العنوان فرصة لاستعادة التوازن وإنعاش زهرة الأمل !
الكاتب محمد سعيد باه
تاريخ النشر السبت 11-أغسطس-2012
مشاهدات 53
نشر في العدد 2015
نشر في الصفحة 30
السبت 11-أغسطس-2012
- ليس مثل رمضان في تعديل المزاج العام لنقله من حالة العنفوان في الشهوات ليتجه به نحو الاعتدال.
- صوم رمضان حين يستقيم معناه في الأذهان ويمحى عنه غبار التزوير ليس مجرد أداء الشعيرة لكنه يتجاوز ذلك ليكون مدرسة لإعادة التأهيل العام بعد تراخي العزيمة ووهن الإرادة.
- رمضان دورة تدريبية متكاملة تصقلنا صقلا جديدا يدوم أثره ما يقرب من سنة كي يكون لنا قوتا وبلاغا.
من المبادئ الكلية التي وضعها الخالق الحكيم لضبط سير نظام الحياة في انتظام واطراد مبدأ التوازن الذي يتحكم أيضاً في الكون من حولنا وفق السنن السائرة، وإذا حدث أي اختلال بسبب المساس بقاعدة التوازن تلك، فسيكون البديل الميلان المفضي إلى الفوضى ثم لا تلبث أن نلمس آثار ذلك ضيقاً وحرجاً وعنفواناً في حياتنا، ومن ثم نحتاج إلى لحظات صفاء نقوم فيها بإزالة الران عن مرأة الجلاء الروحي والطهر القلبي والعافية في الأبدان كي نستأنف السير الحثيث نحو تلك التخوم الجميلة.
عندما يعتدل الميزان نرى آثاره المباركة في صحة الأبدان وسلامة العقول واعتدال الفصول.. كما نراه في تحليقة رائعة لطير سابحة مسبحة وهي تهاجر أو تؤوب والآفة الأخرى التي يطاردها الإسلام بلا هوادة ويشن على مروجيها هجوما كاسحا. هي محاولة الحيلولة دون تبرعم زهرة الأمل أو حجب بروق إشراقة الحياة، وفي هذا الأتون تتأسّن الحياة فتتحول من بسمة مجلجلة متصلة في الأنفس والآفاق إلى كابوس لا يطاق، فيصاب الناس جراء ذلك بالرعب الجماعي، ومن ثم تتحطم الجسور التي بها تتماسك أجزاء المجتمعات.
وفي هذه التغريدة التي نطلقها في شهر الطهر نتأمل هنيهة في بعض الدلالات الكامنة في توجيهين قرآنيين لهما أوثق الارتباط ببعض المعاني التربوية التي يجب البحث عنها، ونحن نعيش ظلال رمضان الفيحاء بعد أن وصلنا إليها حبوا قادمين من تلك التلال الجرداء، حيث تختنق الروح وتكاد كل المعاني التي تتجمل بها الحياة تذبل، ثم نذيل ذلك بلطيفة عن أهم ثمرات الصيام ألا وهي التقوى.
دع الميلان.. وعدل الميزان!
المعالجة علة زوغان الميزان التي تحدث في الحياة البشرية كلما تقادم العهد وانبثقت آفة النسيان أو تراخت القبضة بسبب وهن العزم، وحدوث شروخ تشوه جميل ما أبدع الله وتكاد تطمس نقوش الفطرة المشعة وضع الله سننا كونية وأخرى تشريعية وثالثة تربوية تتناثر في جنبات ما استحدث الإسلام من منظومات ضابطة للسلوك الجماعي، وحاكمة على تصرفات الفرد ونهج المجموع وفي هذا المفصل، يندرج تكرار مجيء رمضان، مثل غيره من الشعائر، في دورات منتظمة حين يكون مؤشر مستوى الاختلال في كل مناحي الحياة قد بلغ مستوى الخطر حين تكون الإشارات حمراء صارخة على من سدر بعيدا عن شطان السلامة قائلة له : قف وراجع واستعد التوازن فأنت تترنح أعد الشحن فالبطاريات شبه فارغة!
