; كيف يبدو واقع المسلمين في نيجيريا؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف يبدو واقع المسلمين في نيجيريا؟

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-نوفمبر-1983

مشاهدات 54

نشر في العدد 647

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 29-نوفمبر-1983

 

 

فيما يلي عرض موجز للأوضاع الحالية في نيجيريا من وجهة نظر إسلامية لا بد أن يتوفر لقارئها إلمام بسيط شامل عن هذه الدولة تاريخيًّا وجغرافيًّا وبشريًّا.

أسلوب الدراسة:

تم الحصول على المعلومات من خلال الاتصال المباشر بالأشخاص، والمعاينة الشخصية للمواقع، والمعايشة اليومية لمختلف النشاطات البشرية خلال تسعة أشهر تقريبًا.

خصائص وصفات البيئة النيجيرية: 

أولًا- نيجيريا أكبر بلد مسلم في إفريقيا، ومن أكبر بلاد المسلمين في العالم، وهي أغنى دولة إفريقية بثرواتها الطبيعية، مما جعلها قطب جذب الكثير من رعايا الدول المجاورة وفدوا إليها طلبًا للرزق، فتعززت مواردها المادية بقدرتها البشرية التي تقدر ما بين تسعين ومائة وعشرين مليونًا (90–120) من السكان، كما أدى هذا إلى إصرار قوى الاحتلال البريطاني النصراني السابق على الاستمرار في استغلالها بوسائل حديثة، وفتح شهية القوى المماثلة إلى المشاركة في اغتنام الفرصة.

ثانيًا- اتخذت هيئات التنصير العالمية من نيجيريا نقطة ارتكاز ومركز إعداد، وأهَّلتها لتكون بيئة تفريخ وقاعدة انطلاق للتأثير على من يجاورها من الشعوب. فعلى سبيل المثال نلاحظ أن كاردينال لاجوس هو أكبر شخصية كاثوليكية في كل القارة فضلًا عن باقي الرئاسات الكنسية. 

ثالثًا- عملت هذه القوى التنصيرية مع المسلمين عبر ما يناهز القرن من الزمان وبدعم مادي من الاحتلال السابق على ثلاثة محاور:

١-القمع بإبطال تطبيق شريعتهم.

٢-المنع لدعاتهم من مواصلة نشاطهم بين الوثنيين. 

٣-الدفع لجاهليهم وفقرائهم إلى اعتناق النصرانية بإغلاق أبواب التعليم والتوظيف في وجوههم.

واتبعوا في هذا أساليب متنوعة قاموا بتعديلها وتطويرها بمقدرة ومرونة متميزتين.

رابعًا- الظروف السياسية الحالية والناجمة عن تبني الديمقراطية الغربية من خلال دستور مقتبس من الدستور الأمريكي يهيئ جوًّا من حرية التعبير والتحرك، مما يُعد بحق حالة فريدة في تاريخ المسلمين المعاصر، وللأسف فقد أحسن استغلال هذه الفرصة دعاة المذاهب والطوائف المنحرفة جميعًا دون منافسة جديدة من الريادات الإسلامية الواعية. 

خامسًا- يتميز الشعب النيجيري بقبائله المختلفة ومن وفد إليهم وذاب فيهم ممن حولهم، بما تميزت به الشعوب المسلمة غير العربية من عاطفة دينية جياشة يصاحبها جهل شرعي بالغ، ينبثق عن ذلك انقياد أعمى وولاء مطلق لمن أقر له الناس بالعلم والفضل، وكانت هذه الظاهرة كما عهدنا دائمًا منفذًا للزعامات الإسلامية المنحرفة إلى سوء استغلال عامة المسلمين. وإضافة إلى أضرارها البالغة بمصالح المسلمين وتدهور أوضاعهم، فقد شكل هذا الواقع نموذجًا رديئًا أدى إلى الصد عن سبيل الله، واستغله المنصرون للطعن في الإسلام وفي بناء حاجز سميك بين الشعوب الوثنية وتفهُّم أو تقبل الإسلام. 

سادسًا- تنحصر سلبيات الشعب النيجيري في عناصر ثلاثة:

١-ما كان مبعثه غلبة الطبع وتحكم الجبلة.

٢-ما نتج عن القهر الاحتلالي.

٣-ما كان سببه الجهل وافتقاد الخبرات.

 وتظهر آثار ذلك في البطء في التصرف وتدني مستوى الاستجابة والقابلية العجيبة للانحراف وشعور النقص المهيمن. 

وعلى المستوى الجماعي في المؤسسات الإسلامية تتبدى السلبيات في مرضين لا ثالث لهما، هما: التورط السياسي، والتورط المالي. 

