العنوان أبعاد الحملة الإعلامية التركية ضد السعودية
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-1995
مشاهدات 57
نشر في العدد 1164
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 29-أغسطس-1995
§ تركيا تنفذ حكم الإعدام على الذين يخرجون على مبادئ أتاتورك العلمانية
§ الحملة الإعلامية العلمانية تستهدف حزب الرفاه وتخوف الجماهير من وصول الإسلاميين إلى الحكم
§ الكتاب العلمانيون يهاجمون أحكام الإعدام في السعودية بالرغم من وجود 29 تركيًا ينتظرون تطبيق حكم الإعدام في السجون التركية
الحملة الإعلامية التركية المسعورة ضد المملكة العربية السعودية بسبب قيامها بتنفيذ حكم الإعدام في ٤ أتراك خلال شهر أغسطس الجاري، ووجود ٤١ آخرين في قائمة الانتظار، وهو الأمر الذي أدى إلى أزمة دبلوماسية بين البلدين، إذا لم يلتزم الساسة الأتراك بآداب الحوار والحديث، وقد ينعكس ذلك على مجمل العلاقات العربية التركية، وهو ما سيضر بتركيا إقليميًا واستراتيجيًا واقتصاديًا، وتخسر أنقرة بذلك الموقع الذي وضعه فيها الرئيس الراحل تورجوت أوزال لتبقى وحيدة في مواجهة الضغوط الغربية وستضطر حينذاك إلى الاستسلام الكامل لأوروبا.
والسبب الوحيد والمُعلن في أنقرة لكل ذلك الحريق السياسي والاجتماعي هو إعدام متهمين بتهريب المخدرات، ولكن لأن الهدف غير المعلن كان إحراج حزب الرفاه الإسلامي تطورت الأمور بشكل كبير لتهدد مصالح تركيا القومية نفسها لأسباب سياسية داخلية.
ورغم أن الحملة نجحت في تحقيق بعض أهدافها، إلا أنها خرجت عن جادة الصواب عندما أعاد الكتاب الأتراك نفخ النار في جمرات التاريخ والتأكيد على أن العرب هم السبب الرئيسي لضرب الخلافة العثمانية، بل إن كاتبًا كبيرًا في صحيفة «ملليت»، وهو طه أقيول «قومي علماني»، كتب يوم ۲۰ أغسطس الجاري مقالًا يشير فيه إلى أن السعودية أعدمت الأتراك بسبب قيام الخليفة العثماني بإعدام عبد الله بن سعود عام ١٨٢٠ في إسطنبول، وقال بأن عبد المطلب شيخ الطائف وقف ضد منع تجارة العبيد بزعم أنها مخالفة للشريعة، وأضاف بأن ذلك الشيخ أحل دم الأتراك، وفي نهاية مقاله قال: «إنه يجب إنهاء تلك الوحشية» ووقف عملية قطع الرقبة.
وهكذا تحول الكتاب العلمانيون الذين يدافعون عن مصطفى كمال أتاتورك- هادم الخلافة العثمانية- إلى مدافعين عن تلك الخلافة، مما يظهر عنصر المؤامرة في الحملة التي تستهدف تخريب العلاقات التركية- العربية لصالح الغرب.
اتهام دول الجوار
والدليل الآخر على وجود البُعد التآمري في تلك الحملة أن الصحف التركية أرادت تصفية حساباتها الإقليمية مع دول الجوار، فها هي جريدة «صباح»، تشير يوم ٢٠ أغسطس إلى وجود «أصابع سوريا في فخ الموت»- على حد وصفها- قالت فيه: إن المخابرات السورية وراء الإيقاع بالسائقين الأتراك بهدف الإضرار بالعلاقات التركية- السعودية في إطار الحرب الاستراتيجية الباردة.
وبالطبع لم تنس الصحف التركية إلقاء التهمة على بلغاريا أيضًا، إذ قالت: صحيفة تركيا يوم ۲۰ أغسطس الجاري نقلًا عن مصدر أمني أن العقار المضبوط تصنيع بلغاري، وهو تقليد للمنتج الألماني الممنوع، ويتم استخدامه كعلاج في المستشفيات البلغارية، ومن المنتظر أن تدخل اليونان وأرمينيا غدًا قائمة المتهمين لتبرئة المهربين الأتراك من ذنب التهريب، إذ لم يمسهم أحد بسوء سواء من الإعلاميين أو السياسيين. بينما يكيلون الشتائم للأسرة الحاكمة السعودية والشريعة الإسلامية معًا، مما سيقوي شوكة المهربين، ويشير في الوقت نفسه إلى الشكوك المثارة حول دور المافيا السياسي في تركيا وتأثيرها على صنع القرار.