كم هو رائق التعبير القرآني، وهو يشرح حقيقة أن الميلان أفة لا تصيب أمة مهما ارتفعت مآذنها وزخرفت قبابها وسرت أصوات مؤذنيها في البر والبحر ونصبت راياتها في الأجواء، إلا انتكست وتطامنت كأنها نتق فوقها جبل وعن هذا يتحدث القرآن بهذه النبرة الحنونة الهادئة ووضع الميزان ﴿ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ [ سورة الرحمن: 8]
كم مرة لفت نظري، وأنا أحدق ببصري في الكتاب الكريم - كما فعل الأحنف بن قيس يوماً ليعرف أنى هو أو من هو - بحثا عن علاج لعلل متناثرة في نفسي وفيمن حولي هذا التركيز الشديد على القيمة العالية التي يعطيها القرآن لمبدأ الاعتدال وما يترتب على الجنوح من جنايات.
وبعد طول تأمل، لاحظت اطراد حديث القرآن الشيق والضافي عن الحد والتقدير والتسوية والاعتدال والتوسط والاستقامة القسط والقسطاس.. وفي مقابلها الزجر عن سلوك الطريق المضاد: الميل والتخسير والإسراف والتطفيف والبخس والإفساد والتحريم والقطع.. وكلها معان متضامنة متعاضدة متكاملة.. تصب في بوتقة بناء الإنسان بتهذيب غرائزه وتنظيم عواطفه وضبط أحكامه وترشيد تصرفاته، فكان مما عثرت عليه هذا الترادف المقصود في مستهل عروس القرآن : ﴿ وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي ٱلۡمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ (9) ﴾
إن هذا الميزان القويم الذي ضبطه الخالق المدير لأمر الأكوان لتأطير سير الحياة، ليتجلى عمله في كل حركة وسكنة للأحياء، فيكون ذلك الأثر إيجاباً وبناء ونموا حسنا حين يعتدل وينتظم وقد يأخذ الاتجاه المعاكس عندما ينحرف فيحل الميلان مكان الاعتدال والاتساق.
آثار اعتدال الميزان
فعندما يعتدل الميزان وتستوي گفتاه تری آثاره المباركة في صحة الأبدان وسلامة العقول واعتدال الفصول وتجاوب الأشواق وتألف الجماعات وتناغم الأشواق مع أنشودة الكون، كما نرى ذلك في تحليقة رائعة لطير سابحة وهي تهاجر أو تؤوب من مسبحة هجرة ساقها إليها حس مرهف بتقدير العزيز العليم حس لم يصبه عطب في ميزان حواسها وأذواقها وعلاقاتها وفي تحديد مواسم التزاوج والتوجه عند الأوان نحو المحاضن الدافئة وفي تحديد المسار الأمن في الأجواء واختيار منازل الراحة ومحطات السلامة. لكن كم منا اليوم من يُعمل الميزان بتلك الدقة التي طالبنا بها الخالق حين ألح على عدم تجاوز الحد وسماه بالطغيان في الميزان ثم زاد الشرح بيانا وتحدث عن حرمة تخسير الميزان؟
هل میزاننا في الطعام والشراب والملبس والمركب وفي الرضا والغضب وفي العلاقات العامة وفي التعامل مع الأولاد وفي نظرتنا إلى الآخر.. في التجارة والصناعة في الإنفاق والإمساك، وحتى في ممارسة شعيرة من شعائر نتعبد الله تعالى بها .. هل ميزاننا في : كل ذلك وغيره غير ذي ميلان؟ إن هذا اللون الخاص من الاتساق مطلوب أن يطرد في حياة الإنسان حتى يصبح ديدنه ولا يستشعر الراحة والألفة مع الذات والتناغم مع عناصر الكون من حوله حين يوطد له أركانه في الداخل عقلا وتفكيرا وعاطفة وشبعاً وريا حتى إذا نادته حاسة حب البقاء المودعة فيه بعمق إلى إلا تناول متطلبات ذلك من غذاء وشراب قيل له بعد الإذن والتحليل إلى درجة التزيين: كف الآن حتى لا ينقلب الدواء ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [ الأعراف: 31]
