; النظرية الأمنية الأمريكية تنقلب رأسًا على عقب.. حروب المستقبل مفتوحة ولا تستند إلى قواعد | مجلة المجتمع

العنوان النظرية الأمنية الأمريكية تنقلب رأسًا على عقب.. حروب المستقبل مفتوحة ولا تستند إلى قواعد

الكاتب هشام عليوان

تاريخ النشر السبت 24-نوفمبر-2001

مشاهدات 104

نشر في العدد 1478

نشر في الصفحة 32

السبت 24-نوفمبر-2001

كان بوش الابن يسعى لتغيير العالم على طريقته.. قرر بناء الدرع الصاروخي لدرء خطر الدول المارقة وحدد الصين طرفًا منافسًا بدل أن يكون حليفًا

مشكلة أمريكا أنها تريد البقاء كدولة مهيمنة دون أن تواجهها أي منافسة.. وذلك مستحيل

أحداث سبتمبر الماضي، كانت من الشدة بحيث لا يقارن بها الهجوم الياباني على ميناء بيرل هاربور عام 1941م، حين سقط ما يقارب 2500 قتيل وهو ما دفع أمريكا لدخول الحرب العالمية الثانية، بل إن بعض الصحف الأمريكية شبهت الواقعة بالمفاجأة التي حققها الجيش المصري عام 1973م ضد الصهاينة، في حين يرى بعض الخبراء أن الضربة لا تعادلها إلا حادثة عام 1812م حين احتل الإنجليز واشنطن وأحرقوا البيت الأبيض، وتاه الرئيس الأمريكي جيمس ماديسون يبحث عن ملاذ مثلما جرى في سبتمبر، مع فارق مهم هو أن الولايات المتحدة آنذاك كانت لا تزال ضعيفة بخلاف الوضع الحالي فهي القوة الكبرى.

ویری دأنطوان متّى أستاذ العلاقات الدولية الثنائية في الجامعة اللبنانية أنه لو بقي نظام القطبية الثنائية السابق لما كان متاحًا للمجموعات الصغيرةالمتفلتة من أي رقابة أن تفعل ما فعلته في الولايات المتحدة، كما يرى أن واشنطن مسؤولة بدرجة كبيرة عما حدث لأنها لم تعقد اجتماعًا واحدًا مع دولالعالم بعد انتهاء الحرب الباردة لتنظيم قواعد اللعبة الجديدة بشكل جماعي، بل راحت بدلاً من ذلك تبحث عن عدو جديد تتعامل معه بالقواعدالقديمة وكأن شيئًا لم يتغير، ومن هنا يؤكد د. غسان العزي أنه لا وجود لنظام دولي جديد، بل إن النظام القديم لا يزال قائمًا بدرجة أو أخرىوهو يمر بمرحلة انتقالية تنتظر نتائج الحملة الأمريكية على أفغانستان، قبل أن تظهر معالم النظام الجديد.

الأحداث كانت متوقعة نظريًّا

إلى ذلك كشفت الأحداث عن أن الجيوش الأمريكية الجرارة وأحدث تقنيات الدمار والتنصتوالتحكم والنقل والاتصال عميت عن إدراك الخطر الخارجي الداخلي، وركزت جهودها على كيفية مواجهة العدو الخارجي.

فلم يكن أمن الداخل مدرجًا على الأجندة الأساسية للاستراتيجية العسكرية الأمريكية كما يؤكد الخبير الاستراتيجي العميد إلياس حنا بالرغم من تكليف لجان خاصة لدراسة الموضوع فقد شكلت لجنة جيلمور عام 1999م ولجنة بريمر في يونيو عام 2000 ولجنة هارت -دومان في يناير الماضي تقريبًا وخرجت هذه اللجان بنتيجة متشابهة تقريبا تؤكد أن:

أمريكا أصبحت معرضة للهجمات الإرهابية أكثر من ذي قبل.

دولاً ومجموعات إرهابية سوف تحصل على أسلحة دمار شامل وبعضهم سيستعملها ضد الأمريكيين.

هناك أمريكيون سيموتون على الأرض دون شك وبأعداد كبيرة.

وتوصلت اللجان المذكورة إلى نقطة مشتركة أيضًا تقول إن أمريكا ليست مهيأة أبدًا لدرء هذه التهديدات.

وحتى ما كان يطلق عليه إرهابًا في السابق كان محددًا تقريبًا في مكانه، ومصادر دعمه، وكيفية عمله، أما العدو الجديد فيتطلب نوعًا جديدًا منالاستراتيجية والتدريب والتسليح، ومع ذلك حدث ما حدث.

تطور العقيدة الاستراتيجية

لم تستقر الولايات المتحدة على كيانها الجغرافي الحالي إلا قبل قرن ونصف القرن بعد أربع موجات من التوسع جعلت منها دولة بحريةوبرية بامتياز، وقد تطورت العقيدة الاستراتيجية الأمريكية بتطور الأهمية الجغرافية للبلاد؛ ففي عام 1781م قال الرئيس جورج واشنطن للقائد الفرنسي لافاييت الذي ساعد الثورة الأمريكية ضدبريطانيا«بدون قوة بحرية لا يمكننا القيام بأي شيء حاسم وبها يمكننا القيام بكل شيء مشرف ومجيد» وذلك عندما كانت الولايات المتحدة صغيرة ضعيفة ومعرضة لخطر الغزو.

وفي عام 1823م أعلن مبدأ مونرو المعروف بمبدأ العزلة لكنه في حقيقته، كان يهدف إلى منعدول أوروبا من التدخل في شؤون العالم الجديد، أو بعبارة أخرى، اعتبار العالم الجديد منطقة نفوذ أمريكية فحسب، وكانت مناسبة إعلان المبدأ أن دول أمريكا اللاتينية ثارت على الاستعمار الأوروبي فأرادت أوروبا التحالف فيما بينها لمواجهة الثورات، فأعلنت الولايات المتحدة أنها ستمنع ذلك بالقوة.

كانت تلك هي الاستراتيجية المتوخاة عسكريًّا، أما الأيديولوجية المطلوبة لتشكيل هالة معنوية حول القوة الناشئة فقد حاولها جون أوسوليفان الذي كتب في العام 1840م مقالا وسمي بالمانيفست Manifest Destiny حدد فيه مهمة الولايات المتحدة تجاه العالم، وقال: «إن قدر هذه البلاد أن تكون في المستقبل أمة عظيمة.. إنها أمة مؤلفة من أمم قدرها أن تنقل إلى العنصر البشري أينما كان المبادئ الإلهيةإنها قبلة الأنظار.. قدر أمريكا أنها اختيرت لضرب الطغاة ونشر مبادئ الحرية والمساواة».

وشكل هذا «المانيفست» الدافع الأساسي الذي غير وجه أمريكا من 12 مستعمرة شرق القارة إلى توسع على الصعيدين:

الداخلي بالقضاء على السكان الأصليين.

والخارجي بعد أن سعت أمريكا إلى السيطرة على البحار، وهذا ما يعيدنا إلى ما قاله جورج واشنطن آنفًا.

بعد أن وعى الأمريكيون قدرهم وبعد أن ساعدتهم جغرافية البلاد وثرواتها، اعتبروا أنفسهم أنهم لا يقهرون في عقر دارهم، فتحولت هذه الطاقة إلى التوسع الخارجي.

مساعدة الدول الحرة

في عام 1947م أطلق الرئيس ترومان عقيدة استراتيجية جديدة قامت على دعم الدول الحرة التي ترفض الإذعان لمحاولات الاتحاد السوفييتي التوسع خارج الستار الحديدي، ووافق الكونجرس على الدعم المالي الذي طلبه ترومان لكل من تركيا واليونان وأدت هذه العقيدة وبطريقة غير مباشرة إلى تبني أمريكا لأمن الشاطئ الشرقي للمتوسطثم تبنت استراتيجية احتواء الاتحاد السوفييتي، وهي الاستراتيجية التي اقترحها الدبلوماسي جورج كيفان ونظيرها في مجلة فورين أفيرز عام 1918 تحت اسم «أکس».

وحين سقط شاه ايران عام 1979م شكل ذلك قلقًا للإدارة الأمريكية لم يلبث أن تبعه غزو الاتحاد السوفييتي لأفغانستان؛ الأمر الذي جعل منطقة الخليج على مرمى حجر، وهنا أطلق الرئيس كارتر عقيدته عام 1980م التي حذّر فيها أي قوة من محاولة السيطرة على الخليج العربي؛ لأن الأمرسيعتبر بمثابة تهديدالأمريكية، وقد يكون الرد عليه عسكريًّا، وتبدو هذه العقيدةأكثر جرأة من عقيدة نيكسون فهي توريطية، أكثر منها انعزالية، ونتج عنها تدابير عسكرية كتأليف قوة التدخل السريع.

تدخل محدود ونصر سريع

استرسل المحللون السياسيون في كتاباتهم عما ستكون عليه السياسة الأمريكية بعد وصول بوش الابن إلى السلطة، ومع تعيينه للجنرال كوانباول وزيرًا للخارجية بتنا نسمع بعقيدة باول فما هذه العقيدة؟

إن التدقيق في تاريخ هذا الجنرال كما يقول العديد منا يجعلنا نصحح التسمية لنقول إنها بالفعل نسخة منقحة من عقيدة واينبرجر الذي كان وزيرًا للدفاع عام 1984م، وتقوم -عقيدة باول- على الأسس التالية:

1- عدم الزج بالقوى الأمنية العسكرية إلا عندما تكون المصالح الأمريكية العليا مهددة.

2- في حال التدخل، لا بد من نصر سريع باستعمال الحد الأقصى القوة مع أقل عدد ممكنمن الخسائر في الأرواح.

3- ولا بد من إيجاد استراتيجية المخرج بعد تحقيق الأهداف.

لكن الانتقال من المفاهيم العامة إلى مجال التطبيق يستلزم إيجاد البنى التحتية وتحديد نوعية التجهيز والتدريب، إضافة إلى العامل المعلوماتيالاستخباراتي.

وخلال الحرب الباردة جهزت القوى الأمريكية لقتال عدو معين (الاتحاد السوفييتي)، وفي إطار جغرافي محدد تمثل بأوروبا، واعتمدت كذلك تأمين السيطرة على البحار مع تأمين انتشار متقدموتقسيم العالم جغرافيًّا إلى مناطق عسكرية عدة ولها هيكليتها، وميزانيتها، لكن سقط الاتحاد السوفييتي، وتفردت الولايات المتحدة بالقوة، وراحت تبحث عن عدو، كان العراق هو الأول بعدالحرب الباردة، واعتبرت حرب الخليج آنذاك ثورة في الشؤون العسكرية وبدت في هذا الإطار الدول الكبرى محتارة تجاه الوجه الجديد للحروب المستقبلية (فالتحضير لحروب المستقبل يتم بعقلية الماضي) فإن هي أرادت المنافسة كان لا بد لها من صرف المال وإذا ما صرفت المال فهذا يعني تراجع النمو عادي، وهذا الأمر لم يكن من ضمن الحسابات خاصة في العالم الغربي، فقدفكر الرئيس كلينتون مثلاً أن الاقتصاد يتقدم على كل شيء، فأهمل الجانب العسكري وإن استعمله في أماكن ليست حيوية.

وعندما أتي بوش الابن أراد تغيير العالم على طريقته فقرر بناء الدرع الصاروخي لدرأ خطر الدول المارقة وذلك بناء على تقرير كان قد أعده وزير الدفاع الحالي أراد سحب الجيش الأمريكيمن مناطق انتشاره في العالم (مائة ألف في أوروباومثلهم في آسيا و25 ألفًا في الشرق الأوسط)، وحدد الصين منافسًا استراتيجيا بدلاً من أن تكون حليفًا، كما اعتمد دراسة أندرو مارشال الخبير التي تنص على نقل الصراع إلى آسيا بعد تراجعالخطر السوفييتي، فكانت أول بوادر الصراع في آسيا حادثة طائرة التجسس وتعهد بوش بالدفاع من تايوان.

وبهدف تحقيق هذه النقلة الاستراتيجية بدأت الدراسات لتحديد وسائل الصراع الجديد في أبعاده الأربعة البر، البحر، الجو، والفضاء، وراحت أيضًا شركات الصناعات العسكرية تتنافس لتحجز لها دورًا في العقود المستقبلية.

في هذا الإطار، بدت الحرب المستقبلية على الشكل التالي.

ستكون القوات الأمريكية خفيفة قليلة العددومجهزة بأحدث العتاد الإلكتروني الحديث الذي يعتمد على تكنولوجيا السليت Stelieh.

سينشأ لها أجهزة متقدمة تعمل في مجالاتجمع المعلومات ومعالجتها، وتقييمها، واستغلالها بسرعة فائقة لاتخاذ القرار وذلك بعد منع العدو من الحصول على المعلومات.

تدور حروب إلكترونية على شاشات الكومبيوتر والإنترنت بالإضافة إلى عمليات قرصنة وتدمير للأقمار الاصطناعية.

يتضاءل الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا.

العودة إلى المربع الأول

بدت صورة القوى الأمريكية التي حلم بها الرئيس بوش غير مناسبة، فمن الحقيقة الافتراضية virtus reality أصبح من الضروري العودة إلى المربع الأول وإلى طبيعة وصورة الحرب القديمةالتي تعود إلى الموجة الزراعية الأولى كما يسميها الكاتب الأمريكي ألفن توفلر، لكن الفرق الآن هو في أن هذا المجتمع الزراعي الأول بدل أن يستعملوسائله القديمة (الخنجر، السيفراح يستغل وسائل القوى لطعنه بها.

وفي 30 من سبتمبر الماضي أطلق دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي مراجعتهللاستراتيجية العسكرية التي تتم كل أربع سنوات، وبدت فيها آثار ما جرى في نيويورك وواشنطن عندما حدد فيها الخطوط العريضة التي تقوم على ما يلي:

تحقيق أمن الولايات المتحدة وحرية الحركة.

المحافظة على سيادة الولايات المتحدة ووحدةأراضيها

سلامة المواطنين الأمريكيين في الداخل الخارج.

حماية البنى التحلية الأمريكية.

التعهد بالمحافظة على أمن الدول الصديقة.

عدم السماح لقوى معادية باحتلال مناطق حيوية للولايات المتحدة في كل من شمال شرقآسيا، شواطئ شرق آسيا، الشرق الأوسط، ومنطقة جنوب غربی آسیا.

المحافظة على أمن البحار والفضاء وأمن المعلومات.

تحقيق الوصول إلى الأسواق الأساسية وإلى الموارد الاستراتيجية

ويتطلب تأمين ذلك الأمور التالية:

1- دبلوماسية فاعلة.

2- اقتصادًا قويًّا.

3- قوة عسكرية عصرية جاهزة.

وأبقى رامسفيلد على مبدأ خوض حربين إقليميتين والانتصار فيهما في الوقت نفسه ولم يخفض القوات الأمريكية ولا وسائلها من حاملاتطائرات وغيرها، كما أبقى على الصين تحت شعار المنافس الاستراتيجي؛ الأمر الذي يعيد شرق آسيا إلى قلب الفكر الاستراتيجي الأمريكي.

الجديد في هذه المراجعة هو إدخال تغيرات أحداث سبتمبر، فقد أصبح الإرهاب أساسيًّا في الفكر الأمريكي وأنشئت وزارة للداخلية لأول مرة.

 تقوم الخطوط العريضة للاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب على الأمور التالية:

1- قوات خاصة أكثر.

2- مراقبة واستعلام دقيقان ومستمران.

3- تدخل سريع لمنع الهجوم وتدمير الأهداف.

4- عدم السماح بتأمين ملاذ للإرهاب.

وتبدو الصورة الكبرى من خلال هذه المراجعة كالتاليتطور الولايات المتحدة صراعها على جبهتين تقليدية وغير تقليدية.

التقليدية: من خلال تحديث بقايا القوى من الحرب الباردة.

غير التقليدية من خلال العمليات الخاصة الموجودة أو التي قد تستحدث، وهنا لا بد من ابتكار وسائل جديدة لخوض الحرب المقبلة؛ فعملية 11 سبتمبر قد تكون جزءًا بسيطًا من حرب كبيرة تقودها دولة معينة على الولايات المتحدة في المستقبل .

الحرب من غير حدود

 في هذا المجال كتب كيا وليانج، وهواز إكسياني، الصينيان دراسة مهمة تحت عنوان الحرب عام 1999م هدفت الدراسة إلى تقديم النصائح للحكومة الصينية في كيفية تعويض النقص التكنولوجي مع الولايات المتحدة فيحال نشوب حرب عن طريق العمليات الإرهابية في الداخل الأمريكي: ضرب البنى التحتية والاقتصادية، عمليات في المدن، عمليات إرهابية على وسائل المعلومات والكومبيوتر، ضرب الأقمار الاصطناعية.

أين تكمن المعضلة الأمريكية في الصراع المستقبلي؟

أولاً: في وضعها كدولة مهيمنة تريد الاستقرار، ومنع قيام أي دولة منافسة، ويبدو هذا الأمر مستحيلاً في الظرف الراهن.

ثانيًا: في المخاطر والتضحيات، فبعد الحرب الباردة تم التركيز على الاقتصاد بشكل أساسي، أما في الناحية العسكرية فقد تم التركيز على استغلال التكنولوجيا حتى الحد الأقصى، بهدف التقليل من الخسائر واعتماد السلاح عن بعد.

لكن المرحلة الجديدة تتطلب تضحيات خاصة في الأرواح البشرية.

ثالثا: يبدو أن الولايات المتحدة من مفعول ردعها فلكي يقوم الردع لا بد من توافر الأمور التالية:

أن تتوافر وسائل الردع.

أن يكون الرادع مستعدًا لاستعمال هذه الوسائل في حال فشل الذي يردعه.

أن يكون المردوع مقتنعًا بأن الرادع سوف يستعمل وسائله؛ الأمر الذي يردعه.

لكن المعضلة في الردع الأمريكي هو في أن المردوع في هذه الحرب على الإرهاب مقتنع تماما بأن الأمريكي سوف يعمد إلى استعمال القوة، لكنه يقدم على التحدي متجاهلاً النتائج المترتبة علىفعله؛ لذلك تبدو حيرة الأمريكي في عدم وصول الأمور إلى نهايتها المعهودة.

الرابط المختصر :