العنوان المرأة بين المجتمع الإسلامي والمجتمع الغربي (2من 2)
الكاتب علي عزت بيجو فيتش
تاريخ النشر الثلاثاء 02-أغسطس-1994
مشاهدات 73
نشر في العدد 1110
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 02-أغسطس-1994
"الأطباء وعلماء الاجتماع متفقون على عدم ترك الأم لطفلها إلا بعد بلوغه الثالثة، ولهذا يطالبون بأن تكون إجازة الأمومة للنساء العاملات ثلاث سنوات".
"إن ظروف الحياة في أوروبا تدفع بالعائلة إلى الانهيار، والعائلة المنهارة في أوروبا تجعل الحياة تفقد أي معنى وهدف".
"العالم النفسي الأمريكي آرين دوسلين يقول: إن المجتمع الأمريكي يتجه إلى أن تكون تركيبته من النساء المسترجلات، والرجال المتأنثين".
فإذا طالبنا باحترام الأم فلنطالب الأم باحترام نفسها أولًا، أليست المرأة التي أنجبت وربت طفلين أو ثلاثة أو أكثر- قد ترى أحيانًا أن ما قامت به أقل قيمة من عمل مهندسة أو طبيبة أو موظفة بدالة الهاتف؟ إن نظرة المجتمع بهذه المقاييس تجعل المرأة تعتقد ذلك، أليس من حق كل أم أن تفخر بكونها امرأة؟ كما تقول تلك المرأة التي يذكرها المحلل النفساني الأمريكي تيودور رايك في كتابه «الاختلافات العاطفية بين الجنسين»: «إننا نعترف بسهولة بتفوق الرجال في الذكاء وفي مجالات كثيرة، ولكننا معشر النساء قد أوتينا شيئًا أهم من ذلك بكثير، فبدون دورنا ينقرض الجنس البشري، إن وظيفتنا إنجاب الأطفال، ومن ثم استمرار وجود الرجال والنساء في الأجيال القادمة».
ويظهر أن كل طرف في العلاقة المعروفة «المرأة العاملة، العمل، الطفل» يتضرر بشكل ما، ولكن الضرر الأكبر يصيب الأطفال؛ لأن تربيتهم أوكلت إلى ناس يقومون بذلك بدافع كسب المال، وليس بدافع الحب والعاطفة، إن الطفل شخصية مهمة في نظر والديه فقط، وأما بالنسبة للمربي الموظف فإنه في نظره غالبًا شيء مثل الأشياء الأخرى.
فوظيفة رياض الأطفال ودور رعاية الأطفال «أن ترعى وتحافظ عليهم» وليس أن تنشئهم وتربيهم مهملة بذلك الجانب العاطفي لدى الأطفال كليًا، أذكر جيدًا أن الكاتب الكبير روسو- J.J. ROUSSEAU قد كتب: «لكي يتمكن أحد من تربية الإنسان فعلًا يجب أن يكون والدًا أو شيئًا أكبر من إنسان، وأنتم توكلون هذا الواجب بكل راحة الضمير إلى أناس مستأجرين»، ويضيف: «هل تريدون إعادة الجميع إلى وظائفهم الأصلية؟ إذن ابدءوا بالأمهات، ستفاجئكم التغيرات التي سوف تجدونها، إن كل شر يولد من هذا الانحراف الأول» (كتاب إميل).
لا يمكن لمجتمع أو لمؤسساته المجهزة بأحدث الأجهزة تعويض هذا المخلوق الصغير عن الدفء الذي يشعر به بجانب الأم والأسرة، وأبرز دليل تجريبي على ذلك هي مزارع الأطفال التي أقيمت بناءً على مخطط هتلر لتربية نخبة الشعب الألماني، كانت عناصر الرجال الشقر النورديين تتزاوج مع النساء اللاتي اخترن بعناية، ثم يتم تسلم الأطفال للدولة كي تتولى تربيتهم، لم يكن هؤلاء الأطفال يتعرفون على والديهم؛ لأن الافتراق بينهما كان يتم فور الإنجاب، يقول د. تيودور هيلبيغ -أستاذ جامعة ميونخ- الذي فحص عددًا من هؤلاء الأطفال بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة: «كانت وجوه الأطفال جميلة، وكانوا شقر الشعور، وزرق العيون، ولكن إذا اقترب الإنسان منهم كان يرى بكل وضوح أن نظراتهم الفارغة نظرات البله، وكلهم كانوا متخلفين عقليًا وجسديًا»، وبناء على الإحصائيات غير الرسمية ولد في ألمانيا وقتئذ (۱۱,۰۰۰) طفل بهذه الطريقة.
وقد توصل العالم النفسي الأمريكي ريني شبيس إلى نتائج متشابهة حول تأثير الأسرة والرعاية الأبوية في تربية الأطفال، فقد درس وقارن أطفال السجناء المولودين في السجون وأطفال الأثرياء المولودين في قصور الرفاهية والترف، وكانت نتيجة دراسته المقارنة أن أطفال الأثرياء الذين نشئوا على أيدي الخدم والمربين المستأجرين في ظروف انشغال أبويهم الدائم عنهم لم يتفوقوا في شيء على أطفال السجناء، بفضل بقائهم إلى جانب أمهاتم في السجن.
الأم والتوفيق بين دورها في البيت وخارجه:
إن غالب مشكلات الشباب المعاصر تعود بجذورها إلى عدم وجود حل ملائم لوضع المرأة، وعدم تقدير دور الأم والأسرة في بناء المجتمع، فهل يمكن للمرأة أن توفق بين وظيفة الأم وعملها خارج البيت؟
فلنضع المشكلات العاطفية جانبًا، لننظر في الجانب العملي المحض لهذه القضية، إن الأطباء وعلماء الاجتماع متفقون في مطالبتهم بعدم فصل الأم عن طفلها إلى حين إتمامه السنة الثالثة؛ لأن وجودها إلى جانبه ضروري في هذه المرحلة، ولا يمكنها نقل واجباتها إلى شخص آخر، لذلك نرى تمديد إجازة الولادة للنساء، وقد تطورت هذه الإجازة بعد الحرب العالمية الثانية فهي في المجر (سنتان ونصف سنة) وفي أمريكا (سنتان)، ويعود قصر هذه الإجازة التي ليست كافية -بحال من الأحوال- إلى الضعف الاقتصادي للدول، إن الحل الوحيد الصحيح للمشكلة يكمن في إعطاء إجازة الولادة للنساء مدة ثلاث سنوات.
إن ثلاثة أطفال أقل ما يجب أن تنجب المرأة لتوفير الحد الأدنى المعروف لدى العلماء به التجديد الحيوي البسيط للمجتمع، ولكن الحد الأعلى في الدول المتقدمة اليوم يعتبر الأسرة من أربعة أطفال.
ويقول الأطباء إن أنسب وقت لولادة المرأة بين (٢٠ إلى ٣٠) من عمرها، واستنادًا إلى المعلومات الثلاث المذكورة نستنتج أنه بعد مرحلة النضج «في سن العشرين» تأتي مرحلة الأمومة التي تتطلب إلغاء أي عمل للمرأة خارج البيت، لتمتد هذه المرحلة عشر سنوات تقريبًا، فهل على المرأة التي بلغت الثلاثين من عمرها، وأنجبت ثلاثة أطفال أن تبدأ بمزاولة العمل خارج البيت؟ إن واقع الحياة سيقدم أصح وأوضح إجابة في أغلب الحالات.
قد يأتي هنا اعتراض بأن اقتصاد أكثر دول العالم لا يتصور بدون ملايين النساء العاملات اللاتي يؤدين أعمالهن بكل نجاح مثل الرجال، وخاصة في وظائف تتفوق فيها النساء على الرجال! وكيف سيكون حال الاقتصاد الأمريكي إذا غاب ذات صباح ثلث العمال عن أعمالهم ليبقوا في بيوتهم بصورة دائمة؟ ألم يكن لعمل النساء دور كبير في تطور مفاجئ للدول المتقدمة وتحقيق الرفاهية؟
إن محاولة تقديم إجابة مستفيضة عن هذا السؤال الصعب تخرج عن هدف ومضمون هذه المقالة، وبدلًا من ذلك سنكتفي بالتذكير بأن الدول المتقدمة التي توظف أعلى نسبة النساء في العالم الدول هي التي تبذر بلا حدود، وقد سميت حضارتنا المعاصرة بـ «الحضارة الاستهلاكية».