ثم تنداح دائرة الاتساق فتشمل أجزاء لم تخطر لغير المتقيد بالمنهج الرباني على بال ويتعلق الأمر هنا بحسن التعاطي مع ا الجانب المقابل لتجاوز الحد، وذلك عندما يشتد الانفعال ويخيل إلينا أن المزاج الشخصي الذي كلما جنح أو جمع كاد أن يهوي بنا في مكان سحيق، يصلح معيارا لفعل الخير أو لكسب المثوبة ناسين أن الإفراط والتفريط نوعان من الخلل ينهى عنهما الشارع، وقد يشتد الحظر فيكون التهديد لمن يبحثون عن الخير في غير مكامنه: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [ سورة الأعراف: 32]
موسم لتعديل المزاج العام
حقاً، إنه ليس مثل رمضان في تعديل المزاج العام بعد تثقيفه للفرد وضبطه على منوال الكون لنقله من حالة العنفوان في العب من الشهوات والسدر في صحراء اللهو وصرفه عن ذلك الوادي غير الخصيب ليتجه به نحو الاعتدال، وينتظم في ذلك الموكب السائر بخطوات ثابتة ضمن من هذبهم رمضان وصقل أرواحهم حتى تشف وترف وتنطلق من ذلك العقال الذي طالما كبحه وحد من سبحه في ملكوت الله الفسيحات حيث ترتع أرواح الصالحين قبل أن تأوي إلى مخادع التبتل وهناك تطيب المناجاة.
مديد الاستعطاف
فإذا اشتد الجدب الروحي وتكاثفت سحب الغفلة ولهثنا بحثاً عن ري للنفوس العطشي وكاد الهلع أن يبلغ مداه ليهلك الحرث والنسل أطل رمضان من وراء الحجب ورش على الروح الظمأى رذاذ الطمأنينة فتنتفض انتفاضة عصفور بلله القطر، فتورق ثم تزهر تهيؤا للإثمار اليانع، وهناك تصدح أشواق الروح منتعشة لتحلق في أجواء يعبق فيها شذا الإيمان والأنس بالله والانعطاف نحو أهل الخير ثم تتجه نحو ربى البذل والعطاء دونما تيه أو من أو استكثار.
وحين تتعطل أجهزة الشعور بمعاناة من نشاطرهم سفينة الحياة في هذه الرحلة القلقة، ويجف ينبوع العطاء وينتشر في جنبات المجتمع شح قاس يهل رمضان مثقلا بالبركات، حاملا ذلك الوقر من النوع الخاص الذي يتهاطل ليورث الري فتنتفض عواطف البذل والعطاء، التي كان الذبول قد طالها، البذل إلى درجة الإيثار على فنقيض في النفس ولو أدى إلى مكابدة عناء الخصاصة.
ان صوم رمضان، حين يستقيم معناه في الأذهان ويزال عنه غبش التحريف أو يمحى عنه غبار التزوير، لا يمكن أن يكون بحال من الأحوال مجرد أداء الشعيرة، ولو خلصت النية، وتم تجريد القصد إلى أقصى حد، لكنه يتجاوز ذلك ليكون مدرسة لإعادة التأهيل العام بعد تراخي العزيمة ووهن الإرادة بسبب ولوج دائرة النسيان، إنه دورة تدريبية متكاملة تصقلنا صقلاً جديداً يدوم أثره ما يقرب من سنة كي يكون لنا قوتاً وبلاغاً .
