العنوان قصة قصيرة: المذبحة
الكاتب عصام محمود قضمانى
تاريخ النشر الثلاثاء 17-مارس-1981
مشاهدات 78
نشر في العدد 520
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 17-مارس-1981
ينسحب الليل جارًا أطرافه خلفه، ويتسلل الفجر مرسلًا أنواره أمامه، وتتضح معالم الشمس في السماء، فتبدأ بإرسال أشعتها، فتستيقظ الزهور من نومها على طنين النحل، يجري هنا وهناك، ولم تكد أشعة الشمس تلامس الأرض حتى أفاقت العصافير من سباتها الهادئ، فتحلق في السماء وعلى الأغصان، تطرق عليها أبوابها، تتسلل بعض أشعة الشمس من خلال ثقب صغير في جدار منزل قديم حتى تصيب وجهًا أبيض ناصعًا، تكاثف عليه الشعر من أسفله، فتنعكس هذه الأنوار لتنتشر في زوايا الغرفة الصغيرة فتضيؤها، عيون تسابق الزهور في تفتحها، ينهض الشاب الوسيم، ليفتح النافذة الصغيرة المتركزة أعلى الجدار فتعبر نسيمات تلفح الوجه، فتتم إشراقه، ثم تنسحب عبر ثقوب صغيرة في الجدار المقابل.
- الحمد الله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور.
صوت عذب رقيق يضفي على الجمال برنينه صدى يتردد ويظل يتردد إلى أن يشاء الله، ولم تكد السكينة تخيم حتى أذهبتها طرقات أقدام، تطرد الهدوء، وأيدٍ قاسية شديدة تطرق الباب، باب المنزل الصغير فيهتز:
- من، الطارق؟!
- افتح الباب، لدينا أمر بالتفتيش
- حسنًا، ولكن لماذا...؟
- افتح ونخبرك...!
ويفتح الباب بهدوء وثقة، وأمان.
الأيادي الغليظة التي أقلقت الباب، تمسك باليدين الرقيقتين اللتين كثيرًا ما ضمتا كتاب الله، وبعدما هدأت العاصفة الهمجية، تلفت الشاب، وكأنه استيقظ من نوم عميق، والقيود تكبلان يديه.
- ما هذا...؟ ماذا يجري...؟
- ألست أنت أيمن...؟ يقول أحدهم.
تأمل أيمن الرجال داخل البيت وهم يعبثون بالدواليب، فأحس برهبة تخطف قلبه، وأخذ يحدث نفسه.
- لا بد أن هؤلاء هم الرجال الذين حذرني منهم ياسر، أشرار عيونهم جاحظة، نظراتهم تحمل الحقد المملوء بالشرر المتوهج الذي يحرق القلب، أصحاب السجون والسياط...
- ما هذا؟
زمجرة تقتحم أطراف الغرفة فتطرد الهدوء.
- هذا... هذا قرآن...
- قرآن! لماذا تحتفظ به...؟
- إنني أذكر الله فيه...!
- تذكر الله... أم تشتمنا به...؟
هيا خذوه...
وأخذوه يضربونه ويشتمونه، ويجلدونه، ويتردد في الأفق وتتناقل السماء الخبر، وتحكي العصافير للشجر، ويهمس النحل في آذان الزهر، أخي أخذوك على إثرنا،
وفوج على إثر فوج جديد.
مبنى ضخم، ضيق النوافذ، يدخلون به من غرفة إلى أخرى، إلى أن وقفوا أمام غرفة بابها كبير، يطرق الضابط الباب فيؤذن له، فيدخل دافعًا أيمن أمامه.
- انتهى الأمر، سيدي.
- ولكن سيدي، ألا تخاف منه؟
- انصرف... أقول لك.
خرج الضابط، تاركًا أيمن مع الرجل الضخم، الذي يحمل بيده سوطًا بللت أطرافه بالزيت.
- حسنًا يا أيمن، أين أخفيت المنشورات؟
- أية منشورات؟
- المنشورات، أقصد الأوراق التي أعطاك إياها ياسر.
- ياسر لم يعطني شيئًا! سوى!
- سوى ماذا؟ تكلم، تكلم.
- سوى كتاب الحديث.
- أوه، يبدو أنك لن تتجاوب معي، اعترف أحسن لك، ياسر اعترف.
- ورفع الرجل يده بالسوط، ليضرب أيمن على وجهه الأبيض، فتفجرت الدماء من وجنتيه، تزحف على باقي وجهه، فيرتوي، ويحس بالراحة.
- ماذا قلت، ألن تعترف؟
- لقد سبق لي أن أجبت.
ولم يكد يكمل حديثه حتى انهال الرجل عليه بالضرب فأصاب جسده الطاهر،
- أيها الضابط، يصيح حتى تكاد عروق عنقه تنفجر.
- نعم سيدي.
- تعال، خذه إلى الدرك الأسفل من السجن، وألقه في آخر زنزانة.
- حاضر سيدي.
لم يستطع أيمن السير على رجليه بعد ما أدماها السوط، فجر على الأرض جرًا، وهناك مر بزنازين كثيرة فيها إخوة له، كان يراهم في المساجد، وصل به الضابط إلى غرفة صغيرة لا تكاد تتسع لثلاثة رجال وكان فيها خمسة وهو السادس، ليس لها نوافذ ولا حتى ثقوب، فأخذ أيمن يتذكر منزله الصغير ونافذته وثقوبه، واتكأ على صخرة كانت في زاوية من زوايا الزنزانة، ولم يلبث خياله يراوده حتى تقطع على صوت أقدام، كالتي سمعها أمام بيته تضرب الأرض بعنف، لم يتوقف، يبدو أنها كثيرة، فجأة، صمت غامض، هدوء مخيف، سكينة مرعبة، وقف الجميع يحاولون النظر، ولكن ليس هناك نوافذ، فيحاولون السماع.
عاصفة تزلزل لها السجن بأكمله، أصوات أعيرة نارية، تخترق الجدار بصوت يخرق الآذان، صراخ، تهليل.
- ما هذا، أيطلقون النار؟
يتسلل سؤال أيمن من بين هذا الضجيج، فيبدو صغيرًا لا قيمة له، تناثرت موجاته وسط التهليل، وأعيرة النار.
وهدأت العاصفة، وهدأ كل شيء، صمت رهيب يعود ثانية، يتخلله صوت صدى التهليل.
- هيا أغمضوا عيونكم، وابتعدوا للخلف.
ذلك هو صوت الرجل الضخم صاحب السوط.
... افتحوا الزنازين وأخرجوا الحيوانات، بسرعة.
وامتثل الجنود للأمر وأخرجوا السجناء منها، واحدًا تلو الآخر.
- لا تلتفتوا، انظروا أمامكم.
ولكن أيمن تلفت خلسة، يمينًا ويسارًا.
- ما هذا؟ رحماك يا رباه، الجدار كله أحمر، دماء، الجثث أشلاء ممزقة هنا وهناك، الدماء تتدفق كالنهر منها، ونظر أيمن إلى الجنود داخل الزنازين يعبثون بالجثث، ويركلونها بأقدامهم.
وأخذ يواسي الجدار الذي استقبل الدماء فارتوى بها، ثم أخذ يبكي، دماء تتساقط منه على الأرض فتجري، حية تتدفق منها الحياة، وأخذ أيمن يستمع إلى أحاديث الجنود مع بعضهم البعض، وإذ بأحد الجنود يقول للآخر:
- أعتقد أن السجناء قد تنازعوا فيما بينهم، وبعدما هدأ كل شيء أخذ أيمن يتذكر الحادثة ودموعه تتساقط حارة على الأرض، من هول ما رأى، فسلام على شهداء المذبحة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل