك ولا أبخل بك على الوطن؟ إنني أعشق الحقول كما تعشقينها وأفدي بلادي كما تفدينها، ولكني أوقن أن التضحية في غير موضعها ضياع فارغ لا معنى له، والقربان في غير ميدانه غباء وفناء... أختاه... تعقلي وارفضي...

- أخي كاخ.. لقد قضي الأمر.. أمرني العظيم أبي فامتثلت وباركني كبير الكهنة فآمنت بالفداء، وغدًا يقام الحفل البهيج ويحضره ممثل الفرعون الإله أمازيس، وليس هناك مجال للتراجع الآن.. غدًا سأزف إلى حبيبي الخالد ... يذكر الآن ارتعاشة كفيها وهي تعيد إليه أوراق البردي التي بها أبحاثه ارتعاشة فيها لوعة الفراق وآلامه.. ويتذكر كيف ألقى بالبرديات على الأرض في سخط وهو يردد في ألم:

ما فائدة كل هذا؟.. ما فائدة العلم بالقوانين والسنن، ما دام أغلى شيء في حياتي سوف يضيع هدرًا بلا قيمة ولا فائدة؟ يتقدم إلى أخته يتشبث بأهداب الأمل الأخير: حبيبتي ان التضحية أجمل ما في الوجود، والقربان سلاح المضحين. لكن السلاح الذي لا يحسن صاحبه استخدامه يطيش ويضيع بلا فائدة.. أختاه الفداء من أجل هدف واضح ومحدد، ورجاء نتيجة متوقعة ومطلوبة، أمر محمود لا إنكار لي عليه، رغم شدة الفراق ولوعته.. لكن اعتراضي كل اعتراضي على أن يكون فداء بلا ثمن وتضحية بلا معنى ولا هدف...

 - الهدف واضح كاخ.. فيضان النيل وجريان الحياة في الحقول والسهول..

- تنا .. هذا هدف واضح وقربان ثمين، لكن هذا القربان لا يؤدي إلى ذاك الهدف ولا يحققه.. تتا.. أنت تضحين بنفسك من أجل وهم خادع. 

تحضر الجواري يغنين للعروس ويحتفلن بليلة الفداء، وتنطلق الأغاريد:

يا نيل يا قوام كل شي

ومانح الحياة كل حي

هي اغسل الذنب العظيم هي

وتنساب الفتاة من بين يدي أخيها لتلحق بجواريها .. وعندما تحرك الموكب المهيب لتزف الفتاة تتا إلى أحضان النيل، كانت كلمات أخيها قد سرت إلى وجدانها، فاختلجت شفتاها برعشة خفيفة، لم تعد واثقة تمامًا مما هي مقدمة عليه.

لم يكن بوسعها الآن أن تتراجع... وظل كاخ يبكي.. آه يا تتا يا بسمة القلب وبلسم الروح، أتذهبين سدى؟ .. إن التضحية في غير أرضها غباء لا طائل منها، والقربان في غير موضعه فناء بلا معنى لا قيمة له ولا وزن .

أواه يا عبد العزيز

شعر: د. عبد الرحمن صالح العشماوي

إلى روح عبد العزيز الرنتيسي ومرافقيه- رحمهم الله .

فتحوا لك الباب الجميل سريعا فنجوت أنت وإن رأوك صريعا
وسموت أنت إلى الغلا وتهافتوا وغدوت في زمن الجفاف ربيعا
خضعوا لأهواء النفوس وغدرها وأبيت أنت تزلفًا وخضوعا
قتلوك غدرًا يا حبيب وإنما بالغدر صار حديثهم مسموعا
والله لولا الغدر . ما اجتمعوا علي أرض الرباط، ولا رأوا تطبيعا
لو واجهوك لواجهوا البطل الذي يأبى إلى غير الشموخ نزوعا
قتلوك يا عبد العزيز فأحدثوا والله جرحا في الفؤاد وجيعا
 ماذا يقول لك المحب؟ وناره قد لوعت وجدانه تلويعا
 أنا لست أنكر أنهم قد أحزنوا قلب المحب وأورثوه صدوعا
 لكنه حزن يزيد قلوبنا أملا تمد به الأصول فروعا
عبد العزيز، رحلت عنا شامخًا ولقيت رب العالمين مطيعا
أدركت ياسين الحبيب كأنما ساق اشتياقك قلبك المفجوعا
قدمت نفسك وانطلقت بها ولم تملأ عيون مرافقيك دموعا
طرتم بأجنحة البطولة إخوة لاذوا برب العالمين جميعا
 لكأنني بكم اتخذتم موقعًا عند الإله ومنزلًا مرفوعا
وتركتم الماء المكثر عندنا وشربتمو ماء الحياة نجيعا
أشلاء أبطال الجهاد تحولت دررًا، وصارت في الظلام شموعا
 ودماء أبطال الجهاد تدفقت مسكا، يضوع كوننا تضويعا
إني لأسمع في التراب نشيدها وأرى عليه كتابها المطبوعا
وأكاد أسمع من حديث عجينها خطط اليهود لنفسه مشروعا
 خاب اليهود وخاب من يبني على رحل الضياء مكرمًامرفوعا
عبد العزيز رحلت عنا مثلما حسن اللقاء، وأحسن التوديعا
ودعتنا شهما أجاد بصدقه علمًا من الشرف العظيم رفيعا
لم يقتلوك، وإنما نصبوا لنا من يجهل التدوير والتربيعا
أبكيك؟، لا والله بل أبكي على من قومنا لم يفهم الموضوعا
أنا - يا أخا الإسلام أبكي غافلًا مازال حبل إبائها مقطوعا
 أواه يا عبد العزيز الأمة ويظل مليار الغثاء وديعا
نهشت کلاب المعتدي أعضاءها في سوق تجار المبادئ بيعا
بيعت كرامتها، وسيف جهادها سواه، ولم تجد ترقيعا
وأرى لها ثوبًا تمرق، لم تجد تطوي الهزائم في الحياة جزوعا
أنا ما ينست ولا جزعت فإنما ثوبًا،سواه ولم يجد ترقيعا
أنا لا أقول أضيع مجد عقيدتي لكن عزم المسلمين أضيعا
يا أهل أبطال الجهاد، عزاؤنا أن الشهيد غدًا يكون شفيعا 
ما أقرب الدنيا من الأخرى، فلا نامت عيون تعشق التلميعا 
لا فرق بين الناس في لغة الردى من عاش ألفًا أو قضى أسبوعا
إنا نهنى من نعري حينما تزداد بارقة الجهاد سطوعا

الأديب د.وليد قصاب تجربته الأدبية والنقدية

الرياض: محمد شلال الحناحنة

في أحد ملتقياته استضاف المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في الرياض د. وليد قصاب الذي تحدث عن تجربته الأدبية والنقدية، وقد أدار اللقاء د. عبد القدوس أبو صالح رئيس الرابطة الذي رحب به وبجمهور الحضور من الأدباء والمثقفين، مستعرضًا سيرته الذاتية والأدبية.

شكر الأديب الإسلامي د. وليد قصاب إخوانه في رابطة الأدب الإسلامي على حسن ظنهم به وقال: إن الحديث عن التجربة الإبداعية والنقدية حديث ممتع، ولكن سأتوقف عند محطات سريعة في هذه التجربة: 

كنت مسجلًا في دراستي الجامعية في كليتين: كلية الصيدلة حسب رغبة والدي- رحمه الله . وكلية الآداب حسب رغبتي. وحين علم والدي باتجاهي الأدبي، قال لي: تخصص في العلم واجعل الأدب هواية، ولكنني أخيرًا اخترت كلية الآداب لأحقق ما أطمح إليه بتوفيق الله ورعايته.

أما البداية في الكتابة، فقد كانت في سن مبكرة، إذ كتبت الخواطر والشعر والقصة، ونشرت لي أول قصة في مجلة »الثقافة« الصادرة في دمشق، وقد شجعني أستاذي الليبي »صلاح الدين موسى«، وأنا في الثانوية، وأذكر أنني كتبت قصة بعنوان: دع لقاءنا للأقدار، وهي قصة عاطفية فشجعني الأستاذ صلاح الدين على قراءتها، وأشاد بها، وكم شعرت بالزهو حين نشرت قصتي في مجلة »الثقافة« إلى جانب أدباء كبار.

وقد كانت تجربتي الأدبية في مصر خصبة. وتطورت كثيرًا، فكتبت الكثير مما أعتز به واشتركت مع فاروق شوشة في برنامج أدبي في الإذاعة، وظلت تجربتي غنية باللقاءات والحوارات وقد أكملت الماجستير والدكتوراه في مصر. واتجهت في بعض مراحلي إلى التحقيق، فحققت دیوان عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، وجمعت فيما بعد شعر عبدالله الوراق، واهتممت بشعر أبي العتاهية في الزهد، ومن دراساتي الموسعة: شخصيات إسلامية في الأدب والنقد، وتناولت عمر بن الخطاب ، وكذلك عمر بن عبد العزيز وغيرهما.

ولا شك أن اهتمامي بالدراسات كان له تأثير على كتابتي الإبداعية في الشعر والقصة، إذ قل إنتاجي القصصي، لأن القصة تحتاج إلى تأمل وتفرغ وأناة. وقد وجدت الشعر أكثر قدرة على التعبير على المشاعر الحارة، فانصرفت عن القصة في هذه المرحلة.

بين القصيدة العمودية والحديثة

وعن تجربته الشعرية، قال الأديب د. وليد قصاب أنا مؤمن بأن القصيدة العمودية مازالت حية وقادرة على التعبير عن كثير من همومنا، كما انني ما زلت مخلصًا للشعر العمودي مع اهتمامي بكتابة شعر التفعيلة المعتمد على »وحدة التفعيلة». أما ما يسمى »قصيدة النثر«، فأنا أتحفظ عليها مصطلحًا، ولا أستلطف نماذجها التي يكتبها الآخرون، وحتى المجيدون منهم في كتابتها أمثال محمد الماغوط وأنسي الحاج وغيرهما. 

 تأصيل المنهج: وتحدث الناقد د. وليد قصاب عن المجال النقدي فبين أن هناك خللًا في مناهجنا النقدية، فنحن مازلنا متأثرين بالمناهج الغربية الوافدة التي نشأت في ظل أفكار وفلسفة وظروف لا علاقة لنا بها، لذا نحن بحاجة إلى تأصيل منهج خاص للأدب العربي.

وأصدرت أكثر من كتاب في هذا الجانب منها النظرة النبوية للشعر، وجمعت أحاديث الرسول ومواقفه من الشعر والشعراء، فتجمع لدي ما يزيد على مئة وثلاثين حديثاً وموقفاً للرسول ﷺعن الأدب والشعر .

لقد أصاب أدبنا العربي الخلل لأنه اقترب من المدارس الغربية التي تعكس أفكارًا بعيدة عن الإسلام والقيم المثلى والأصالة، وهي تعكس رؤى وتصورات تمثل حضارة مختلفة عن حضارتنا وثوابتنا، ولعل كتابي الحداثة في الشعر العربي المعاصر ..... يعبر عن هذه النظرة.

مسؤولية الكتابة

لماذا نكتب؟! وما الذي يحملنا على الكتابة؟ 

أجاب الأديب د. وليد قصاب قائلًا: ما يحملني على الكتابة أمران:

الأول: حين أكتب أحقق ذاتي وأعبر عن همومي ووجودي 

الثاني: الكتابة مسؤولية عظيمة يؤدي الإنسان من خلالها رسالة مضيئة، فأكتب لأساهم مع إخواني في رابطة الأدب الإسلامي العالمية، لأن الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، أما الكلمة الخبيثة فهي كالشجرة الخبيثة ينبغي أن تجتث من فوق الأرض. 