يطل رمضان في حلله القشيبة وقد بلغ بنا الإرهاق العام مـداه إرهاق للأكباد بتحميلها هضم كميات وطرد فضلات فوق طاقتها، فتتباطأ حركتها الإنتاجية إرهاق ناتج عن إعمال اليد في رحلات مكوكية لا تكاد تتوقف بين الإناء والفم إرهاق للقلب بتحميله ضخ وتصريف كميات فوق ما برمجه له خالقه من مهام ووظائف إرهاق عام لأجهزة الجسد ووظائف المخ.
ولا يكون الناتج إلا تكاثف كومات الأنام على النفس بما اقترفت، وتحجب الروح التواقة إلى الانعتاق لتدور مع الأوابين في أفلاك الأنس، ويحال بينها وبين الإشراق ويران على القلوب التي أصابها الصدأ حتى لتكاد حبال الوصل مع السماء تتقطع لنغرق في وهدة القنوط، حينها يأتي رمضان وهو يترنم بأنشودة الأمل هاتفاً بمن غطس في يم الياس: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [ البقرة: 185]نعم، إنما يريد الله بنا، حتى ولو جعنا وعطشنا وتثاءبنا ونعسنا بسبب الإمساك عن المقومات المادية، اليسر، بما يتضمنه من أمل ودفع السحابة القنوط، إنه يسر يراد أن نستوعبه ونبتسم ونستبشر لطهر يزيل عنا أدران الأبدان وكدر الأرواح، يسر يتضاعف مع روح الأمل الساري في رمضان حين نصيخ السمع لنداء السماء: ﴿ ۞ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [ الزمر: 53]
لفظة التقوى.. ظلال ومضامين !
في مختتم هذه التأملات يحسن أن نتوقف هنيهة عند لفظة مفصلية في الآية الا وهي التقوى هذه اللفظة التي كثيرا ما يساء تفسيرها مع ما يترتب على ذلك من فساد نوع من السلوك المتصف بالانحراف والتقصير في أداء ما فرض من الطاعات، أما عند التدقيق في البحث عن المعاني الأصيلة الكامنة في هذه اللفظة فسنعثر على: الخشية الممزوجة بالحب والشوق إلى لقاء من نتقيه، والأنس بمن نتحامى غضبه ونشدان سابغ رضوان من نستعيذ به من عقابه والالتجاء إلى رحاب من نخشى سطوته والعكوف على باب من نستغفره ونتوب إليه إن هذا كله وغيره من مضامين ، التقوى» التي يورثها رمضان فيما يورث من اتزان وأمل مورق وابتسامة مشرقة للحياة، وإقبال على العمل الصالح كسباً لرضوان وإثراء الحياة.
يطل رمضان، وقد أوشكنا أن نهجر النور الساري، وكدنا أن نضع الكتاب الهادي وراء الظهور، ونسدر في تيهاء القيل والقال والجري وراء توافه الأقوال وارتكاب أشنع الأفعال، يرتفع صوت حنون ينادينا من وراء الغيوب كي نثوب إلى ذلك الوهج الطاهر ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [ البقرة: 183]
ثم لم لا نتساءل: لم وضع الميزان ونهي عن الطغيان في الميزان؟ ونتأمل في مغزى هذا السؤال ضمن برنامج استقبال شهر الأمل والاعتدال.
الهامش
(۱) يعنى الإسلام عناية كثيفة بالتوجيه نحو التمتع بما أودعه الله في هذه الحياة من أطايب في المأكل والمشرب والشم واللمس والنظر والتزين وجعل ذلك أصلا، والمحظور القليل فرعاً قابلاً للتعديل وفق أصل المقاصد بل ليصل الأمر إلى تأكيد أن ما ينزع به الناس إلى العب من تلك الطيبات تجاوب مع عميقة في تكوين بني البشر