لا للسجن أيضًا
ولم يقتصر الرفض الإعلامي على شكل توقيع العقوبة بالسيف، بل إن فراي تينش كتبت مقالًا في «حريت» يوم ٢٠ أغسطس بعنوان: «لا للسيف ولا للسجن حتى الموت»، قالت: فيه إنه لو تم إعدام الأتراك الأربعة بشكل «غير وحشي» أي بدون السيف- وهو رمز الإسلام لديهم- ما كان أحد سيتنبه إلى وجود ۷۱ تركيًا في قائمة الانتظار، وإذا كان الإعدام قد تم بالكرسي الكهربائي، أو في غرفة الغاز، لما خرج صوتًا كما أن الحكومة التركية تأخرت طويلًا في التحرك رغم وجود هؤلاء في السجون السعودية منذ فترة طويلة، وتتفق أمينة شانليك أوغلي- مديرة تحرير مجلة مكتوب- وهي من التيار الإسلامي- مع فراي في رفضها توقيع العقوبة بالسيف، وقالت بأن الكرسي الكهربائي الأمريكي هو الأكثر عصرية.
وفي هذا الإطار الإعلامي العدائي لكل ما هو سعودي وعربي، والذي انعكس بشكل مباشر على التعامل اليومي بين الأتراك والسياح العرب، إذ كان يتم التحرش بالعرب بشكل استفزازي وصل إلى حد الاعتداء عليهم، بل ورفض بعض العاملين في الفنادق تقديم الخدمة لهم، علاوة على المضايقات الأمنية، وطلب جوازات السفر لمراجعة تأشيرات الدخول، دخل الساسة إلى الساحة خاصة وأن موسم الانتخابات البرلمانية على الأبواب، فها هي تانسو تشيللر- رئيسة الوزراء- تهدد بسحب السفير التركي من الرياض، أما حسام الدين جندروق- رئيس مجلس الشعب التركي- فيؤكد في تصريحات صحفية لجريدة «أقشام»، يوم ۲۰ أغسطس الجاري أنه سيقوم بحملة عالمية لمنع تنفيذ أحكام الإعدام على المتهمين الأتراك، مشيرًا إلى أنه يمكن التضحية بالمصالح التركية في السعودية، وحددها بوجود ١٤٠ ألف عامل علاوة على حجم صادرات تقدر بـ٦٠٠ مليون دولار لأسباب إنسانية، كما هاجم حكمت شتين- نائب رئيس الوزراء- الحكومة السعودية بينما اتهم مسعود يلماظ- زعيم حزب الوطن الأم- الحكومة التركية بالضعف، مشيرًا إلى أنه أثناء وجود حزبه في الحكم لم يعدم تركيًا واحدًا، وطالب باسم تبوك- رئيس الحزب الليبرالي- بتجميد العلاقات مع السعودية وعمومًا أدان كل رؤساء الأحزاب الأحكام.
موقف حزب الرفاه
أما موقف حزب الرفاه من تلك الأزمة التي استهدفته في الأساس في محاولة لتخويف الجماهير في حالة وصوله إلى الحكم وتطبيقه للشريعة الإسلامية فكان صعبًا دون شك، حيث انقسمت الآراء بين قيادات الحزب بين مؤيد ومعارض، فنجم الدين أربكان قال يوم ١٨ أغسطس في اجتماع عقد في إسطنبول لدعم البوسنة، أنه سيكتب للملك فهد من أجل العفو عن ۱۷۰ مواطنًا مسلمًا من كل أنحاء العالم الإسلامي محكومًا عليهم بالإعدام في السعودية، وقال يجب أن نضع أيدينا جميعًا في أيدي بعض ونطلب من الملك العفو ونأمل أن تصغي السعودية إن شاء الله لصوت مليار ونصف المليار مسلم وكان شوكت قازان- نائب رئيس حزب الرفاه- قد اعتبر في تصريحات صحفية أن العقوبة تفوق حجم الاتهام، وقال: مقدرباش إيماز- نائب حزب الرفاه عن إسطنبول- إن الشريعة تتضمن فقط أحكام القصاص ولا علاقة لها بتلك الأحكام بالشريعة، وقال عمر فاروق أكينجي- نائب حزب الرفاه عن أنقرة- إنه لا توجد عقوبة مثل تلك في الإسلام، أما عبد الله جول- نائب عن الرفاه- فقال أيضًا: إنه لا توجد علاقة بين أحكام الإعدام والشريعة، إلا أن رضا أولوجاك- الأمين العام المساعد للحزب- أيد الأحكام، وقال: إنه لا فرق بين الإعدام بالكرسي الكهربائي أو بالسيف فالموت واحد، وقال محمد شوكت إيجي- الكاتب في صحيفة «ملي جازيت» التي يصدرها حزب الرفاه- إن قرار الإعدام صحيح، وإن قانون العقوبات التركي ينص على توقيع عقوبة الإعدام على مهربي المخدرات والخلافات فقط حول طريقة التنفيذ، وعمومًا لا يوجد حكم واضح حول الإعدام وعقوبة الإعدام ضد مهربي المخدرات تطبق في السعودية وإيران وسنغافورة، إذ إن المهربين يضرون بالدولة والمجتمع.
