العنوان تركيا ومحاولات السيادة على المنطقة
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1993
مشاهدات 57
نشر في العدد 1037
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 09-فبراير-1993
تركيا وروسيا والنظام العالمي بعد
انهيار الشيوعية
بقلم: هيلان كارير دونكوس- من الأكاديمية الفرنسية ترجمة وإعداد: محمد
الغمقي عن لوفيجارو
فراغ دولي واختلال في أوروبا
لم تترك الشيوعية المنهارة المكان سوى للصراعات الدموية، فمن اشتعال
القوقاز إلى الحدود الرومانية ومن يوغوسلافيا سابقًا يبقى في الذهن أن اختفاء
القوة السوفياتية أحدث فراغًا دوليًا واختلالًا في العلاقات بين الدول وبين الشعوب
يهددان الأرواح البشرية بخطورة بالغة بل السلام في أوروبا القائم منذ 1945.
بيد أن هذه السنة المفتتحة لا تتسم فحسب بعالم في حالة من التفكك، فقد
بدأت تظهر أطراف جديدة وأقطاب تنظيم دولي يمكنها أن تلعب دورًا حاسمًا في إطار
الفوضى السائدة. وتستحق كل من تركيا وآسيا الوسطى والبحر الأسود اهتمامًا خاصًا
لما تم إنجازه ولما يلوح في الأفق.
صراع القوى القديم والجديد
فعلى مدى قرون عديدة تصارعت حول آسيا الوسطى والبحر الأسود قوتان
كبيرتان: الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية الروسية، بحثًا عن التأثير
والإشراف على المنطقة، واليوم ضعفت روسيا بخسارة إمبراطوريتها ووجدت نفسها مرة
أخرى وجهًا لوجه مع تركيا بعد أن أزيحت عن البحر الأسود.
أما «تركيا» فلم تعد بالتأكيد الإمبراطورية القومية كما كانت في
الماضي، وتشهد نموًا مضطردًا وسريعًا كما تدل عليه التطورات السياسية في الاتجاه
الديمقراطي وكذلك التطورات الاقتصادية. ومنذ سنوات، تحلم تركيا بالانضمام إلى
مجموعة أوروبية فتحت أبوابها إلى منافس تاريخي كبير ألا وهو اليونان، كما أن تركيا
- المحتقرة من قبل أوروبا - في الطريق لأن تصبح قوة إقليمية كبرى بتطوير عملها في
اتجاهين اثنين: آسيا الوسطى والبحر الأسود.
تأثير تركيا في آسيا الوسطى
فقد جلبت أوروبا الوسطى – السوفياتية - سابقًا وذات أغلبية سكانية
تركية الأصل وسنية - انتباه تركيا في نفس الوقت الذي كان الاتحاد السوفيتي في
الطريق إلى الانهيار، والمسؤولون الأتراك يتذكرون كيف أن بلادهم استهوت الدول
الآسيوية الوسطى في بداية هذا القرن، حيث مثلت تركيا رمز المصالحة بين المعاصرة
(الحداثة) والاستقلال الوطني، لكل البلدان الإسلامية سواء في عهد حركة الشباب
التركي أو بعد عام 1918 من خلال الإرادة التغريبية لـــمصطفى كمال.
وفجر 1993، تعد تركيا بالنسبة لكل دول آسيا الوسطى - عدا كازاخستان
المتحفظة إزاءها - بمثابة الدولة الشقيقة النموذجية وصاحبة المساعدة والنصائح
الثمينة والكفيلة أيضًا بكبح جماح المحاولات التوسعية لإيران في المنطقة.
والولايات المتحدة المشغولة هي الأخرى بقطع الطريق أمام التقدم
الإيراني، تشجع إلى حد كبير التأثير التركي في آسيا الوسطى.
ولا شك أن تركيا تقدر التبعات الضخمة للتأثير الحقيقي هناك، فتنمية
المنطقة تتطلب استثمارات ضخمة، كما أن عدم الاستقرار السياسي وتعدد الصراعات
العرقية والحدودية التي خلفها النظام السوفياتي تجعل كل مجهود للمساعدة قابلًا
للفشل في الوقت الحاضر، ولكن رغم حذرها الشديد في هذا المجال، فإن تركيا لا تخفي
رغبتها في لعب دور على أنقاض الإمبراطورية السوفياتية، الشيء الذي تغض روسيا عنه
الطرف، لأنها قلقة بدورها من المرامي الإيرانية.
البحر الأسود كمنطقة تعاون اقتصادي
ويعتبر البحر الأسود - المحور الآخر في العمل التركي - في مطلع
اهتمامات أنقرة حاليًا من أجل فرض نفسها في عالم الغد، ففي كانون الأول (ديسمبر)
1990، قبل سنة من نهاية الإمبراطورية السوفياتية، تم إنشاء منطقة تعاون اقتصادي
للبحر الأسود في أنقرة بمبادرة تركية، وفي 10 كانون الأول (ديسمبر) 1992، بعد سنة
من نهاية الإمبراطورية السوفياتية، عقدت ندوة وزراء خارجية هذه المجموعة الناشئة في
أنطاليا.
ويكاد أنه تم عالميًا تجاهل هذه الندوة المنعقدة في «مركز اصطيافي»
على ضفاف المتوسط والغنية جدًا بآثار الماضي ذي الطابع المسيحي. ولكن كم من آفاق
تم تحديدها خلال هذه الندوة.
فهي تعطي بدرجة أولى واقعًا لمجموعة جغرافية سياسية لم تكن من قبل موجودة،
وهي مجموعة الدول المطلة على البحر الأسود. لكن مفهوم الدول المطلة أخذ محتوى أوسع
في أنطاليا لأنه من ضمن الدول الإحدى عشرة المشاركة في الندوة: «ألبانيا - أرمينيا
- أذربيجان – بلغاريا - جورجيا - اليونان - ملدافيا – رومانيا - روسيا - تركيا –
أوكرانيا» أربع منها (الثلاث الأوائل وملدافيا) ليس لها سواحل على البحر الأسود،
فحضورها لا يقوم سوى على الإرادة الحسنة للدول المطلة على البحر الأسود عمليًا.
الحلف مع روسيا وبناء نظام متعدد
القطبية
والسمة الثانية - التي لا تقل أهمية - لهذه الندوة، تعايش دول في حرب
أو في صراع مفتوح، فكل من الأرمن والأذربيجان والرومانيين والملداف والروس
والأوكرانيين قد دفنوا لحين الأحقاد وسلاح الحرب للاهتمام بمجرد السبيل للعمل
جماعيًا حول بحر من المفروض أن يمثل السلام للجميع. وأكثر من ذلك فإن الدول
المستعدة للانضمام إلى الأتون البلقاني عند مهاجمة صربيا لكل من كوسوفو ومقدونيا -
وهي ألبانيا وبلغاريا واليونان - قد وجدت في أنطاليا الإطار الذي يمكن أن تعبر من
خلاله عن وجهات نظرها.
وقد أحسنت تركيا لعب دور المدافع عن إقامة هياكل جديدة للحوار فرضها
شلل المجموعة الدولية أمام سياسة الصرب ولم يذهب نداء تركيا أدراج الرياح، وخير
شاهد على ذلك الاتفاق على أن يستضيف هذا البلد الأمانة الدائمة لمجموعة البحر
الأسود، لكن ما يجب أن يشد الاهتمام بالخصوص العلاقات الجديدة بين أنقرة وموسكو.
- فقد
تم عمليًا إقصاء موسكو من البحر الأسود بعد انفصال روسيا عن أوكرانيا، وفقدان
القرم وكراهية أوكرانيا إزاء روسيا. وقد خسرت هذه الأخيرة موانيها الكبرى على
البحر الأسود وليس لها في الوقت الحاضر الإمكانيات لتشغيل «نوفوروسيسك»
الميناء الوحيد الذي يبقى لها هناك، ومنافستها الدائمة، تركيا، هي التي قررت
إشراكها في هذا المشروع والعمل على مشاركتها كقوة كبرى في الإشراف على البحر
الأسود، وتهدف تركيا من وراء ذلك إلى تجنب الأخطار المتعلقة بالدور الإقليمي
الذي تنوي القيام به، مثل: إزاحة الشكوك الروسية أمام تصاعد قوتها والحفاظ
على إمكانية التحرك بأكثر فاعلية في آسيا الوسطى عندما تتوفر لديها الإمكانية
والرغبة وتجنب اتساع النزاع الروسي - الأوكراني إلى كل المنطقة على وجه
الخصوص.
- وبفضل
الجهد التركي، تحتل روسيا من جديد موقعًا شرعيًا، بل أفضل من ذلك تسترجع
مسحًا من التأثير الدولي فقدته في كل مكان في الخارج. وفي أنطاليا، عملت
تركيا - على كل الأصعدة - على طي صفحة عالم 1945 ومقابلة تنظيم صراع الشرق مع
الغرب (الذي تسبب انحلاله في حالة عدم استقرار) بعناصر أولية في مجتمع متعدد
القطبية حيث يمكن للدول المتوسطة أن تلعب بدورها دور الوساطة وزعامة تقسيمات
دولية جديدة.
اقرأ أيضا