إن خبراء الاقتصاد في أمريكا مثلًا ينبهون الشعب باستمرار إلى ظاهرة استهلاك مفرط في الخيرات التي بلغت حدًا خطيرًا، وتهدد بانهيار الاقتصاد، كان إنفاق الدول المتقدمة على مواد التجميل أكثر من (١٥) مليار دولار، بناء على تقارير مجلة «نيوزويك» الأمريكية بلغت الكماليات خمسي الإنتاج الإجمالي في أمريكا، بينما تنفق الشركات (١٤) مليار دولار، للدعاية لمنتجاتها، ويقول أحد خبراء اقتصاد الدعاية إن (۸۰) منتجًا من بين (۱۰۰) منتج يطرح للدعاية تطويها صفحات النسيان سريعًا؛ لكونها لا فائدة فيها، تُنفق دول العالم اليوم (۲۰۰) مليار دولار، على التسلح فقط، ولا شك أن مجموع المبالغ المذكورة يفوق كثيرًا قيمة عمل النساء وإسهامهن في اقتصاد دول العالم.
وما من شك في أننا سوف نعقد صفقة رابعة إن نحن قللنا الإنفاق على أمور لا تعود على المجتمع بفائدة كبيرة، وكسبنا مقابل ذلك جيلًا سليمًا صحيحًا، إن الثروة الوطنية الحقيقية سوف تزداد بذلك كثيرًا.
وقد ظهرت فعلًا بوادر التوفير والإسفار والتعقل في الهيكل الإنتاجي لبعض الدول، وهذا يفتح باب الأمل في إيجاد الحل، ولكننا نقف الآن على عتبة عهد جديد يتصف بآلية التصنيع، وستكون نتيجته الاستغناء عن آلآف مؤلفة من العمال، أو سيؤدي إلى تقليل ساعات العمل بشكل يصعب مجرد تصوره من واقع الاقتصاد والصناعة في العالم اليوم.
إن كل ما ذكرناه لا ينبغي فهمه أبدًا كدعوة إلى عزل المرأة عن الحياة العامة ومجال الاقتصاد الوطني، ليس في مصادر الإسلام حكم يمنع بصورة مباشرة عمل ونشاط المرأة خارج بيتها، إن الأحكام الشرعية المنظمة لاستقلال ملكية المرأة في حالة الزواج، وحرية تصرفها فيما ورثته أو كسبته يمكن اعتمادها في تحديد حق المرأة في العمل، أضف إلى ذلك دلائل قاطعة من عصور الإسلام المختلفة شاركت فيها المرأة في الجهاد والحياة الأدبية، والمرأة التي ردت على عمر -رضي الله عنه- محاولته لتحديد المهر، ويكون عمل المرأة ضروريًا ومناسبًا في الحالات الآتية:
-إذا كانت بلا زوج وهي التي تعول أطفالها أو والديها أو أحد والديها.
-إذا لم تُرزق الأطفال أو ربتهم فكبروا وأصبحوا مستقلين، فلا ضير من انشغالها بعمل نافع خارج البيت.
- إذا كانت تلك الأعمال تناسبها وتناسب طبيعتها.
- في حالات الحرب أو حالات استثنائية (لا يمكن أن نتصور الحياة في بريطانيا سنة١٩٤٠م لو لم تقم ثلاثة ملايين إمراة بأداء أعمال أزواجهن عندما ذهبوا إلى جبهات القتال).
ومهما يكن تصور حل هذه المشكلة، فإن النظرة الإسلامية إليها تشترط ألا تكون وظيفة الأم وأطفالها ضحية عملها خارج البيت.
إنه ينبغي للعالم الإسلامي أن يأخذ من الغرب روح العمل والتنظيم والانضباط وأساليب البحوث العلمية وتطوير التقنية، ولكن الغرب ليس قدوة فيما يتعلق بالنظرة إلى الحياة وفلسفة الحياة والمبادئ الأخلاقية والحياة الأسرية.
في عهد النجاح الفائق للعلوم والتقنية الغربية تسيطر على الغرب فلسفة التشاؤم التي لا ترى للإنسان هدفًا، ولا للحياة معنى، إن ظروف الحياة في أوروبا تدفع بالعائلة إلى الانهيار، والعائلة الأوروبية المنهارة من جانبها تكون جوًا روحيًا تبدأ الأشياء فيه تفقد أى معنى وهدف.
فلنورد هنا بعض الحقائق والمعلومات المهمة:
- زادت حالات الطلاق في السويد أربعة أضعاف منذ عام ۱۹۲۰م، وإن كل حالة سابعة من الزواج تنتهي بالطلاق في الدول الإسكندنافية، وفي (٥٠%) من حالات الطلاق تكون الخيانة الزوجية سببًا مباشرًا له.
