العنوان أفرجوا عن رمز العلم .. قبل فوات الأوان
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر السبت 18-يونيو-2005
مشاهدات 71
نشر في العدد 1656
نشر في الصفحة 29
السبت 18-يونيو-2005
نداء
إلى ملوك وقادة ورؤساء الدول العربية والإسلامية، إلى منظمات حقوق الإنسان.. وإلى كل صاحب ضمير حي:
أخرج الإمام مسلم في صحيحه (٢٦٧٣) قول النبي ﷺ «إن الله لا ينتزع العلم من الناس انتزاعاً ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم، ويبقي في الناس جهالا يفتونهم بغير علم فيضلون ويضلون» ... والأمة حين تشتبه عليها السبل، وتعم الفتن وتكثر المحن، ويكون الهرج والمرج تكون في أشد الحاجة إلى العلماء الربانيين الذين يقومون بتبيان الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإرشاد الناس إلى طريق الهداية بعيدا عن غلو المغالين وتحريف المبطلين، ويصبح من أهم واجبات العلماء العودة بالأمة إلى هدي الكتاب والسنة وإحياء الأمة بعد موتها وبعثها من غفوتها ونومها. وسوقها إلى ربها سوقًا جميلًا.. فهم صمام الأمان في مجتمعاتهم. يدلون من ضل إلى الهدى ويصبرون على الأذى، فهم ورثة الأنبياء وقدوة المؤمنين الأتقياء.
نورد هذا الكلام وقد ألمنا كثيرًا، وأحزننا طويلًا ما تعرض له رمز كبير من علماء الأمة الأتقياء الأخفياء، وهو الشيخ محمد الحسن ولد الددو. حيث يودع السجن في موريتانيا، وكأنه من المجرمين واللصوص وأصحاب السوابق، والله يعلم أنه واحد من علماء الأمة الكبار الذين يعدون على الأصابع في زماننا المعاصر، وهو صاحب علم غزير يشهد له القاصي والداني، وله فضائل لا تعد ولا تحصى من حفظ العلم ونشره بين الناس ونشر الخير والأخلاق وتعليم الناس أمر دينهم، فكان جزاء هذا العالم الفذ أن يوضع في السجن حتى صدقت فيه مقولة الإمام أحمد بن حنبل الذي ابتلي هو الآخر، وقال ما أحسن أثر العلماء على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم..
هذا الشيخ الجليل الذي هو اليوم أسير المرض والسجن لا يعرف سجانوه من سجنوا، وأي خير عن الناس منعوا، وأي مكانة وفضل ورفعة يحتلها هذا الشيخ لدى علماء الأمة حتى قال بعضهم إنه شيخ الإسلام في زمانه لكثرة علمه وفضله، فكيف يكون مصير الشيخ السجن، والأمة تفور وتغلي بعظائم الأمور وتحتاج إلى من يبصرها بأمور دينها ودنياها؟ نقول للذين يجهلون مكانة الشيخ العلمية إنه آية من آيات الله في العلم والحفظ والتثبت والتمكن، فهو الثبت المتمكن من علوم القرآن والشريعة والفقه وأصوله وأحكامه وعلوم التفسير وعلوم الآلة من لغة ونحو، وعندما يحدثك فإنه يستحضر الأدلة والبراهين والآيات وكأن أمهات الكتب مفتوحة أمام ناظريه..
ويكفيه أنه بلغ مبلغ العلماء وأصبح عالمًا ومعلمًا ومدرسًا قبل أن يبلغ الحلم، ويعرف من علوم اللغة العربية وأسرارها ما لا يعرفه عنها حتى أرباب اللغة وأساتذتها في الجامعات والمجامع اللغوية، ويتقن القراءات العشر القرآنية كما لم يتقنها أحد، وعندما يتحدث تنهال عليه الأفكار والأدلة والشواهد فيأخذ ما يشاء ويدع ما يشاء، وفوق كل هذا فهو يتصل إلى الرسول نسبا وسندا، فنسبه يتصل إلى النسب الشريف.. وهذا معلوم لأهل موريتانيا ولمن يعرف الشيخ.
أما اتصاله سندًا بالرسول فلأنه يحفظ البخاري وهو أصح كتاب بعد كتاب الله وهو يحفظه حديثاً حديثاً، وكل حديث بكامل السند والسند لديه يتصل منذ الوقت المعاصر، حتى يصل إلى البخاري ومن البخاري حتى يتصل السند إلى رسول الله ﷺ فهل يحفظ السند ابتداء من عنده وحتى رسول الله ﷺ.
