العنوان الصحوة الإسلامية تتصاعد في تركيا
الكاتب عزام التميمي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-1994
مشاهدات 76
نشر في العدد 1085
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 25-يناير-1994
«لم تعد الانتفاضة مقتصرة على فلسطين، بل ها
نحن نشهد انبعاثها في إسطنبول...».
كانت تلك العبارة هي مقدمة برنامج تلفزيوني
بثته قناة «a-TV» التركية بعد أكثر من عشرة أيام من تنظيم
إحدى الجماعات الإسلامية في إسطنبول في الثامن والعشرين من ديسمبر «كانون الأول»
الماضي مهرجانًا جماهيريًا بعنوان «الانتفاضة»، مازال حديث الشارع ومدار اهتمام
وسائل الإعلام، وربما مصدر قلق الأجهزة والدوائر السياسية في تركيا والغرب.
تضمن البرنامج التلفزيوني ما يقرب من خمسة عشر
دقيقة من المشاهد المصورة من المهرجان، اشتملت على أناشيد إسلامية وعروض تمثيلية
حول الانتفاضة الفلسطينية، وتضمن أيضًا مقابلات مع الشباب والأطفال والنساء الذين
حضروه، أعربوا فيها دون تحفظ عن دعمهم المطلق لأهل فلسطين وعن أملهم في أن يكون
لهم نصيب في الجهاد لتحريرها، كل ذلك في سابقة تكاد تكون الأولى من نوعها في قُطر مازالت
كثير من مظاهر الإسلام فيه -رغم انتشارها وغلبتها في كثير من المناطق- ممنوعة
رسميًا.
لقد أراد منظمو المهرجان عبر الاحتفال بمرور
ستة أعوام على تفجر الانتفاضة في فلسطين توجيه رسالة إلى خصومهم العلمانيين، الذين
ما زالوا يجثمون على صدر الشعب التركي المسلم منذ أن تسلل نفر من يهود الدونمة
باسم الحداثة والقومية ليعملوا معاولهم في كيان الأمة الإسلامية محطمين رمز وحدتها
وشعارها السياسي: «الخلافة العثمانية المجيدة». فعلى الرغم من أن الأناشيد التي
قدمتها فرقة «الانتفاضة»، كما يسمونها، هي أناشيد فلسطينية أو تركية اقتبست
معانيها واستعير لحنها من الأناشيد الفلسطينية نفسها، ومع أن العروض التمثيلية
المتقنة لدرجة الإبداع صورت أطفال الحجارة وشباب الانتفاضة وهم يقاومون الاحتلال،
إلا أن ضيوف المهرجان استقدموا من عدد من بؤر الانتفاض في عالمنا الإسلامي،
فبالإضافة إلى ممثل حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، شارك في المهرجان ممثلون عن
الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية، وحزب المجاهدين في جامو وكشمير، والجيش
الإسلامي لتحرير البوسنة، وتعذر حضور ممثلي الحركة الإسلامية المجاهدة في
طاجيكستان.
وكأنما أريد للمهرجان أن يعلن على الملأ، بل
وبالذات على مسامع الذين قهروا المسلمين، وغيروا أحرف الكتابة في تركيا من العربية
إلى اللاتينية، ومنعوا الأذان للصلاة بالعربية سنوات طويلة، وحولوا المساجد إلى
متاحف أبعدوا منها المصلين وفتحوا أبوابها للسياح الأوروبيين، واضطهدوا المحجبات
فحرموهن من التعليم ومن العمل وآذوهن في الطرقات، وجرموا من أطلق لحيته اقتداءً
بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومنعوا الطربوش والجلباب والسروال وكل مظهر يدل
على إسلام أو عروبة أو عراقة عثمانية، وأباحوا المحرمات من خمور وزنى وقمار، إنما
هي جزء من انتفاضة إسلامية شاملة، تجتاح العالم الإسلامي من إندونيسيا إلى المغرب،
وإنما هي جزء من انتفاضة إسلامية عالمية ضد الظلم والقهر والعدوان: في البوسنة،
وطاجيكستان، والجزائر، وكشمير، وفلسطين، وفي كثير من بلاد المسلمين.
حضر المهرجان جمهور تجاوز عدده العشرين ألفًا،
احتشد بهم الاستاد الرياضي الصغير في إسطنبول بينما اكتظت الساحات الخارجية بآلاف
أخرى لم تجد لها مكانًا داخل الاستاد. وكانت هتافات الحضور قذائف موجهة، وصيحات
مدوية، ورسائل معبرة، تؤكد ذلك الفهم العميق والإدراك الواعي لحقيقة الصراع وطبيعة
المشكلة، وكأنما أريد لها توجيه رسالة أخرى مفادها أن الانتفاضة الفلسطينية إنما
قدر الله تعالى لها أن تتفجر لتنبه المسلمين في بقاع الأرض، وفي فلسطين بشكل خاص،
إلى أن مشكلة فلسطين إنما هي مشكلة المسلمين جميعًا؛ لأن المقصود من غرس كيان دولة
إسرائيل في خاصرة العالم الإسلامي في فلسطين هو منع عودة القوة الإسلامية، وإبقاء
العالم الإسلامي مشلولاً مجزأً.
وعندما أنشدت فرقة الانتفاضة باللغة العربية
أنشودة «الانتفاضة مستمرة حتى تعود الأرض حرة»، ردد الحضور معها بصوت واحد وبلغة
عربية بينة «خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود».
بعد أن ظن الناس أن الإسلام في تركيا ذهب إلى
غير رجعة بانقراض الأجيال القديمة، ها هو جيل اليوم يتلمس الطريق نحو الإسلام رغم
التجهيل والتظليم، وذلك مصداقًا لقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾
(الروم: 19). ومن أطرف ما تناقلته وسائل الإعلام، وأصبح الشغل الشاغل للناس في
أحياء إسطنبول خلال الأسبوع الماضي، قصة الغلمان الثلاثة الذين لم تتجاوز أعمارهم
الثالثة عشرة، والذين انطلقوا إلى بيوتهم بعد انقضاء مهرجان الانتفاضة، فجمعوا
أمتعتهم، وكتبوا وصاياهم، وسددوا ما عليهم من ديون، ويمموا تجاه فلسطين يريدون
الجهاد في سبيل الله، فوصلوا القسم التركي من قبرص بحرًا، وبينما كانوا يبحثون عن
وسيلة للعبور إلى فلسطين عبر لبنان أو سوريا، قبضت عليهم أجهزة الأمن التركية
وأعادتهم إلى إسطنبول. وأثناء التحقيق، يتهكم بهم ضابط الأمن قائلاً: وهل ظننتم
أنكم ستصلون فلسطين بسلام؟ ألا تعرفون أنكم كنتم ستمنعون وتقتلون؟ فيجيب الشباب
الناشئ: «لا يضيرنا أن نقتل في الطريق إلى فلسطين، فإن نفعل تكون قد كتبت لنا
الشهادة في سبيل الله، هي مبتغانا، ومن أجل الفوز بها خرجنا».
إن حماس الشباب للجهاد، وتمسك الفتيات بالعفة
والطهارة، وإصرار عامة المسلمين في تركيا على الاحتكام إلى الشرع الإلهي، وإقبالهم
على القرآن والسنة، كلها إرهاصات الصحوة الإسلامية المباركة، ودليل مبين على فشل
كل محاولات التغريب وطمس الهوية الإسلامية، وإنذار لمن لا يزالون يعتقدون أن
بإمكانهم حجب نور الله أو إطفاءه بأفواههم، بأن الإسلام قادم لا محالة، وأن
الظاهرة التي تشهدها تركيا، وتشهدها إندونيسيا، وتشهدها دول كثيرة من بلاد
المسلمين يدافعون باستماتة عن مصالحهم التي بنوها بدم المسلمين وعرقهم، ويتشبثون
بالحياة دون جدوى بعد أن رأوا الموت واقعًا بساحتهم لا محالة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل