; هل يستمر ضياع الشـرق لثروته من الرجال؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل يستمر ضياع الشـرق لثروته من الرجال؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1999

مشاهدات 82

نشر في العدد 1336

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 02-فبراير-1999

ليس هناك كنز أعز من الرجال الكبار، ولا أنفع من الرواد العظام، ولا أقوى من عزائم الصدق، ولا أرفع من العمالقة، ولا أسمى من الهداة الكرام، وهل تسود الأمم إلا بهم، أو تعز إلا بعقولهم وأفكارهم وسواعدهم؟ لأن الصغار لا يصنعون مجدًا، ولا يبنون صرحًا، ولا يشيدون حضارة والخاملون لا يرفعون ذكرًا، ولا يردون كيدًا، والعاجزين العابثون دائمًا أبدًا وباء الأمم الصاعدة، وجراثيم الشعوب الرائدة وهلاك الأجيال الناهضة، ودمار العزائم الشابة ما تذر من شيء إلا جعلته كالرميم، ولا تمر بخير إلا جعلته قاعًا صفصفًا، بلى الشرق المسكين بأمثال هذا الصنف الأخير.

اعترف أنه كلما مرت ذكرى لعظيم أو جال بخاطري طيف لمجاهد من مجاهدي الإسلام أو مصلح من المصلحين الكبار، ورأيت ما وضعت أمامه من عراقيل ورصدت ما تعرض له من خذلان وقهر وأذى، إلا أشعر جسدي، وتفطرت نفسي لما أصابه من أذى وناله من وهن ودمار وبهتان.

أتذكر في هذه الأيام مقتل الشيخ حسن البنا- رضوان الله عليه - ذلك الصرح الضخم الذي لم تستطع الأمة أن تستفيد منه ومن أمثاله كالإمام جمال الدين الأفغاني والإمام محمد بن عبد الوهاب والشهيد سيد قطب وعبد القادر عودة كيف تعمى الأبصار والقلوب عن أمثال هؤلاء الأفذاذ وكيف لم تستفد منهم بل تتركهم وتتنكر لهم وتحاربهم حتى تقضي في غالب الأحيان على معظمهم.

إن هذه لعلة خبيثة في الأمة يجب بحث أسبابها، ومرض مدمر في الطبيعة ينبغي الالتفات إليه لأننا مازلنا نعيش عصره، ونعاني من تفاعلاته وتوجهاته إلى الحين يجب أن توقفنا تلك الذكريات على حقيقة ما نحن فيه وطبيعة ما نعانيه من فشل على أيدي قتلة المواهب في الشعوب ومدمري الرواد في الأمم الذين أصيبوا بالعمي في الأعين والبصائر، وبالأمراض في القلوب والعقول، وأصبحوا سدودًا وقبورًا وجوائح للأمة، وقد التحموا بأعدائنا وتخندقوا معهم ويعملون بمشورتهم لتحقيق أهدافهم.

قرأت تقريرًا للكاتب الأمريكي روبين جاكسون عن الشيخ البنا رحمه الله يصف فيه الشيخ البنا وصف الخبير العالم بأقدار الرجال، وأحوال الأمم يقول فيه في فبراير ١٩٤٦م كنت في زيارة القاهرة، ورأيت أن أقابل الرجل الذي يتبعه نصف مليون شخص، وكتبت عنه في الـ «نيويورك كرونيكل» بالنص «زرت هذا الأسبوع رجلًا قد يصبح من أبرز الرجال في التاريخ المعاصر، وقد يختفي اسمه إذا كانت الحوادث أكبر منه ذلك هو الشيخ حسن البنا زعيم الإخوان »ثم يقول الرجل هذا ما كتبته منذ خمس سنوات، وقد صدقتني الأحداث فيما ذهبت إليه فقد ذهب الرجل مبكرًا، وكان أمل الشرق في صراعه مع المستعمر وأنا أفهم جيدًا أن الشرق يطمح إلى مصلح يضم صفوفه ويرد له كيانه غير أنه في اليوم الذى بات فيه هذا الأمل قاب قوسين أو أدنى انتهت حياة الرجل على وضع غير مألوف وبطريقة شاذة.