وفي نهاية اللقاء دارت حوارات فيها الكثير من الثراء شارك فيها الناقد د. سعد أبو الرضا. والأديب د. حسين علي محمد، والناقد محمد العقدة، وسعد العليان، وقد أجاب الضيف بإيجاز عن أسئلة الحضور، وقال: نحن مع الانفتاح على التجارب العالمية الأخرى لنغني تجاربنا الأدبية مع الاحتفاظ بثوابتنا. أما د. عبد القدوس أبو صالح رئيس الرابطة فقال: اسمحوا لي أن أعلق»الحكمة ضالة المؤمن وحيثما وجدها فهو أحق بها، فنحن نطلع على المذاهب العربية كلها فتأخذ إيجابياتها، ونترك سلبياتها، وما يعارض إسلامنا«!..

ثم شارك مجموعة من الأدباء في أمسية شعرية منهم: د. عبد الجبار دية، وجميل الكنعاني وعبد الله السمطي، ود الربيع السعيد، وقد ختمت الأمسية بنماذج شعرية القاها د. وليد قصاب وقد عبرت قصائدهم عمومًا عن هموم وطنية وجراح عميقة تعيشها أمة الإسلام.

لنكن شركاء

محمد السيد

متى نركب صهوة الشراكة في صنع الحضارة والثقافة؟ الحزن يسكنني، والليل يحاصرني، ولا أقوى على الصلابة، فقد أحاطت بي مراهقات الفكر، وكبوات الجياد ومزق الأشرعة، والأفق الرمادي يرتطم بموجي، فتسترخي السفين، وتقعد الهمة عند السفح كليلة البصر، ويبقى القلب الوحيد المسرف في التفاؤل، يحاول استنبات الأزاهير وسط الشوك الكثير، مجهدًا خفقه في تثبيت حلم النهوض والاندفاع من السفح نحو القمة، مشتاقة شغافه الشموخ الفوارس وصهيل الخيل والقمر يستوي فوق صهوات الغيوم المدرارة.

ومن إشراقة فجر تطل على ساح العقل تبزع في أفق الرماد جمرة فكر تقول: إن من سنن الله الثابتة المطردة أن جعل الناس شعوبًاوقبائل:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: ۱۳)، وجعل لكل لغة وسمات ومميزات هي روحها وحياتها وأس بقائها ووسيلة مشاركتها في صنع الحياة مع الآخرين. وجعل الله من ذلك التنوع والتعدد في الوجود الإنساني وسائل للتقارب والتعارف والإثراء الحضاري والثقافي، وذلك من خلال مشاركة كل شعب بميزاته وخصائصه وقدراته الذاتية في تقديم إضافة يحتاجها الوضع العام وتعوزها الحضارة والثقافة الإنسانيتان، ومن هنا فلا عجب إذا أصرت الأمم الحية والشعوب المتحركة على الاحتفاظ بميزاتها وخصوصياتها، بل إن ذلك من الأمور الممدوحة المطلوبة، ليستمر فعل السنن الرباني في الإغناء والإثراء، إذ بدون الإضافة التي تقدمها القبيلة نابعة من أساسات خصوصياتها تموت القبيلة، وتذوب في أحضان القبيلة الفاعلة المميزة، وذلك من خلال الاتصال والتواصل الذي لا يبنى على الخصوصية، ولا يقدم الإضافة غير الموجودة عند الآخرين، إذ حينئذ يصبح الاتصال عملية انبهار بالآخر يؤدي في النتيجة إلى لبس ثوبه، والدخول في عباءته والانخلاع من الجذور والبقاء. وإن أول الذوبان احتقار الذات، فإذا تبع ذلك انفتاح وتواصل انتهت الحضارة، فلا يحتقرن أحد ذاته، ولا يستصغرن أحد ما عنده، إذ لا بد أن الناس تحتاج الناس، وكل الثقافات عندها ما تضيفه مهما صغر وكلها محتاجة للاستفادة من الآخر مهما عظم..فهذا «روبرت بي .هي« عالم الاجتماع الأمريكي يقول في رسالته USA to day: «نحن في أمس الحاجة إلى الإحساس بالحياة الاجتماعية، ومن السهل أن نفهم أمريكا الضائعة الأرواح، حيث لا يرتبط الفرد بشيء ذي بال، لذلك فهو يبحث عن هويته ... يبحث عنها في العمل وفي المهنة وفي التقدم الاقتصادي.... إنه يبحث عن علامة تميزه وتخبره من هو..« ونحن العرب والمسلمين إذا انطلقنا إلى العالم بثقافتنا الإنسانية التي صنعها الإسلام استطعنا أن نكون شركاء في البناء الثقافي الإنساني، بأن تقدم لإنسان الحضارة الغربية تعريفاً له بنفسه، وبهويته كبشر خارج الاقتصاد والعمل والمهنة وداخل مهمته العظمي كإنسان مخلوق له بداية وله نهاية بعيدًا عن التفكير العبثي والثقافة التي تجعل من أيام الدنيا وجودًا وحيدًا لا تتحقق من خلاله الصورة الكاملة للحياة. 

لكن ذلك لا يتحقق لنا من خلال التسول الحضاري والثقافي، الذي يسعى به كثير من مثقفينا ونخبنا، تحت شعار خادع من الانفتاح على الآخر بدون تحصين ولا رؤية خاصة، وبدون إمكانية للإضافة، لأن هذا السعي الذي يتقدمون به لا يقوم على أساس أو جذور، والجميع يعلم أنه لا يمكن لثقافة أو حضارة أن تكون شريكة في صنع الحياة الإنسانية إلا إذا نبتت على مفارسها وأصولها فالنهضة على غير هذا الأساس فناء لذات العنصر الأضعف في العنصر الأقوى، كما يقول د محمد محمد حسين. 

فهلا توقف هؤلاء المتسولون عن تقديم أنفسهم وأمتهم للعالم من خلال الانبهار السلبي الذي يحملون، وهلا حاولوا. ولو مرة . أن يجربوا تقديم أمتهم للناس على أنها أمة لديها ما تقدمه، ومستعدة للاستفادة من كل ما ينفع ويثري إمكانياتها وقدراتها على العطاء، لتكون شريكة لا متسولة!.

حصاد الفكر ( ١٤٤ )

حصاد الفكر تقرير شهري يصدر عن مركز الإعلام العربي يلخص أهم وأحدث الكتب العربية والأجنبية، وبهذا العدد (١٤٤) يكون تقرير حصاد الفكر قد أنهى عامه الثاني عشر من مسيرته في التثقيف والتوعية المعرفية، ويأتي هذا العدد موجهًا الأنظار إلى ضرورة تفعيل قاعدة حقوق الإنسان في مواجهة الاستبداد والطغيان، من خلال ملف العدد الذي يناقش خطورة. استبداد الحكومات في حرمان شعوبها من أبسط حقوق الإنسان، وما يترتب على ذلك من استعداء القوى الدولية المتريصة بها وينير السبيل إلى مقاومة استبداد المحتل الصهيوني. كما يتناول مستقبل اللاجئين حصاد الفكر الفلسطينيين في الشتات.

 ويرصد »حصاد الفكر« من خلال تقرير التنمية الصادر عن البنك الدولي، واقع شعوب العالم ونصيبها من الحقوق والخدمات الإنسانية الملحة والمهدرة.

وينبه تقرير حصاد الفكره إلى أسس ومهارات الدعوة الفردية باعتبارها خطوة مهمة على طريق إصلاح الأفراد ومقدمة الإصلاح المجتمعات، ويكشف أسرار النشاط الاقتصادي ليهود العراق وتأمرهم لإفقار وعرقلة تطور البلاد. ويتحدث التقرير عن المرأة وأين تقف في خضم التحولات العالمية الراهنة. فكرًا وممارسة المرأة وتحولات قرن جديد ويرشدك كيف تكتب خطة عمل ناجحة ويؤكد التقرير أهمية تنمية وسائل اللغة العربية الفصحى في العصر الحديث حيث كان ذلك شعار مؤتمر مجمع اللغة العربية في دورته السبعين في القاهرة. وأخيرًا يقدم تقرير حصاد الفكر الفقيه المجاهد سعيد حوى نموذجًا للداعية المهموم بقضايا أمته المتفاني في الدفاع عنها .

الرابط المختصر :