; لست أدري ولماذا لست أدري؟ | مجلة المجتمع

العنوان لست أدري ولماذا لست أدري؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يوليو-1992

مشاهدات 59

نشر في العدد 1007

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 14-يوليو-1992

يفترض بداهة أن الإنسان يبدأ بالتعرف على معاني المصطلحات والمسميات من صغره فور قدرته على الكلام والاستيعاب إلى أن يشب عن الطوق ويبلغ الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمره، عندها يكون قد استكمل معرفة هياكل ومعاني معظم المصطلحات خاصة تلك التي لها علاقة بحياته وسلوكه واستقامته ومواكبته للحياة المستقرة، ويكون ذلك بواسطة أسرته ومعلميه وأمته، فتكتمل بذلك أهليته للحياة، وعندها يكلفه الله ويكون بذلك مسؤولًا عما اقترفت يداه لأنه أصبح يستطيع أن يضبط تصرفه ويحكم على الصواب والخطأ بعقله ثم بمنهجه الذي بين يديه. 

ولكن الملاحظ والمعلوم أن الإنسان العربي إلى اليوم مازال لا يستطيع أن يتعرف على تلك المصطلحات أو يستوعب تلك الهياكل ويفهم معانيها.. فإذا سألته مثلًا عن الفساد قد يشير إلى الصلاح، فيحكم على المصلحين بالفساد وعلى المفسدين بالصلاح، وإذا توجهت إليه بالسؤال عن جملة من المصطلحات الاجتماعية والسلوكية التي يعايشها ويواكبها قد تكون الإجابة بـ«لست أدري»، وسواء طرحت هذا السؤال نفسه على المثقف الهُمام الذي يملك زمام التوجيه، أو على «المبهدل الغلبان» الذي يقع عليه ركام التشويه، تجد الإجابة واحدة، وهذا يتطلب استدعاء من طبقة الرواد لكل ما يسمى بعقل أو جهد أو قاموس حتى يلقنوا الأمة كثيرًا من معاني المصطلحات التي تحتاج إليها في حياتها المعيشة وليس هذا في الحقيقة أمرا سهلًا، لأنه يكتنفه عدة من المشاكل.

أولها: لأن معظم المثقفين- كما يقال- في عالمنا الإسلامي والعربي اليوم أصبحوا أسرى المصطلحات والأفكار الأوروبية بشكل عام ينطلقون منها، ويفكرون من خلالها مادية كانت أم شهوانية ومصلحية.

ومن الصعوبة البالغة التحرر منها لأنها صورة من صور الاحتواء الثقافي نتيجة الإصابة بمرض النقص، فهي بهذا لا تستطيع فهم المصطلح التابع من شخيصتها هي وعقيدتها هي وذاتيتها هي.

ثانيًا: ضغوط الإرهاب والإكراه السائدة على الساحة والتي خاطبت في كثير من الأحيان العقل الظاهر والباطن، والمطالب العليا والسفلى، في الإنسان وقهرت آماله أو دجنتها أو حولتها قذرة متدنية، فقلَّت بذلك الموهبة ودنست الطبيعة والفطرة وشوهت المصطلح، فأصبح الإنسان غير قادر على مقاومة كل ذلك الركام الهائل وضاع منه الطريق.

ثالثًا: أصبح للتشويش رجال والتشويه وسائل كثيرة ومتعددة، مقروءة ومسموعة ومرئية ومنغمة، ووراء كل ذلك كتائب وعقول وطاقات مدربة ومبرمجة وموجهة ومزوَّدة بإمكانات رهيبة تطلق القذائف ليلًا ونهارًا صباحًا ومساءً فتحيط بالإنسان إحاطة السوار بالمعصم وتلفه كالهواء وتسقى له كالماء حتى استطاعت وفي أحيان كثيرة تسطيح عقول الكثير وقهر عقول الكثير وإلغاء عقول الكثير. 

ورغم ذلك كله وأشياء كثيرة، فلنحاول تفسير بعض المصطلحات، وحاول معي- يرحمك الله- لعل وعسى، ولنبدأ على بركة الله هذا التعريف، ولتنظر معي كيف أنها صعبة الانتقاء والاقتناع!

تعريف التقدم

هل هو القدرة على تصدُّر ركب الحضارة الإنسانية خلقيًّا واجتماعيًّا، وتكنولوجيًّا، أم هو الملبس الحسن والمركب الفَارِهُ، والتكشف الفاضح، والتسيب المقيت والتشبه بالآخرين.

تعريف الديمقراطية

هل هي حكم الشعب واختيار الأفضل، وفصل السلطات صيانة للحرية ومنعًا للاستبداد، حرية التنقل والسكن والرأي والدين والتملك والاقتصاد والصحافة، أم هي: حكم العسكر والبلطجية والتحدث باسم الشعب المهضوم، وإلغاء شخصيته، وصناعة مجالس أمة من المرتزقة والمتسولين تسمَّي نوابا تصفق باسم الشعب لقتله ونهيه وإباحته. 

ومصطلحات كثيرة تحتاج إلى تعريف مثل الفكر والمفكر والمتسول، والمرتزق، ومثل الأصالة والانحراف، ومثل الفن والعهر والزندقة، ومثل المنافق، والعميل، ومثل الحق، والباطل... وغير ذلك الألوف من المصطلحات التي كان يجب أن يعلمها على حقيقتها الإنسان العربي حتى يستأنف حياته، ولكنه ليس يدري، ولماذا ليس يدري، وهل هو على هذا كامل الأهلية، أم ناقصها، أم فاقدها لست أدري.. فهل تدري؟!

الرابط المختصر :