والتورط السياسي يأتي من الترويج لأحزاب جاهلية أو السكوت عن انحرافاتها مقابل منافع شخصية، كما بلغ التورط المالي مداه في الإقبال الغريب للإسهام في نشاطات الدعوة ليس من القائمين على شؤون الجمعيات المتخصصة، بل ومن مختلف الشخصيات العامة الذين يستفيدون بطريقة مباشرة من مصادر التمويل، أو بطريقة غير مباشرة باستغلال مناصبهم كحماة للإسلام في تحقيق الازدهار لأعمالهم الخاصة.

سابعًا- تنحصر نشاطات الدعاة الوافدين في طريقتين، فهي إما محاولات فردية تغطي قطاعات مختلفة كالتدريس في الجامعات والمدارس ثم الوعظ العام ثم تقديم المشورة في الجمعيات وغير ذلك، وقد مرت كلها في طريق واحد غالبًا ما يبدأ باندفاعات غير محسوبة يعقبها استنزاف الطاقة ثم الخبرة والارتباك وتنتهي بالتوقف والانسحاب. وإما المحاولات الجماعية فتأخذ الشكل المألوف للمؤتمرات التي تتبرع في حل المشكلات بقرارات فوقية وبتوصيات تولد ميتة أو معاقة في أحسن الأحوال. 

ثامنًا- يتوفر لنيجيريا -كغيرها من بلاد المسلمين- أسباب النهضة ومقومات الحضارة وبواعث الانطلاق أملًا في الله سبحانه وتعالى وإحسانًا للظن في اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، وبتحقق الشرط المعروف من الالتزام الدقيق الصارم بالكتاب والسنة يؤيد ذلك الدولة التي ولدت في ظروف أصعب على يدي الإمام المجدد عثمان بن فوديو (ت ۱۸۱۷م) ورفعه لراية الجهاد، والأيدي التي تلقفتها وقاتلت تحتها هي حجج بالغة على كل من يحاول تبرير الواقع أو أن يسكت عن الانحراف أو يتردد في بذل الجهد. 

النظرة إلى المستقبل:

أولًا- أجمع الدعاة العاملون على أن نيجيريا في أمس الحاجة إلى نقلة نوعية في طريقة إعداد الجيل الجديد، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بمساعدة موجهين من الخارج وخاصة من أهل المنطقة العربية، وعلى هذا فلا بد من تحرك إسلامي جماعي مؤهل يتم انتقاؤه بعناية ويفد للمشاركة في حمل مسؤوليات الدعوة.

ثانيًا- لا بد أن يكون هذا التحرك ذا طبيعة استيطانية طويلة الأمد، كما حدث في الفتوحات الإسلامية عندما خرج صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام وتابِعوهم بكامل عائلاتهم وأسسوا جاليات مستوطنة في البلاد المفتوحة، مما وفر لهم إمكانات الصمود وسط المحيط الجاهلي، كما شكلت بيئة إيمانية مثالية تغري الناس بالانتماء إليها وتعينهم على الاندماج فيها.

وبمثل هذا الأسلوب نجحت خطط نصاری بريطانيا من قبل في نيجيريا وفي كل بلد احتلوه، وهي أيضًا فطرة الله التي فطر المجتمعات البشرية عليها ولا بد من الإقرار بها والعمل بمقتضاها، فكل جهد منفرد مآله النفاد لا محالة، والعقبة الرئيسية هي الحاصر الذي يقع فيه الدعاة من مشكلات اجتماعية وصحية وتعليمية، فتتوزع اهتماماتهم وتتبدد طاقاتهم للوفاء بالحقوق الشرعية لمن يعلون ويضطرون للمغادرة في أحرج الأوقات، بعد مرور سنوات من التأقلم بتعلم اللغة والإحاطة بأحوال المجتمع وإقامة علاقات مع أفراده، وهكذا نظل نقتلع الأشجار قبل قطف ثمارها.

ثالثًا- حسب الحاجات الفعلية للبلاد ومن طبيعة تغير المجتمعات، فقد تستغرق فترة الإعداد عمر جيلين يقارب عشرين سنة، وعلى ذلك تجري الحسابات. ومثال آخر هو اللبنانيون الذين قدموا منذ أكثر من نصف قرن من أجل تجارة الدنيا وأسسوا جاليات إن لم تزدد رسوخًا واتساعًا عبر الأيام، فإنها بكل تأكيد لم تضعف ولم تضمحل، فهم كالجسد الحي كلما ماتت خلية جدد غيرها.