هكذا الشرق لا يستطيع أن يحتفظ طويلًا بالكنز الذي يقع في يده لقد لفت هذا الرجل نظري بصورته الفذة عندما كنت أزور القاهرة بعد أن التقيت بطائفة كبرى من زعماء مصر ورؤساء الأحزاب فيها كان هذا الرجل خلاب المظهر دقيق العبارة بالرغم من أنه لا يعرف لغة أجنبية لقد حاول اتباعه الذين كانوا يترجمون بيني وبينه أن يصوروا لي أهداف هذه الدعوة وأفاضوا في الحديث على صورة لم تقنعني، وكل الرجل صامتًا، حتى إذا الحيرة في وجهي قال لهم قولوا له شيئًا واحدًا هل قرأت عن محمد قلت نعم قال هل عرفت ما دعا إليه وصنعه قلت نعم قال هذا هو ما نريده، وكان في هذه الكلمات القليلة ما أغناني عن الكثير مما حاول البعض من أنصار البنا أن يقولوه لي .

لفت نظري إلى هذا الرجل سمته البسيط ومظهره العادي وثقته التي لا حد لها بنفسه وإيمانه العجيب بفكرته كنت أتوقع أن يجيء اليوم الذي يسيطر فيه هذا الرجل على الزعامة الشعبية لا في مصر وحدها، بل في الشرق كله.         

وسافرت من بعد أن حصلت على تقارير وافية ضافية عن الرجل وتاريخه وأهدافه وحياته وقد قرأتها جميعًا وأخذت أقارن بينه وبين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ومحمد أحمد المهدي والسيد السنوسي ومحمد بن عبد الوهاب فوصل بي البحث إلى أن الرجل قد أفاد من تجارب هؤلاء جميعًا واخذ بخير ما عندهم وأمكنه أن يتفادى ما وقعوا فيه من أخطاء.

ومن أمثلة ذلك أنه جمع بين وسيلتين متعارضتين جرى على إحداهما الأفغاني وارتضى الأخرى محمد عبده كان الأفغاني يريد الإصلاح عن طريق الحكم ويراه محمد عبده عن طريق التربية، وقد استطاع حسن البنا أن يدمج الوسيلتين معًا، وأن يأخذ بهما جميعًا، كما أنه وصل إلى ما لم يصلا إليه، وهو جمع صفوة المثقفين من الطبقات والثقافات المختلفة إلى مذهب موحد وهدف محدد.

ثم أخذت أتتبع خطوات الرجل بعد أن عدت إلى أمريكا وأنا مشغول به حتى أثير غبار الشبهات حينًا، مما انتهى إلى اعتقال أنصاره وهي مرحلة كان من الضروري أن يمر بها اتباعه ثم استشهاده قبل أن يتم رسالته وبالرغم من أنني كنت أسمع أن الرجل لم يعمل شيئًا حتى الآن، وانه لم يزد على جمع مجموعات ضخمة من الشباب حوله غير أن معركة فلسطين ومعركة التحرير الأخيرة في القناة قد أثبتتا أن الرجل صنع بطولات خارقة ...قل أن تجد لها مثيلًا، إلا في تاريخ العهد الأول للدعوة الإسلامية.

كل ما أستطيع أن أقوله هنا أن الرجل أفلت من غوائل المرأة والمال والجاه، وهي المغريات الثلاثة التي سلطها المستعمر على المجاهدين، وقد فشلت كل المحاولات التي بذلت في سبيل إغرائه وكان يترقب الأحداث في صبر، ويلقاها في هدوء، ويتعرض لها في اطمئنان، ويواجهها في جرأة.

لقد شاءت الأقدار أن يرتبط تاريخ ولادته، وتاريخ وفاته بحادثين من أضخم الأحداث في الشرق، فقد ولد عام ١٩٠٦م وهو عام دنشواي ومات عام ١٩١٩م، وهو عام إسرائيل التي قامت شكليًا سنة ١٩٤٨م، وواقعية سنة ١٩٤٩م.

وكان الرجل عجيبًا في معاملة خصومه وأنصاره على السواء كان لا يهاجم خصومه، ولا يصارعهم بقدر ما يحاول إقناعهم وكسبهم في صفه، وكان يرى أن الصراع بين هيئتين لا يأتي بالنتائج المرجوة، وكان يؤمن بالخصومة الفكرية ولا يحولها إلى خصومة شخصية، ولكنه مع ذلك لم يسلم من إيذاء معاصريه ومنافسيه فقد أعلنت عليه الأحزاب حربًا عنيفة.

كان الرجل يقتفي خطى عمر وعلي ويصارع في مثل بيئة الحسين فما تمثلهم شهيدا.

وبعد .. فهل مازلنا إلى الآن في تلك العماية أم نستغفر الله مما فات ونقبل على المستقبل ونعرف قدر الرجال ونحاول أن نستفيد من عبقريتهم، نسأل الله ذلك .

الرابط المختصر :