كما أعلم منه أمورا بينه وبين ربه لم يطلع عليها أحد. وعرفتها خلسة عنه، ولولا كراهته في الحديث عنها، لحدثتكم بعجائب من أموره التقية الخفية ووثيق صلته بالله. فمن كان هذا حاله، وهذه صفته ومن كان نسبه وسنده متصلين برسول الله.. فهل هذا يكون جزاءه ومصيره، وكيف بنا إذا احتفت الأمم بعلمائها وكبارها، كيف بنا نعتقلهم وترميهم بالسجون والمعتقلات!!
قبع الشيخ - فك الله أسره - في السجن. وتفيد الأخبار الواردة من السجن تردي حالته الصحية غير المستقرة، وتفيد التقارير بأن الشيخ عند إحالته إلى المحكمة كان يتغذى على الحقن المغذية، وتظهر عليه آثار التعب والمرض التي أكلت من قواه البدنية وصحته الجسدية الشيء الكثير.
ماذا نقول لربنا عندما نقف بين يديه ويسألنا عن علماء الأمة الكبار؟ وكيف طابت نفوسنا للصمت المريب، وهم يودعونه السجن مع المجرمين؟ وكم سيفرح أعداء الأمة والمنافقون وأهل البدع لاعتقال الشيخ وتعرضه للإهانة والتعذيب؟
فلمصلحة من يعذب الشيخ الجليل في السجن؟
أما أن لهذه الأمة أن توقف هذا العدوان على الأطهار الأبرار من علمائها ؟ لماذا نعطي العدو الفرصة لإظهار الشماتة بنا وبما نفعله مع علماء الأمة وكأننا أصبحنا كاليهود نستلذ بقتل الرسل والأنبياء والعلماء الصالحين، وكان على العلماء النوابغ أن يدفعوا ضريبة علمهم ونبوغهم وجدهم وتعليمهم الناس ونشرهم الخيرة، ولماذا نصر على تحويل بلدائنا إلى أخدود كبير نزج فيه علماءنا فيه زجاً فتصبح الأمة بلا علماء فيكثر الجهل فيها، وتنتشر البدع، وتضيع معالم الدين؟!
إنني هنا أناشد وأنادى وأهيب بالحكومة الموريتانية أن تأخذني مكان الشيخ وتطلق سراحه كما قال إخوة يوسف ليوسف عليه السلام ﴿فَخُذۡ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥۤۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾، (يوسف: (۷۸) وأنا أضع نفسي بتصرف السلطات الموريتانية على أن تطلق الشيخ أو حتى على الأقل تتركه ليتلقى الضروري من العلاج، فهو الأنفع للأمة، ولا يمكن أن تقبل بذل العلم بإذلال العلماء، والشيخ بحر في العلم والعمل والبر والتقوى ولا نزكي على الله أحدا.
إننا نهيب بالحكومة الموريتانية أن تعرف قيمة هذا العالم الكبير ليس في موريتانيا وحدها، بل بالعالم الإسلامي، وأن تعامله بما هو أهله وأن تنزله المنزلة التي يستحقها، وأن تقوم بالإفراج الفوري عنه وذلك أضعف الإيمان، وتتركه يغادر للعلاج خارج موريتانيا إما في إحدى الدول الأجنبية أو العربية، وأرض الحرمين الشريفين أولى به وحكومة المملكة العربية السعودية دائما تجل العلماء وتقدرهم وتنزلهم منازلهم.
كما نهيب بقادة وحكومات ورؤساء العالم الإسلامي والعربي التحرك لفك أسر الشيخ والعمل على خروجه من موريتانيا لتلقي العلاج في أقرب وقت قبل أن يستفحل مرضه ونفقد عالمًا ربانيًا قلما ترى في القرون الأخيرة مثله.
كما نناشد منظمات حقوق الإنسان والعدالة الإنسانية التدخل الفوري لإنقاذ حياة الشيخ في القريب العاجل.
إن السكوت على ما يحدث لرمز العلم والفتوى في موريتانيا لم يعد أمرا مقبولا، وإنه مسئولية سيسأل عنها جميع المعنيين أمام الله ثم أمام التاريخ.
وإن أمام الجميع مسؤولية نشر قضية الشيخ في المنتديات المحلية والعالمية، وأن يشرحوا قضيته في وسائل الإعلام وعلى مواقع شبكة الإنترنت المعنية بحقوق الإنسان، ولن ينسى لهم الله سبحانه وتعالى هذا الجهد وسيكرمهم لنصرة هذا العالم الجليل.
إن أملنا في الله كبير بأن يتم الإفراج عن الشيخ في القريب العاجل، فلا مثله يستحق السجن ولا مثلنا يجب عليه الصمت..
اللهم فرج عن الشيخ.. اللهم هل بلغت.. اللهم
فاشهد .. اللهم هل بلغت؟.. اللهم فاشهد ..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل