العنوان وجهة نظر- لا تقدموا بين يدي الله ورسوله.
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الاثنين 01-يناير-1979
مشاهدات 70
نشر في العدد 426
نشر في الصفحة 34
الاثنين 01-يناير-1979
الإسلام دين الله العام الخالد، جاء لإصلاح الحياة وقيادة مسيرتها على طريق السداد والسلام ولم يكن معقولًا أن يظل العالم يكتنفه الظلام، وتعبث به الفوضی، أکثر مما وصلت إليه في تلك الفترة التي سبقت مبعث النبي الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- ونزول القرآن عليه، لقد كانت الإنسانية حائرة جائرة، في أشد الحاجة إلى رحمة الله، تنقذها من الضلال وتريحها من الكلال، وترد عليهـا إنسانيتها وكرامتها، ولم يطل انتظارها طويلًا بعد أن بلغت ما بلغت من الانحلال والضياع، فأنزل الله القرآن الكريم، يهدي للتي هي أقوم ويشفي العالم من الأمراض الخلقية والجرائم الخطيرة التي تحالفت عليه فهددت كيانه وزلزلت أرکانه:
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (الإسراء: 82).
والأحكام التي جاء بها القرآن الكريم، إنما هي لصالح البشرية، والحفاظ على كيانها وصيانتها من عوامل الفساد والتخريب. وقد أمر الله عباده أن يحتكموا إلى ما شرع الله لهم، وأن يتقبلوا أوامر الله ونواهيه بالطاعة والإذعان فالله تعالى هو الذي خلق الخلق وهو أعلم بما يصلحهم، فإذا رسم حدودًا فإنما هي تنظيم أوضاع الحياة والقضاء على الأخطار التي تهدد أمنها وسلامتها.
والإيمان يفرض على المؤمنين أن يقفوا عند حدود الله، ويتلقوا أوامره فيها بالحب والرضى والتسليم ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65). كما أن الإيمان ينهى المؤمنين أن يقترحوا على الله ورسوله اقتراحًا، أو يأخذوا رأيًا، ويدبروا حوارًا، في أمر أصدره الله لعباده وقضى فيه قضاءه يقول تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الحجرات: 1). ويقول سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: 36).
فشريعة الله حاكمة لا محكومة، وهي واجبة التطبيق في كل زمان ومكان. وما جاءت به تلك الشريعة من حدود زاجرة، ليست سيفًا مسلطًا على الرقاب، وليست ظلمًا يلقيه الله على عباده، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ولكنها في حقيقتها رحمة بهم، وحفاظ على دمائهم وأموالهم وأعراضهم:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 179)
ومما يؤسف له أشد الأسف أن نرى بعض الصحف تطلع علينا بموقف له خطره الشديد، وبآراء لبعض الكتاب يطعنون فيها على حدود الله، كحد قطع يد السارق، وجلد الزاني، ويقول أحدهم في جرأة على الله وتحامل آثم على شرعه، ومصادمة لأمره سبحانه:
«لا لعقوبة قطع اليد.. لا للجلد.. ولا وألف لا للإرهاب الفكري الذي يريدون فرضه علينا.. نحن نرى السرقة جريمة، ولكن هل تستوي العقوبة مع الجريمة؟ أم إنها تفوقها إلى حد الوأد الاجتماعي والنفسي والاقتصادي.. إن الإنسان الذي تقطع يده سوف يصبح منبوذًا في أسرته وفي حيه، وسوف تلاحقه اللعنة حيثما ذهب، وسترفض الاقتران به إنسانة أخری، ما لم تكن هي أيضًا مقطوعة اليد مثله! وإن كان متزوجًا فما هو موقف زوجته وأولاده، منه؟ ثم كيف لو ثبتت براءة هذا الإنسان بعد أن قطعت يده؟ فكيف نعيد إليه يده وكرامته»؟!
ثم يقول كاتب آخر: «نحن لسنا ضد القانون، ولكننا ضد القواعد والنصوص التي من شأنها إعادتنا إلى عصور الجاهلية الأولى: إن مصادر التشريع كثيرة وفي الوسع العودة إليها واستخلاص المناسب منها، لمعطيات العصر الذي نعيشه».
ونحن نتساءل والعجب يأخذ منا مأخذه، والألم يعتصر قلوبنا:
«هل ما فرض الله من حدود، وما بيَّنه من أحكام وشرائع. عودة إلى عصور الجاهلية الأولى؟ ما للإسلام والجاهلية؟ وهو الذي قضى على فسادها، واكتسح ركامها، وأزال رجسها وعنفها، وخلص البشرية من أرجاسها؟ هل يقول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة: 38) ثم نقول نحن: لا قطع؟؟
هل يقول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (النور: 2) ونقول نحن: لا جلد؟ نقولها لمن؟ لله رب الناس، ملك الناس، ولا يستطيع أحد أن يقولها لرئيس أصدر إليه أمرًا، وهو مخلوق ضعيف مثله، بل لا يستطيع كثير من الناس أن يقول لا لامرأته حين تصدر إليه أمرًا لا مناص من تنفيذه:
إذا كان السارق أو الزانى لم يراع هو كرامته، ولم يحسب حساب العار الذي يلحق به وبأولاده وأسرته. ويجعله منبوذًا إلى الأبد. فكيف نرعى نحن كرامته، وقد أهدر كرامة المجتمع الذي يعيش فيه؟
لقد حدث مثل هذا الموقف في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد سرقت امرأة من قبيلة بني مخزوم، من أشرف قبائل العرب، وإليها ينتمي خالد بن الوليد رضي الله عنه، فهال الناس أن تقطع يدها فيعير بذلك قومها، فأرسلوا إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أسامة بن زيد ليشفع لهذه المرأة مراعاة لمكانة أهلها فغضب الرسول الكريم أشد الغضب، وقال لأسامة: «أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟ إنما أهلك من كان قبلكم إنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» ولم يخش الرسول أن يلحقه العار حين يقطع يد ابنته.
إن الإسلام لا يأخذ بالشبهة. ولا بالشائعات، ولا بالظن ولكنه يشترط لتنفيذ الحدود شروطًا قاسية، وضمانات صعبة، ومن المقرر في الإسلام: «ادرءوا الحدود بالشبهات» فلا قطع ولا جلد حتى تثبت الجريمة عن يقين لا يرقى إليه شك، وقد أوقف عمر رضي الله عنه تطبيق حد السرقة في عام المجاعة، ولم يقطع عثمان رضي عنه يد من سرق من بيت المال، وقال: إن له فيه سهمًا ولا يقطع العبد إذا سرق من مال سيده، ولا الأب من مال ابنه، ولا الشريك من شريكه، ولا للدائن من مدينه لوجود الشبهة.
وهذه العقوبات التي شرعها الإسلام تعتبر بحق رادعة زاجرة، تقتلع الشر من جذوره، وتقضي على الجريمة في مهدها، وتجعل الناس في أمن وطمأنينة واستقرار. صحيح أنها قاسية على من تنفذ عليه. ولكن:
والشر إن تلقه بالخير ضقت به
ذرعًا وإن تلقه بالشر ينحسم
والعضو في الجسم إذا دب إليه العفن والفساد، وجب بتره. وإلا سرى السم إلى الجسم كله، ولكن إذا قطع هذا العضو، عادت إلى الجسم صحته وعافيته.
ولكن من لا يفهمون حكمة التشريع الإسلامي، يستعظمون قتل القائل، وقطع يد السارق، وجلد الزاني ويزعمون أن هؤلاء المجرمين ينبغي أن يحظوا بعطف المجتمع، لأنهم مرضى بمرض نفساني. وأن هذه العقوبات الصارمة لا تليق بمجتمع متحضر يعيش في العصر الحديث، إنهم يرحمون المجرم من المجتمع، ولا يرحمون المجتمع من المجرم الذي سلب الناس أمنهم كما سلب الناس أموالهم وأعراضهم، وكان أثر هذه النظريات الخاطئة التي لا تستند إلى عقل ولا منطق، إن شاع التحلل والفجور وعم طوفانه العالم، وأصبح المولود في البلاد الغربية لا يعرف من أبوه، وأصبح في كثير من البلاد «عصابات» للقتل وسفك الدماء وسلب الأموال، فاضطرب حبل الأمن وشاع الفساد.
إن يدًا واحدة تقطع كفيلة بردع المجرمين، والمملكة العربية السعودية -حماها الله- خير دليل على ما نقول، فقد كانت قوافل الحجاج قبل تنفيذ حكم الله بقطع يد السارق، تتعرض في جوف الصحراء لغارات النهب والسلب وقطاع الطريق. وكان الحجاج يحملون معهم السلاح استعدادًا لخوض المعركة مع اللصوص، وكانوا يحملون معهم أكفانهم استعدادًا للموت في هذه الحرب الدائرة في حرم الله! ولكن الآن وبعد قطع أيادي معدودة، استتب الأمن بصورة تدعو إلى الفخر والإعجاب.
هذا تشريع الحكيم العليم الذي صان به النفوس، والأموال، والأرواح. فالخروج عليه، خروج على الله وافتئات على حكم ارتضاه لعباده. لإصلاح شأنهم.
وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (الأعراف: 175- 176).
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ (الأحزاب: 4).