الإعدام في تركيا أيضًا
والمتابع لكل تلك الضجة المثارة في تركيا حول عقوبة الإعدام والذي يتعجب أرطوغرل أوركوك- مدير تحرير صحيفة «حريت»- بأن تلك العقوبة ما زالت مطبقة رغم دخولنا عتبة القرن الـ٢١ يظن أن القانون التركي لا يتضمن تلك العقوبة، أو أنه لا يوجد منتظرين في قائمة الإعدام، إذ إن القائمة تضم ٢٩ تركيًا محكومًا عليهم بالإعدام، وينتظرون حاليًا توقيع العقوبة، كما تم إعدام ٤٤٦ شخصًا في تركيا منهم رئيس الوزراء عدنان مندريس عام ١٩٦١، ووزيرين آخرين لخروجهم على مبادئ مصطفى کمال أتاتورك العلمانية، كما أعدم حيدر أرسلان لأسباب سياسية في أكتوبر ١٩٨٤م، بل إن الذي يقوم بدعاية أو عمل ضد المبادئ العلمانية الأتاتوركية، أو يعمل على تقسيم تركيا يحكم عليه بالإعدام، ولكن ما دام ذلك بعيدًا عن الشريعة فمباح وعصري، خاصة وأنه سيكون بأيد تركية.
وتضم قائمة المحكوم عليهم بالإعدام في تركيا وينتظرون التنفيذ في السجون التركية كلًا من جمال الدين جناب أربجي، ونعمت أغراتش، ومحمد طاش دمير، ومحمد سينجي، وحسني أوزجان، وأحمد جولماز أوغلي، وعبد الله سونماز، وعباس الكان، وحسني باغيز، وعثمان دمير، وصلاح الدين متى، وأرجان شانلي، وإسماعيل أكينبتشر، وقاسم قره طاش، وجوشكن أوزتورك، يلديريم أریجان، وعبد الرحمن تكجوز، وداود أمدجول وعبد الله قنات، وحسن قدم، وسكماني أوزجان، وحسين كيران، ومتين دره، وعز الدين أركان، وكانكاز أركان، وصبري كفه.
أهداف الحملة
وبالتالي فإن هذه الضجة الإعلامية التركية لا أساس لها، وتدخل في إطار حملات التشويه للشريعة الإسلامية، وتخويف الأتراك من تنفيذها في حالة وصول حزب الرفاه إلى الحكم، إذ عرضت القناة D يوم ١٨ أغسطس فيلمًا تم التقاطه بكاميرات الفيديو لعملية إعدام النيجيري معروف شكوني، والهندي زاهد ابن حسين في جدة، علاوة على أن الانتقادات جميعها منصبة على استخدام السيف، ولذلك قال حكمت شتين- نائب رئيس الوزراء- في تصريحات صحفية إنه يجب أن يعرف الشعب أهمية الجمهورية العلمانية، وقال: هل تريدون تطبيق تلك «الوحشية»؟
وعمومًا فإن تلك الأزمة المثارة استهدفت في الأساس تحقيق أهداف حزبية داخلية لضرب حزب الرفاه، خاصة وأنه تمت مناقشة موضوع أحكام الإعدام أثناء زيارة سعود الفيصل- وزير الخارجية السعودي- لتركيا في يونيو الماضي، ورفض إدخال موضوع تبادل المحكومين، وقال: إنه ليس مرتبطًا بوزارته لأنه من أعمال وزارة العدل، كما أنها لم تثر رغم صدور تلك الأحكام منذ سنوات وهي تعتبر في حكم المنتهية. ولذلك جاء تنفيذ الأحكام فرصة لتصفية الحسابات الحزبية وتشويه صورة الشريعة وإثارة الثارات التاريخية، بغض النظر عن مصالح تركيا القومية في المنطقة، إذ إن الهدف ضمان استمرار ابتعادها عن نطاقها الإقليمي والإسلامي، وهو ما يعمل الإعلاميون والساسة على تحقيقه، ولذلك يدافعون عن حفنة مهربين اعترفوا بذنوبهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل