; الافتتاحية: الاستيطان يقضي على أوهام السلام | مجلة المجتمع

العنوان الافتتاحية: الاستيطان يقضي على أوهام السلام

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أغسطس-1996

مشاهدات 73

نشر في العدد 1212

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 13-أغسطس-1996

رغم القرار الشكلي الذي كانت حكومة إسحاق رابين قد اتخذته قبل أربع سنوات بتجميد توسيع المستوطنات إلا أن قرار حكومة نتنياهو الذي اتخذته بالإجماع في الأسبوع الماضي بإلغاء كافة القيود السابقة على بناء وتوسيع المستوطنات في فلسطين المحتلة، قد أصاب دعاة ما يسمى السلام بالإحباط ولم يترك لهم  أية فرصة لمواصلة الحديث عن مسيرة الاستسلام القائمة في المنطقة، ورغم اعتراضهم على قرار الحكومة الإسرائيلية إلا أن نتنياهو الذي لم يضع أي اعتبار لأحد سوى لإسرائيل ومصالح الإسرائيليين لم يحفل بالاعتراضات التي خرجت من هنا أو ظهرت من هناك بل قال ببساطة: «لقد قامت حكومة العمل قبلنا بتوطين 150 ألفا في يهوذا والسامرا «الضفة والقطاع» خلال أربع سنوات وأقل شيء هو أن نقوم بتوطين عدد مماثل» وإطلاق العنان للمشاريع الاستيطانية هو أحد البنود الرئيسية لحكومة نتنياهو الذي صرح مرارًا قائلا: «إن من حق أي يهودي أن يستوطن في أية بقعة يشاء من أرض إسرائيل الكبرى، كما كان اختياره لأرييل شارون وزيرًا للبنية التحتية الإسرائيلية إيذانًا بمرحلة جديدة من مراحل توسيع الاستيطان اليهودي ومصادرة أراضي العرب لصالح اليهود، وقد قالت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في الأسبوع الماضي: إن شارون قد أصدر أوامره إلى رؤساء ما يسمى بإدارة أرض إسرائيل لأن يشتروا من الآن فصاعدًا في أية منطقة أية أرض فلسطينية معروضة للبيع بغض النظر عن الثمن، كما أصدر شارون أوامره في الشروع بشق طرق التفافية في الأراضي الفلسطينية تصل المستوطنات بعضها ببعض وتساعد على بناء مزيد من المستوطنات، ورصد لها أكثر من ٦٠٠ مليون دولار، وتقوم إستراتيجية شارون الذي وصف أنه أبرز زعماء الليكود اهتمامًا بالاستيطان على بناء مستوطنة جديدة في كل بقعة خالية على أرض فلسطين حيث يقول: «ليس هناك ما يحول إطلاقًا دون إقامة مجتمعات جديدة في المناطق الخالية من السكان، بل ويمكننا أن نطلق على ذلك توسيع المستوطنات الراهنة، وهكذا ستبدو هذه التجمعات السكنية في البداية مواقع معزولة.. لكنها ستصبح في نهاية المطاف منطقة جغرافية مأهولة ومتواصلة».. 

ويعتبر الاستيطان هو الطريق الأساسي لتهويد المناطق العربية بل تهويد فلسطين كلها، وهذا ما حدث في القدس بالفعل الآن حيث اتخذت السلطات الإسرائيلية في شهر يوليو الماضي قرارات وإجراءات لتفريغ القدس من العرب، وذلك بسحب بطاقات الهوية من أهالي مدينة القدس المقيمين خارجها، كما أن عدد اليهود من سكان القدس الشرقية يزيد الآن عن ۲۰۰ ألف يهودي وهو أكبر من عدد الفلسطينيين، وهناك خطة لتامين مساكن لخمسين ألف يهودي آخرين بنهاية عام ٢٠٠٠م، وعمليات التهويد تشمل كل بقعة من أرض فلسطين وخطط الاستيطان الحالية هي جزء من خطط الاستيطان اليهودية التي بدأت في عام ١٨٨٢م وترسخت بعد ما عقد اليهود مؤتمرهم الصهيوني الأول في مدينة بازل في سويسرا عام ١٨٩٧م حيث نجحوا بنهاية عام ١٩٠٣م في بناء ۱۷ مستوطنة في فلسطين، وصل عدد اليهود الذين هاجروا من أماكن مختلفة من العالم واستوطنوا فيها حوالي ٢٥ ألف يهودي، وكانت هذه هي المرحلة الأولى من مراحل الاستيطان حيث تلتها مراحل أخرى عديدة كان من أبرزها الخطة الطويلة الأمد لاستيعاب هجرة اليهود السوفييت الذين وصلوا في نهاية عام ١٩٩٤م إلى مليون يهودي سوفييتي هاجر منهم إلى إسرائيل في عهد شامير وحده حوالي ٣٠٠ ألف، وقد أدت هجرة اليهود السوفييت وحدها إلى زيادة عدد سكان إسرائيل بنسبة 20%

ورغم مسيرة الاستسلام القائمة فإن الاستيطان اليهودي لم يتم إيقافه في أية بقعة من البقاع التي تحتلها إسرائيل بما فيها الجولان التي يزيد عدد المستوطنين الصهاينة فيها عن 15 ألف يهودي يقيمون في ۲۳ مستوطنة وعدة قرى، وقد أعلنت حكومة نتنياهو مؤخرًا عن خطة لدعم الاستيطان في الجولان بما ينفي أية نية إسرائيلية للتخلي عن أية أرض عربية تقع تحت سيطرتها، وهذا يرسخ التهديد الإسرائيلي لكل الدول العربية لاسيما الدول المجاورة، فإسرائيل حتى الآن هي الدولة الوحيدة التي تتمتع بعضوية الأمم المتحدة، وليس لها حدود واضحة المعالم، بما يؤكد خطورة خططها الاستيطانية ومطامعها التوسعية حتى مع الدول التي وقعت معها اتفاقيات.

ويعتمد مجلس الاستيطان اليهودي في إسرائيل على فرض واقع لا يمكن التخلي عنه من خلال التوسع في المستوطنات، إلا أن أخطر ما في القرار الذي اتخذته حكومة نتنياهو هو ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية في الأسبوع الماضي نقلًا عن مصادر سياسية في مكتب نتنياهو أن قرار الحكومة الإسرائيلية بإلغاء كافة القيود على الاستيطان قد تم الاتفاق عليه مسبقًا بين كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي بيل كلينتون أثناء زيارة نتنياهو الأخيرة لواشنطن، غير أن الأكثر خطورة هو ما ذكرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية في الأسبوع الماضي من أن إسرائيل قد نسقت موضوع إلغاء الاستيطان في الأراضي العربية المحتلة مسبقًا مع كل من الولايات المتحدة ومصر والأردن.

 ولئن صح هذا وذاك فمعناه هو تأكيد أن ما يسمى بمسيرة السلام ليست سوى درب من دروب الخداع والأوهام للشعوب العربية والمسلمة، وأن الاستيطان لا يبقي أي مجال للحديث عن أي شكل من أشكال السلام، وأن الشعوب العربية يجب أن تدرك هذه الحقائق، وتدرك أيضًا أن إسرائيل تغرر بالجميع، وأن تنازلات بعض الأطراف العربية والضامنة لها دور في استعلاء إسرائيل وصلفها، وبالتالي فإنه لن يوقف الصلف الإسرائيلي إلا القوة، ولن تحرر الأرض العربية من على موائد المفاوضات أو من خلال البنود والاتفاقات، وإنما هو طريق واحد خطه رب العزة للجماعة المسلمة الأولى، هو طريق الجهاد باعتباره الطريق الوحيد لاسترداد الحق السليب والمقدسات الواقعة تحت نير الاحتلال، وبالتالي فعلى الدول العربية التي سارت في مسيرة الاستسلام أن تعيد النظر في مواقفها ولا تستجيب للضغوط التي تمارس عليها من الخارج وأن تدرك أن الله سبحانه وتعالى ينصر من ينصره ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ  وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا  وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:40)

إن أي طريق غير هذا لن يكون إلا طريق الذلة والمهانة، ولعل ما يجنيه الآن الذين ساروا في ركب الاستسلام لليهود كفيل بتأكيد هذه الحقائق وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .

الرابط المختصر :