- بلغت نسبة الطلاق (٥۰%) من مجموع عقد الزواج في كاليفورنيا سنة ١٩٦٠م، وتقول معلومات آخر تعداد للسكان في أمريكا: إن عدد النساء غير المتزوجات (فتيات ومطلقات وأرامل) يزيد على واحد وعشرين مليونًا، ويؤكد العالم النفسي: د. إیرین دوسلين أن انهيار الرجل الأمريكي نتيجة مباشرة لانشغال وعمل المرأة الأمريكية، ويقول: «إننا نسير نحو مجتمع ستكون تركيبته من نساء مسترجلات ورجال متأنثين».
ويوافق أكثر العلماء المعتبرين في العالم على أن المجتمع المعاصر يمر بمرحلة التقارب، وذوبان الفوارق بين الجنسين، ليُمنى كلا الجنسين بخسائر فادحة في نهاية المطاف؛ لأن ذلك يعني توفر عوامل التخلف المطلق.
لقد أجرى العالمان النفسيان الأمريكيان إبرام کاردنایر وکارمت مانلينغر بحوثًا مستقلة وتوصلا إلى نتائج شبه متطابقة، تقول إن البرودة الجنسية لدى النساء والعجز الجنسي لدى الرجال في المجتمع المعاصر اليوم أكثر من أي وقت في تاريخ البشرية، ويقول كاردناير: «إن تغيير دور الرجل والمرأة سبب رئيسي في حدوث هذا الاضطراب الجنسي اليوم».
إن زيادة تعرية جسد المرأة من سمات ما يعرف به نمط الحياة الأمريكية، تنجم عن التقليل التدريجي لقوة الرجال الجنسية، ويفتح بذلك الباب على مصراعية أمام أشكال التفسخ والانحراف الجنسي كما يقول العالم النفسي الأمريكي تيودور رايك.
في معرض حديثه عن نتائج الاستبانات التي أجريت بين طالبات المدارس الثانوية في فرنسا، يقول الأستاذ بجازو B.JAZZO «كانت هناك إجابات متنوعة عن السؤال المطروح، ولكن أغلب الطالبات قلن: إن هدفهن الأول هو الاستقلال والاستمتاع بالحياة، بينما أقل نسبة منهن يرى ذلك في تكوين الأسرة» (من بحثه المقدم للمؤتمر الدولي لعلم النفس في مدينة بون سنة ١٩٦٠م).
إن عددًا كبيرًا من الدول دخل في دائرة دول الشيخوخة لهبوط مطرد في عدد المواليد، وما زالت هذه النسبة في انخفاض، وكان عام 1951م عام الكارثة في تشيكوسلوفاكيا؛ بسبب هبوط عدد المواليد، ولكن هذا العدد انخفض إلى (50٪) من المواليد سنة ١٩٦٦م، وكان الوضع في فرنسا بين الحربين العالميتين مشابهًا لهذا، ولا يكاد يكون اليوم أحسن من ذلك.
وقد واجه المجلس الإسكندينافي- المؤسسة المرموقة المكونة من أعضاء برلمانات الدول الاسكندينافية الخمس- «مشكلة أزمة العائلة»، وناقش الاقتراحات المقدمة لإجراء تعديلات في الأحوال الشخصية، وبناء على الاقتراح الجديد لا تعطي الخيانة الزوجية من قبل أحد الزوجين حق الطلاق للشريك الآخر، وأغرب ما في الأمر أن هذا الاقتراح الذي يجيز ويشرع الخيانة الزوجية، يقدم بهدف إنقاذ الأسرة من التفكك.
وفي الوقت نفسه يناقش أبرز علماء ومفكري السويد والترويج فكرة مطلق الحرية لفسخ عقد الزواج متى رغب أحد الزوجين في ذلك، كما يناقشون إنشاء بيوت الدعارة لكلا الجنسين، الرجال والنساء (لممارسة اللواط والسحاق) إنهم يبحثون عن المخرج بالنزول من درك جهنم إلى الدرك الأسفل منها، ولكن هذا الاتجاه لا مخرج منه.
وينعكس هذا التخبط الروحي بصورة واضحة في أعمال مسرحية سخيفة ومنافية للعقل لدى الأدباء، مثل بيكيت وجنسكو وأدامو Adamo. وكامو A.Camus التي تصور الضياع الأخلاقي والروحي لدى الإنسان المعاصر، وفي مسرحية «من يخاف فيرجينيا وولف»، يصور الكاتب المسرحي أولبي مأساة الحياة الزوجية المعاصرة التي ينطبق عليها اسم «الجحيم الزوجي»، وتقول سايمون دي بوفار «إنها أصبحت حالة اعتيادية وكثيرة، بحيث لا نكاد نلتفت إليها، ولكنها تمثل قاع البؤس في مجتمعنا المعاصر».
إن كل الحقائق المذكورة هنا إذا أخذت بعمومها تعطينا صورة عامة عن الحالة الروحية للعالم الغربي التي يقول عنها هـ. ماركوسه Marcuse. إنها انتصاف ليل العالم.
إن الإسلام يمضي قدمًا نحو نهضته؛ لذلك لا يمكن أن يكون قدوته هذا العالم الهرم الضائع، مهما كان قويًا وغنيًا.
بقي أن نشير إلى أن مسألة تعدد الزوجات في الإسلام يبدو أن جميع غير المسلمين مهتمون بانتقاد هذه القضية، مع أن أهميتها في حياة المجتمع الإسلامي قليلة ومرحلية، إن انتقاد الأوروبيين لجواز تعدد الزوجات في الإسلام أبرز دليل على نفاق الأوروبيين، نجد بين آلاف حالات الزواج حالة واحدة من تعدد الزوجات في العالم الإسلامي، بينما تشير الاستبانات في الغرب إلى عکس ذلك تمامًا في الدول الغربية، من بين ألف زوج هناك زوج واحد فقط لم يخن زوجته، إن أوروبا اكتفت بأحادية الزواج نظريًا فقط.
في روايته «سبع وعشرون امرأة» يتحدث الكاتب إروين واليس E. Walace عن ضخامة حالات التعدد السري للزوجات والأزواج، وكامل مادة الكتاب مبني على المعلومات العلمية الدقيقة التي قدمتها دراسات هذه الظاهرة في المجتمع الأمريكي.
إن الله -سبحانه وتعالى- خلق ذكرًا واحدًا مقابل أنثى واحدة، وأودع هذه المعادلة في قوانين الطبيعة، ولا تتغير هذه المعادلة إلا في حالات استثنائية خارجية، لذلك تبقى أحادية الزواج طبيعة أصلية فيه، إذن لماذا أباح القرآن تعدد الزوجات إذا كانت هذه الحالة الزوجية أدنى من الحياة المشتركة بين زوج وزوجة واحدة؟
ولعل الجواب الصحيح عن هذا السؤال هو: لأن القرآن حرم الزنا تحريمًا مؤكدًا، أو لأنه كان لا يمكن أن يرضى بأحادية شكلية وكاذبة للزواج على النمط الأوروبي، فالخيار هنا ليس خيارًا بين زوجة واحدة وتعدد الزوجات، بل هو خيار بين حالات تعدد معدودة مشروعة في العالم الإسلامي، وحالات مستشرية من التعدد السري في الغرب، حيث أصبح هذ السلوك الزوجي جزءًا من المفهوم الكلي للحياة في الغرب، ولن يذهب إلا بذهاب المجتمع نفسه.
إن المجتمعات الإسلامية تكافح اليوم من أجل الوصول إلى هويتها، ووضع النهاية على سلسلة من العوائق التي تعترض طريقها، ومن سنة هذا الكفاح أن تصادفها الانتصارات والهزائم، ولكن لكي تزداد الانتصارات على حساب الهزائم لا بد للمرأة المسلمة أن تشارك فيه بأيديها وقلبها وعقلها؛ لأنها تمثل نصف العالم الإسلامي.
وعلى المرأة المسلمة أن تُنجب وتنشئ وتربي جيلًا جديدًا، وترضعه بالثقة في الإسلام والمستقبل، ويمكنها أداء هذا الواجب فقط إذا كانت متعلمة وسامية الأخلاق.
إن المرأة المسلمة ستسهم في النهضة الإسلامية بقدر ما تسهم هذه النهضة الإسلامية في تربيتها وتعليمها.
(*) كتبت هذه المقالة في شهر أكتوبر ١٩٨٦م، وتنشر باللغة العربية لأول مرة، ونقلها إلى العربية حسين عمر سيباهيتش.
(*) رئيس جمهورية البوسنة والهرسك
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل