; كيف يصوم المسلمون في بلاد لا تغيب عنها الشمس إلا قليلاً | مجلة المجتمع

العنوان كيف يصوم المسلمون في بلاد لا تغيب عنها الشمس إلا قليلاً

الكاتب جمال خطاب

تاريخ النشر الجمعة 01-يونيو-2018

مشاهدات 120

نشر في العدد 2120

نشر في الصفحة 30

الجمعة 01-يونيو-2018

وداعاً رمضان.. مرحبا بالعيد

كيف يصوم المسلمون في بلاد

لا تغيب عنها الشمس إلا قليلاً

المسلمون بأيسلندا يصومون لمدة تصل إلى 21 ساعة و51 دقيقة هذا العام

الباحثون يقدمون حلولاً للصائمين في أقصى الشمال حيث تغيب الشمس للحظات فقط

التقويم القمري (الهجري) الإسلامي يعني أن تاريخ بداية رمضان يتقدم للأمام بمعدل أقل من أسبوعين كل عام مقابل التقويم الميلادي، في البلدان القريبة من أو على خط الاستواء، مثل المملكة العربية السعودية وسنغافورة وإندونيسيا، ولا يحدث هذا التغيير سوى اختلاف بسيط في ساعات النهار الحرجة لمراقبة الصوم.

لكن بالنسبة لأولئك الذين يصومون في معظم بلدان شمال الكوكب بالقرب من الدائرة القطبية الشمالية، فإن القضية أكثر إلحاحاً في أشهر الصيف.

أيسلندا

في أيسلندا، تغرب الشمس عند منتصف الليل وتعود بعد ساعتين خلال ذروة الصيف، ويمكن للمسلمين الأيسلنديين الصيام لمدة 21 ساعة و51 دقيقة هذا العام، مع وجود الشمس في الساعة 11:57 مساءً في الليلة الأخيرة من شهر رمضان في 14 يونيو 2018م.

ويمكن للمسلمين الذين يعيشون في بلدان لا تغيب فيها الشمس -أو حيث تغيب فقط للحظات- أن يتبعوا أحد الحلول الثلاثة التي يقدمها بعض العلماء والمنظمات الإسلامية.

يمكن أن يفطروا باستخدام وقت غروب الشمس في أقرب بلد لا يكون قريباً من ضوء النهار المستمر، أو أقرب بلد مسلم، أو يلاحظ وقت المملكة العربية السعودية، خلاف ذلك يمكنهم الالتزام بمراقبة الأوقات المحلية.

كريم عسكري، المدير التنفيذي للمؤسسة الإسلامية في أيسلندا، هو الذي يفرض مرسوماً في رمضان، حيث قال العسكري لشبكة «سي.إن.بي.سي» التلفزيونية: سأذهب بالتوقيت المحلي في ريكيافيك، الصيام لمدة 21 ساعة دون تناول الطعام هو وقت طويل، ولكن بإذن الله، فإن غالبية المسلمين هنا في ريكيافيك يقومون بذلك أيضاً.

وقد وافق اثنان من المساجد في عاصمة أيسلندا على اتباع أوقات الفجر والغسق المحلية لتقرير متى يجب أن يفطروا، واختارت مساجد ومنظمات أخرى أن تتبع أوقات الدول الأوروبية الأخرى، وقال العسكري: إن أحد المساجد في ريكيافيك يتابع أوقات مدينة في فرنسا.

وأضاف العسكري: يمكنهم اختيار ما يريدون، لدينا مساحة في علاقاتنا الاجتماعية هنا، بعض الناس لا يستطيعون قبول أنهم سيأكلون عندما تشرق الشمس، حتى لو كان ذلك قرب منتصف الليل، لأنهم معتادون على الانتظار في بلدهم الأصلي؛ لذلك سيصومون حسب التوقيت المحلي، ويمكن للآخرين أن يقبلوا تناول الطعام حتى عندما تكون الشمس جزئية.

ويبدو أن الصيام في الظروف القاسية للبعض نعمة، ويصر هؤلاء على أن الصيام في البرد أسهل منه في آسيا والشرق الأوسط؛ حيث يمكن أن ترتفع درجات الحرارة خلال النهار.

من الصعب الصيام في الحرارة، يمكن أن ينتهي الأمر بالشعور بالغضب دون تناول الطعام أو الشرب، وبغض النظر عن الحكم الذي يختارونه، فإن سكان ريكيافيك الذين يبلغ عددهم 2500 شخص في أيسلندا يتمتعون بحرية اختيار الصوم الذي يناسبهم.

النرويج

وفي مكان أبعد قليلاً في خط العرض، يمكن للمسلمين النرويجيين الذين يعيشون في شمال البلاد أن يتوقعوا الصيام لمدة تصل إلى 20 ساعة و20 دقيقة هذا العام، في حين أن في أوسلو سوف يصومون ما بين 18 و19 ساعة.

ففي أوسلو، تشعر الممثلة إيمان مسكيني أن التحدي الأكبر ليس في الساعات الطويلة، بل صيام شهر رمضان في مجتمع يتطلب إنتاجية عالية ثابتة وقد لا يستطيع الشخص إبطاء وتيرة الحياة.

وقالت مسكيني لمحطة «سي.إن.بي.سي»: التحدي في رمضان بالنرويج هو الصيام في مجتمع غير إسلامي، تستمر الحياة اليومية كالمعتاد، ويتوقع المجتمع منك أداءً -المدرسة، والوظيفة، والامتحانات وغيرها- على نفس المستوى في بقية العام.

وتقدر إحصاءات النرويج أن 200 ألف مسلم يعيشون حالياً في البلاد، وهي مجموعة متنوعة تتألف من النرويجيين الأصليين إلى جانب المهاجرين من باكستان والعراق والمغرب وتركيا، وهم يفطرون كلهم بنفس الطريقة التقليدية، مع حفنة من التمور وكوب من الماء وهذا هو الجمال في الإسلام.

وقال العسكري: هناك مرونة للمسلمين، كل شخص يفعل ما يريد، يمكننا فقط أن نقدم ما نشعر به في قلوبنا، المسلمون يتمتعون بهذه المرونة في داخلهم أينما كانوا.>

من معاني العيد

في فكر الإمام

محمد البشير الإبراهيمي

د. إبراهيم نويري

يُعدُّ الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، يرحمه الله تعالى، من أبرز أدباء الجزائر وعلمائها وخطبائها ومصلحيها الأفاضل، ولد عام 1889م، وتوفي عام 1965م، سخّر حياته كلها للنضال من أجل تحرير وطنه من أغلال الاستعمار الفرنسي البغيض، وجاهد بقلمه مع رفيق دربه الشيخ الإمام عبدالحميد بن باديس وإخوانه، ضمن إطار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ترك العديد من الآثار العلمية والقصائد القوية والمقالات الرصينة، أشهرها مقالات «عيون البصائر» التي كان ينشرها أسبوعياً في صحيفة «البصائر».

ولعلّ قراء العربية الذين أُتيح لهم الاطلاع على كتابات ومقالات الشيخ الإبراهيمي، لاحظوا قوّة لغته وتميّز ديباجة أسلوبه، حتى لكأننا بإزاء أساليب الجاحظ، وأبي حيان التوحيدي، وعبدالحميد الكاتب، وابن العميد، وغيرهم من المترسلين في مجال النثر الفني البديع ذي السبك اللغوي والأدبي المشرق الرصين.

وقد ألفيتُ الشيخ الإبراهيمي يتحدّث عن العيد، فيعدّد لنا معانيه ويُجلّي لنا أبعاده المختلفة بأسلوب مترع بجماليات الصنعة الأدبية، فيقول: «العيد في معناه الديني كلمةُ شكرٍ على تمام العبادة، لا يقولها المؤمن بلسانه، ولكنها تعتلج في سرائره رضاً واطمئناناً، وتنبلج في علانيته فرحاً وابتهاجاً، وتُسفرُ بين نفوس المؤمنين بالبشاشة والطلاقة والأُنس، وتمسحُ ما بين الفقراء والأغنياء من جفوة» (البصائر، ج 2، ص 543).

ويستتلي الإمام الإبراهيمي في السياق ذاته، فيكشف عن رؤى ومرئيات كثيرة متداخلة تسكن النفس البشرية، وتثوي في أخاديد الفؤاد، ولكنها تظهر في تيار الشعور المتدفّق بحبور العيد والانتعاش بمذاقاته ومعانيه في أبعادها النفسية والزمنية والاجتماعية ونحوها، حيث يقول: «العيد في معناه النفسي حدٌّ فاصلٌ بين تقييدٍ تخضع له النفس وتسكن إليه الجوارح، وبين انطلاق تنفتح له اللّهوات وتتنبّه له الشّهوات.. والعيد في معناه الزمني قطعة من الزمن خُصّصت لنسيان الهموم واطّراح الكُلَفِ، واستجمام القوى الجاهدة في الحياة.. والعيد في معناه الاجتماعي يومُ الأطفالِ يفيضُ عليهم الفرحَ والمرَحَ، ويومُ الفقراء يلقاهم باليسر والسعة، ويومُ الأرحام يجمعها على الصلة والبر، ويومُ المسلمين يجمعهم على التسامح والتزاور» (البصائر، ج 2، ص 543).

بيد أنّ إقرار تلك المعاني العظيمة وإتاحة الإمكانات المشروعة للتعبير عنها ضمن الضوابط الشرعية المقرّرة والتقاليد الاجتماعية المرعية، لم تُنسِ الشيخ الإبراهيمي الواقع والمتغيّرات التي طرأت على حياة المسلمين، وأثّرت فيها سلباً مع كلّ أسف، حيث ضعُفت منازع التضامن والوحدة والتقارب بين المسلمين، وتراجعت العديد من وشائج القربى التي يدعو إليها ديننا، مما جعل تيار الشعور الإسلامي يستبطن الكثير من الآلام والشجون والأحزان، وقد صوّر الإبراهيمي جانباً من هذه المشاعر والأحاسيس فقال: «يا عيد كنا نلتقي فيك على عزّة تمكنتْ أسبابُها، وعلى حياة تجمعُ الشرفَ والتّرَفَ، وتأخذُ من كلّ طريفةٍ بطَرَفٍ، وعلى جدّ لا ينزلُ الهزلُ بساحته، واطمئنان لا يُلم النّصَب براحته، فأصبحنا نلتقي فيك على الآلام والشُّجون.. يا عيد إنْ لقيناك اليوم بالاكتئاب، فتلك نتيجة الاكتساب؛ ولا والله ما كانت الأزمنةُ ولا الأمكنةُ يوماً جمالاً لأهلها، ولكنّ أهلَها هم الذين يجمّلونها ويكمّلونها» (البصائر، ج 2، ص 544).

ثم يُطلق الإمام الإبراهيمي زفراتٍ حرّى مُعتّقة بجرعاتٍ كبيرة من الحزن والألم والكرب على ما آل إليه وضع الأمة الإسلامية والعالم الإسلامي على كافة الأصعدة، وخاصة الوضع السياسي، ولعلّ مَنْ يتأمل كلمات هذا الإمام الأديب يُخيّل إليه كأنه ما يزال يعيش بين ظهرانينا، مما يدلُّ على أن واقع الأمة لم يتغيّر إلاّ من بعض المناحي الشكلية، بل هو -مع كل أسف- يسير من سيئ لأسوأ، وخير دليل على ذلك ما يجري هذه الأيام من صراعات وفتن ومنابزات بين بعض الدول لا تخدم سوى أعداء أمتنا، وفي هذا السياق الحزين يصوّر الشيخ الإبراهيمي جانباً من مشاعره الكئيبة إزاء واقع الأمة المستعصي عن العلاج منذ عقود طويلة فيقول: «والحقيقة هي أنني كلما أظلّني عيدٌ من أعيادنا أظلّتني معه سحابةٌ من الحزن لحال قومي، وما هم عليه من التخاذل والانحلال والبعد عن الصالحات والقرب من الموبقات، واحتدَمتْ جوانبي من التفكير فيما هم فيه من سَدَرٍ (أي: تيه وغيّ وغيبوبة)، لا يملكون منه الوِردَ ولا الصّدرَ، وذكرتُ كيف يعيشون على الخيال المُفضي إلى الخبال.. وكيف استخفّهم علماؤهم وزعماؤهم وكبراؤهم وملوكهم فأطاعوهم في معصية الله، وقادوهم إلى النار فانقادوا بشعرة، وكيف يَلقون أعيادهم التي هي موقظات عزائمهم بهذه التقاليد الزائفة والعادات السخيفة التي تطمس معالمها وتشوّهُ جمالها، فأجدُني بذلك كلّه كأنني من قومي أعرابيٌّ بين أنباط، أفهمُ من لفظ العيد غيرَ ما يفهمون» (البصائر، ج 2، ص 546).

هذه شذراتٌ سريعة وخواطر بديعة من عبارات الأديب الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، رحمه الله، في حديثه عن العيد، وتصويره لمختلف المنازع والأحاسيس والرؤى التي تنسكب في نفس وروح الإنسان المسلم في مناسبة العيد.

واللهَ تعالى نسأل أن يجعل أيام المسلمين أعياداً تطفح بالوحدة والأُخوة والتماسك والتضامن والتقارب، وأن يُبعد عن هذه الأمة أسباب الفتنة والاختلاف والوهن، إنه سبحانه وليُّ ذلك والقادر عليه.

الرابط المختصر :