; تطور العقيدة عند العقاد ومصطفى محمود | مجلة المجتمع

العنوان تطور العقيدة عند العقاد ومصطفى محمود

الكاتب د. محمد علي البار

تاريخ النشر الثلاثاء 20-سبتمبر-1977

مشاهدات 91

نشر في العدد 367

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 20-سبتمبر-1977

تطور العقيدة عند العقاد ومصطفى محمود

يعتقد بعض مشاهير الكتاب كالأستاذ العقاد رحمه الله، وكالدكتور مصطفى محمود، أنه يخدم الإسلام عندما يقول: إن عبادة الله قد تطورت من عبادة الطوطم إلى عبادة الشجر والحجر، ومنها إلى عبادة الأفلاك والنجوم، ثم صارت أربابًا متعددة لها إله أعظم هو زيوس، أو جوبيتر، ثم تحولت إلى عقيدة توحيد مخصوصة بشعب واحد وهو «يهوا» رب اليهود فقط.. وهم شعب الله المختار.. ثم تطورت العقيدة الإلهية لتصبح الثالوث: الأب والابن والروح القدس في المسيحية التي تدعي أنها تؤمن برب واحد في أقانيم ثلاثة.. وكانت قمة تطور العقيدة الإلهية في الإسلام الذي جاء به الرسول الأمين، الذي دعا الناس جميعًا إلى رب العالمين!

ووضع الأستاذ العقاد كتابًا أسماه «الله» يشرح هذه النظرية، كما وضع الدكتور مصطفى محمود أيضًا كتابًا أسماه «الله» ليعيد كلام العقاد بأسلوب أسلس وأقرب إلى عقول الشباب.

وقد مر الدكتور مصطفى محمود بمراحل متعددة في عقيدته حول الله جل جلاله.. فقد وضع أول ما وضع كتابه «الله والإنسان» عام 1955.. وكتابه ذلك كفر صريح وسخرية من العقيدة الإلهية.. وقد قدم لذلك الكتاب أحد مشاهير الشيوعيين في مصر آنذاك، وهو محمود أمين العالم، أو مذموم خائن الجاهل، كما كان يسميه الأستاذ العقاد رحمه الله.

ثم شاء الله أن يهتدي الدكتور مصطفى محمود ويتحول من الكفر إلى الإيمان ومن الشك إلى اليقين فوضع كتابه الأخير «الله» بعد عشرين عامًا من نشر كتابه الأول، قضاها وهو يصارع لجج الشك ويخوض بحار الحيرة، حتى هداه الله للإسلام.

والكتاب في جوهره دعوة إيمانية صادقة.. وجهد مثمر في دعوة الشباب والملحدين إلى الإيمان بالله عز وجل.. ولكن الدكتور مصطفى محمود وقع فيما وقع فيه الأستاذ العقاد -غفر الله لي ولهما- فجعلا العقيدة الإلهية تتطور من عبادة الطوطم إلى عبادة الأشجار والأحجار، إلى عبادة النجوم، إلى عبادة عقيدة الآلهة المتعددة التي يسيطر عليها كبير الآلهة إلى «يهوا» رب اليهود فقط، إلى الأقانيم الثلاثة في واحد، إلى الله الواحد الأحد الفرد الصمد في الإسلام.. وهو قمة التوحيد.

ويتحدث الدكتور مصطفى محمود عن الإنسان الأول الذي كانت روحه ترتجف جوعًا إلى الإيمان مثلما يرتجف جسده جوعًا إلى اللقمة والأمان.. ويقول: «وكما ظن البرق عفريت، كذلك ظن أن أباه الميت الذي يظهر له في الحلم هو الله فعبده وذبح له القرابين. واتخذ من قبره محرابًا ومزارًا.. وتطورت عبادة الأسلاف لتصبح عبادة ثابتة.. وأصبح لكل قبيلة جد قديم تجعل منه إلهها ورمزها المعبود. ثم بدأ الإنسان البدائي يتصور أن روح هذا الجد يمكن أن تحل في حيوان أو شجرة، فانتقل إلى عبادة الحيوانات والأشجار.. وأصبح لكل قبيلة حيوانها الخاص الذي تعبده «الطوطم».. وهو مرة طائر، ومرة ثعلب، ومرة أسد، ومرة عجل «أبيس»، ومرة بقرة، ومرة شجر تين عتيقة.. وكانت هذه النقلة إلى أنه متجسد يلمس باليد أسهل على عقل البدائي من عبادة روح مجردة بلا شكل ولا جسم.. والذين احتفظوا بعبادة الأجداد والأسلاف هؤلاء صنعوا لهؤلاء الأجداد تماثیل؛ أصنامًا ترمز إليهم مثل اللات والعزى وهبل، حتى تكون لمعبوداتهم أجسام تلمس ومواقع تزار. «والبعض اتجه إلى حيث شعور القوة في الطبيعة، فعبد الرياح والبحر والكواكب والنجوم والنار.. وهكذا تعددت الأرباب بقدر تعدد حاجات الإنسان الهمجي ومخاوفه.. ثم ظهرت فكرة الإله الواحد ممثلة في الشمس أكبر ما ترى العين في السماء.. الإله رع عند الفراعنة.. وفي اليونان زيوس كبير آلهة الأولمب الذي جعل من باقي الآلهة أربابًا صغارًا يعملون في خدمته ويدينون له بالطاعة.. وكانت أول خطوة نحو توحيد حقيقي لرب مجرد تمام التجريد هي الخطوة التي حققها أخناتون نبي الفراعنة بحق.. ويصل هذا التوحيد إلى ذروة النقاء والتجريد على يد أخناتون».

ثم ينقل الدكتور مصطفى محمود أنشودة أخناتون في الشمس آتون التي تمنح الحياة وتشرق على وجوه الناس، ليقول أخناتون لربه في ختام الأنشودة: وليس هناك من يعرفك غير ابنك الذي ولد من صلبك ملك مصر العليا والسفلى الذي يحيا في الحق: سيد الأرض أخناتون. وأخناتون هذا أشهر عابد للشمس، وأشهر من تزوج أخته الجميلة نفرتيتي.

ثم يستطرد الدكتور مصطفى محمود في شرح تطور العقيدة إلى بني إسرائيل الذين لا يعرفون الإله الواحد ولا البعث ولا الآخرة، ولا الجنة ولا النار.. ونفس الرأي يقوله أيضًا الأستاذ العقاد: «وقد خلت الكتب الإسرائيلية من ذكر البعث واليوم الآخر»، ويقول في موضع آخر: «ومثل بني إسرائيل مثل جميع الأمم الغابرة في تطور العقيدة، فقد دانوا زمنًا بعبادة الظواهر الطبيعية وطواطم الحجارة والأشجار الأسلاف، كما دانوا بعبادة الأوثان والكواكب والحيوان».

ولكن الدكتور مصطفى محمود يستدرك بقوله: «ولا يأتي ذكر البعث والآخرة والجنة والنار إلا في آيات متأخرة من التوراة.. يتأخر تاريخها إلى مائتي سنة قبل ميلاد المسيح.. ولا نقرأ عن الإله المنزه المجرد عن التشبيه والصفات إلا على لسان أنبياء متأخرين مثل أشعيا».

ويورد الاستدراك ذاته الأستاذ العقاد.. وينتهي كل من الأستاذ العقاد ومصطفى محمود إلى أن وصول الإنسان إلى عقيدة التوحيد المجرد المنزه إنما جاءت متأخرة جدًّا، فيقول الدكتور مصطفى محمود: «وإنما جاء وصول الإنسان إلى حقيقة الله عز وجل على مراحل ومحطات وجرعات.. وجاء اقترابه من تلك الحقيقة على درجات حسب ما تهيأ له من مواهب الفهم.. وهنا تأتي فكرة الإسلام عن الله الواحد المتعال الذي ليس كمثله شيء لتكون الذروة والخاتمة لذلك التجريد الخالص.. الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤًا أحد.. الأول والآخر، والظاهر والباطن، الذي يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار». اهـ.

ومفهوم تطور العقيدة يناقض صريح القرآن.. فالقرآن يخبرنا أن أبا البشر آدم عليه السلام كان نبيًّا موحدًا على أنقى صور التوحيد.. ولم يكن أخناتون عابد الشمس هو أول موحد على وجه الأرض، كما يزعم العقاد ومصطفى محمود ونجيب محفوظ وكثرة من الكتاب والأدباء المصريين.

ويخبرنا القرآن الكريم أن نوح عليه السلام كان من أولي العزم من الرسل، وكان على أنقى صور التوحيد وأعلاها.. وهو الذي دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا إلى عبادة الله الواحد الأحد، الفرد الصمد.. وهو الذي أنزل الله فيه سورة كاملة تصور قصة جهاده ومثابرته في الدعوة ليلًا ونهارًا، سرًّا وجهرًا، إلى عبادة الله وحده.. لا ند له ولا صنو ولا شريك. وهو الذي يصف القرآن الكريم دعوته بقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (نوح: 1- 14).

ثم جاءت الرسل تترى: هود، وصالح، وشعيب، وإبراهيم وبنوه إسماعيل وإسحاق.. ومن وراء إسحاق يعقوب.. ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (البقرة: 132، 133).

ويوسف الصديق ابن الصديق، يقول لربه: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِين (يوسف: 101). ويستمر ركب النبوة وركب الإيمان إلى موسى عليه السلام الذي أنزل الله عليه التوراة هدى ونور.. وليست كما يزعم الأستاذ العقاد والدكتور مصطفى محمود أن ليس في التوراة ذكر للتوحيد إلا قبيل زمن المسيح.. وأن ليس فيها ذكر الجنة والنار واليوم الآخر.. وأن ليس فيها سمو روحي.. إلى آخر ما يناقض صريح القرآن..

نعم، يستطيع أن يقول من شاء: إن اليهود -عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين- قد حرفوا التوراة وبدلوا كلام الله ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا(البقرة: 79)، كما وصفهم الله تعالى بذلك.. يستطيع أن يقول ذلك ولا يعدو الصواب.. ولكن أن يزعم أن التوراة كانت تمثل تطورًا في سلم تطور العقيدة من الطوطم إلى عبادة يهوا رب الشعب ورب القبيلة، فهو الهراء المحض.

والله يقول عن التوراة: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ (المائدة: 44)، ويقول: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (آل عمران: 3، 4).

﴿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (المائدة: 46).

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ (المائدة: 68) ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (المائدة: 66).

ولا نقول لأهل الكتاب إلا ما قاله الله على لسان محمد وصحبه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (البقرة: 136).

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُون(المائدة: 59).

﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير(البقرة: 285).

ولا نقول كما قالت يهود: ﴿نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ(البقرة: 91).

ولا نقول: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ(النساء: 150).. ﴿فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ(البقرة: 85).

ولا نفرق بين الله ورسله، بل نعتقد اعتقادًا جازمًا أن جميع الرسل ما جاءت إلا برسالة الإسلام ورسالة التوحيد، وأن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم كلها منزلة من عند الله تعالى، وأنها كلها هدى ونور.. وأن لا فرق في عقيدة الأنبياء عليهم السلام وأتباعهم من لدن آدم عليه السلام إلى خاتم الأنبياء والمرسلين عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم.. وأن الدين عند الله الإسلام.. وأن جميع الرسل ما جاءوا إلا بعقيدة واحدة هي عقيدة التوحيد الخالص الكامل النقي الذي لا شبهة فيه... وأن ليس هناك من اختلاف في العقيدة قط.. وأن التحريف والتبديل قد حصل على فترات من الرسل.. فآدم عيه السلام وبنوه كانوا موحدين.. ولكن الذراري طال عليهم العهد ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ(المائدة: 14).. فتولوا وكفروا.. فأنزل الله الأنبياء والمرسين يردونهم إلى جادة الطريق.. وجاء نوح عليه السلام فآمن له من قومه قليل.. ونجا الله الذين اتقوا وأغرق الباقين.. وبقيت أمة الإسلام ولكن ذراريهم انحرفوا مرة أخى، فأرسل الله إليهم رسله: هود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط ويونس وإلياس وموسى وعيسى.. ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون (البقرة: 136).

وتاريخ الإنسانية من فجرها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها تمثل هذا الصراع الدائم بين الحق والباطل.. بين الهدى والضلال.. بين أمة الإسلام وأمم الكفر.. فنوح عليه السلام ومن معه يمثلون أمة الإسلام.. وقومه الذين كفروا به يمثلون أمة الكفر.. وهود عليه السلام ومن معه يمثلون له الإسلام.. وقوم هود الذين كفروا به يمثون أمة الكفر والضلال.. وهكذا جميع الأنبياء والمرسلين وأتباعهم يمثلون أمة الهدى والإسلام.. وجميع الذين كفروا بهم يمثلون أمم الكفر والضلال.

وليس تاريخ الإنسانية درجات متصلة في سلم التطور كما يزعم دعاة التطور.. وليس اللاحق بالضرورة أفضل وأكمل من السابق.. وليس القرن العشرين في ميزان الحق والهدى والنور هو خير القرون؛ بل لعله أشدها بعدًا عن ميزان الحق والهدى والنور.. وأكثرها إيغالًا في الظلم والضلال والغواية.

وخلاصة القول: لا اختلاف بين الرسالات السماوية جميعها في العقيدة.. وأن الاختلاف إنما يكون في بعض أحكام الشريعة وليس في أصولها.. فالصلاة مفروضة على الجميع، وكذلك الزكاة والصيام.. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ (البقرة: 183). ولكن طريقة الصيام وأيام الصيام وكيفية تختلف من شريعة إلى أخرى.. وكذلك الصلاة.. وكذلك الزكاة.

بل إن كثيرًا من أحكام التوراة قد أقرها القرآن الكريم: فالقصاص مثلًا قد أقره الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ (المائدة: 45). وأضاف إلى ذلك رحمة بنا: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ (المائدة: 45).

وأقر الرسول الكريم حكم التوراة في رجم الزاني المحصن، وقال الله تعالى لليهود الذين أرادوا أن يبدلوا حكم التوراة عندما جاءوا إلى الرسول يحتكمون إليه في قضية زنا يهودي: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِين(المائدة: 43).

ومن رحمة الله بالعباد أن جعل أحكام الشريعة السابقة منسوخة بالشريعة اللاحقة.. يبقي منها ما يصلح لذلك الزمان، وينسخ الله الأحكام الأخرى تحقيقًا ورحمة: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا(البقرة: 106).

بل إن رحمة الله اقتضت أن تنسخ بعض الأحكام التي نزل بها القرآن الكريم؛ فحكم الزانية مثلًا كان محددًا بالحبس في البيوت كما في سورة النساء: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلا (النساء: 15) فجعل الله لهن سبيلًا بنزول آية: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ(النور: 2) في سورة النور.

وحكم قيام الليل الذي كان فرضًا صار ندبًا، وحكم أن يقاتل المسلم عشرة من اكفار ولا يفر منهم، خفف إلى أن يقف في وجه اثنين، وتحريم الخمر تدرج من قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا (البقرة: 219) إلى قوله تعالى: ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى (النساء: 43) إلى تحريمها تحريمًا كاملًا قاطعًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ(المائدة: 90).

والحكمة والرحمة الإلهية واضحة كل الوضوح، جلية كل الجلاء في تدرج الأحكام، ففطام النفوس فجأة عن محبوبها يعسر، وفطامها على التدريج يسهل.. وتجلي فضل الله وكرمه يتضح أكثر فأكثر عندما تخفف الأحكام من الشديد إلى اليسير..

وخلاصة القول أن الرسول صلوات الله عليه لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن أكمل الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده.. ولم يبق لأحد كائنًا من كان أن يبدل في دين الله حرفًا ولا يغير موضعًا.. ولا يزيد منه ولا ينقص: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ (المائدة: 3).

ولو ركز الأستاذ العقاد والدكتور مصطفى محمود بحثهما على تطور الشريعة في الأديان وحكمة الله في ذلك لأصابا وأحسنا.. ولكنهما -غفر الله لي ولهما- طمعا فيما لا مطمع فيه، وجعلا العقيدة مجالًا للتطور من عبادة الطوطم إلى عبادة الإله الواحد الأحد.. وحسبا في ذلك أنهما يؤديان للإسلام خدمة.. وما دريا أنهما إنما يخالفان في ذلك صريح القرآن.

وللحق فإن الدكتور مصطفى محمود شعر بهذا التناقض فأراد أن يستدرك ذلك بقوله: إن التطور العقيدي يمثل جهد العقل البشري؛ بينما رسالات السماء واحدة من لدن آدم إلى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم.. وأنهم جميعًا لم يأتوا إلا برسالة التوحيد الخالص النقي.. ولكن مصطفى محمود لا يفرق أثناء ذلك بين التوراة المحرفة والتوراة التي أنزلها الله وجعلها هدى ونور.. ولا يفرق بين أتباع الرسل الذين آمنوا وصدقوا، وبين أصحاب التطور العقيدي ممن عبدوا الطوطم والأشجار والأحجار.. بل إنه يخلط بين أنبياء الله وبين أخناتون فرعون مصر، وعابد الشمس، والقائل عن نفسه: إنه ابن الإله، ومن صلبه ملك مصر العليا والسفلى وسيد الأرضين.. ويعتبره قمة في التوحيد، بل ويقول عنه: إنه أول الموحدين في العالم من بني الإنسان.

وموقف الدكتور مصطفى محمود من قضية التطور -على أي حال- خير من موقف الأستاذ العقاد الذي يقول: «التطور في الديانات محقق لا شك فيه».

موقف العقاد موقف الجازم الموقن بقصة التطور العقيدي، وموقف مصطفى محمود موقف المتردد المتناقض فيقول: «ولذلك نقرأ في تاريخ الأديان بين الشعوب البدائية تلك الحكاية الطويلة لتطور الفكر الديني من طفولة العقل البشري حينما كان العقل طفلًا لا يستطيع أن يؤمن إلا بشيء مادي يمسكه به إلى أن بلغ غاية نضجه فأصبح يؤمن بالمطلق والمجرد.. بينما نقرأ عن أنبياء نزلوا برسالات سماوية كانوا يمثلون استثناء دائمًا من هذه القاعدة.. من نوح، إلى إبراهيم، إلى إسحاق ويعقوب وإسماعيل وموسي وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام.. كان النبي يأتي ومعه حقيقة واحدة لا تتغير ولا تتبدل: إن الله واحد لا إله إلا هو. كل نبي يأتي بتمام التوحيد.

وهذا الكلام الأخير ينسف حكاية التطور العقيدي من أساسها.. ويجعلها حكاية من الحكايات وأسطورة من الأساطير راجت لدى علماء الغرب في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، فظنوها حقيقة الحقائق، وليس لديهم من دليل إلا أساطير تروى من هنا وهناك، وتفسيرات تلفق على أيدي أناس تجردوا لمحاربة الرسالات السماوية بأجمعها من أمثال فرويد وماركس وإنجلز وبرجسون.. وغيرهم من أعلام دعوة الإلحاد.

والغريب في الأمر حقًّا هو وقوع الأستاذ العقاد -وهو من هو علمًا ورسوخًا وثباتًا- في مهاوي هذا التصور البادي سخفه لكل من كان له عقل أو ألقى السمع وهو شهيد.. وكذلك تصديق الدكتور مصطفى محمود لحكاية التطور كما يسميها بنفسه، أمر مستغرب ممن هو في مكانة الدكتور مصطفى محمود وسعة اطلاعه.. وخاصة بعد عودته إلى رحاب الإيمان بعد جولته الطويلة في فيافي الشك والحيرة.. والدكتور مصطفى محمود جدیر بأن يراجع ما يكتب، فإن لكتاباته تأثير عميق في آلاف الشباب.. ولقد استطاع الدكتور مصطفى محمود أن يجذب آلافًا منهم إلى رحاب الإيمان ويستنقذهم من بحور الحيرة ولجج الضلال..

فالله أسأل أن يوفقنا وإياه لما يحبه ويرضاه، وأن يغفر لنا وله الزلات والعثرات.. وأن يقينا وإياه الهفوات والكبوات.. إنه سميع مجيب.

الرابط المختصر :