رابعًا- وجود الطليعة الداعية يشكل الارتباط العضوي المباشر بين القلب العربي وأطراف الأمة الإسلامية، وفضلًا عن كونه حقيقة تاريخية فهو ضرورة شرعية، وتشهد على ذلك التجربة المعاصرة لنشاطات الدعوة في أوروبا وأمريكا والتحول الملموس في مسيرتها بعد وفود الدعاة العرب وإسهامهم فيها، والمطلوب هو رصدها وتطويرها ثم الاندفاع إلى تعميمها ابتداء بالكتل البشرية الثلاث نيجيريا وإندونيسيا وباكستان. 

خامسًا- يدل الارتباط العضوي المباشر على الفهم والالتزام بالأمر الوارد في الآية الكريمة ﴿وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ  (التوبة: 36).

وربما ضاقت منافذ الدعوة في إحدى الجبهات، فيمكن لغيرها في أسرع وقت استيعاب العاملين فيها آمنين، بدلًا من تبديد الوقت وبعثرة الجهود بحثًا عن مأوى أو بديل ونتائج الصراع المعاصر بين الحق والباطل أقوى مؤيد لهذه الفكرة.

منهجية التنفيذ:

١-تكوين مجموعة عمل تنتقي من بين الدعاة العاملين من أهل البلاد لدراسة الفكرة والمشاركة في حمل تبعاتها، كما توفر الغطاء القانوني لها.

٢-اختيار أنسب مدينة في إحدى الولايات المسلمة تكون نقطة البداية، ويجلب إليها الدارسين من المناطق الأخرى، وبعد اجتياز كل مشكلات التأسيس والوصول إلى مرحلة السير الطبيعي للأمور، يمكن نقل الفكرة وتكرارها في المنطقة التالية وهكذا. 

تقوم الدولة بإصدار التراخيص ومنح الأراضي للجمعيات، ومن خلال ذلك يمكن الحصول على المواقع وإقامة المنشآت.

٣-يراعَى في التخطيط مرحلية التنفيذ، ويجب البدء بتوفير الخدمات الأساسية من مدارس الأطفال والعيادات وغير ذلك بطريقة تضمن الاستغلال الأمثل للطاقات. 

5-يمكن السعي في الوقت نفسه لإنشاء أو امتلاك مشروعات استثمارية تعطي عائدًا ثابتًا كنوع من الاكتفاء الذاتي، ويفضل في هذه المشروعات التي تخدم الدعوة بطريق غير مباشر كالمكتبات أو المشروعات التي يمكنها امتصاص العمالة الفائضة عن الحاجة في إنجاز المشروعات الأصلية.

٦-يراعَى في اختيار الطلاب مستوى الذكاء والالتزام الخلقي، ثم التوزيع القبلي، ثم إعطاء الأولوية للمناطق التي يتركز فيها النشاط التنصيري.

٧-يجب ألا يقتصر نشاط هذه المعاهد على النواحي التعليمية والتربوية لدعاة المستقبل، بل يجب أن يتسع ليشمل كل قطاعات الحياة بالتنسيق مع الهيئات القائمة والاستفادة من خبراتها، كما يتوفر لهذه المعاهد كوافد خارجي إمكانية العمل كوسيط يعمل على التقريب بين الهيئات المحلية وإيجاد نوع من التكامل بين نشاطاتها.

8-يمكن لهذه المعاهد أيضًا أن تخدم كنقط استطلاع ولجان مراقبة تساعد في حسن استغلال التبرعات الخارجية وضمان توجيهها إلى أفضل المصارف.

خاتمة:

إن أي انجاز بشري لا بد له من فكرة متكاملة نابعة من دراسة عميقة شاملة متأنية، وبعد تحقق الاقتناع الكامل بها تحتاج إلى عزيمة قوية مخلصة، ومهما طال الطريق وعظمت التضحيات فإن الحافز دائمًا هو أن الرحلة تبدأ بخطوة واحدة، هذا ما ورثناه عن رسولنا -صلى الله عليه وسلم- وهذا ما كان عليه الأنبياء الكرام من قبله، وبمثل ذلك فليلتزم اللاحقون. وقد آن الأوان لمسلمي القرن الخامس عشر أن يسلكوا درب الصدر الأول فيتعلموا أحسن الدروس بأقل الجهود، ويحققوا أعظم الإنجازات بأقل التضحيات، ويسابقوا الأمم بعد أن طال بهم الزمن.

وما توفيقي إلا بالله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

أحمد سامي أبو لبن

كنو- نيجيريا

الرابط المختصر :