; الغزو الروسي لأفغانستان في مرآة الصحافة الغربية | مجلة المجتمع

العنوان الغزو الروسي لأفغانستان في مرآة الصحافة الغربية

الكاتب إحسان السيد

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يناير-1980

مشاهدات 96

نشر في العدد 465

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 15-يناير-1980

موسكو وواشنطن قلقتان من البعث الإسلامي الجديد

الاتحاد السوفياتي خامس أكبر دولة إسلامية في العالم؟

هذا عرض مجمل لبعض ما كتبته ست صحف غربية (بريطانية وأمريكية وفرنسية) عن الغزو السوفيتي لأفغانستان قصدنا من ورائه تعريف قارئ «المجتمع» ببعض جوانب التدخل الروسي في أفغانستان: دوافعه وغاياته من وجهة النظر الغربية، وتيسيرًا للقارئ الذي يصعب عليه الحصول على جميع الصحف الغربية وبالتالي قراءتها والاطلاع عليها.

ولكننا قبل أن نبدأ بعرضنا هذا، نحب أن نثبت الملاحظات التالية:

صحيح أن هذه الدراسات تمثل وجهة النظر الغربية لكنها لا تخلو في الوقت نفسه، من أراء موضوعية، ووجهات نظر صائبة، حاولنا إدخالها في هذا العرض.

قامت الصحف الغربية بمتابعة الثورة الإسلامية في أفغانستان منذ انطلاقها، وأرسلت كثير من الصحف مندوبيها إلى أفغانستان لمتابعة الأحداث عن قرب، ولكن صحفنا العربية التي كانت أولى بهذا الاهتمام أهملت ذلك، ومازالت حتى اليوم.

أبقينا في هذا العرض، على العبارات التي أوردتها الصحف الغربية دون تحوير فيها، وإن كان بعضها لا يعبر عن الحقيقة تمامًا، وذلك من أجل أمانة النقل عنها، ولن يفوت القارئ المسلم ملاحظة هذا.

نتائج هامة يمكن الخروج بها مما أوردته الصحف الغربية، ولعل أهمها ما أشارت إليه (الهيرالد تربيون) من أن أفغانستان تختلف عن فيتنام في أمرين: أولهما أنها على حدود روسيا ولم تكن فيتنام على حدود أمريكا، وثانيهما أن المعسكر الشرقي وقف بثقله كله إلى جانب الفيتناميين ولن يقف المعسكر الغربي إلى جانب أفغانستان. 

والأمر الثاني الذي تعترف به (الهيرالد تربيون) نذير خطر إلى حكومات المسلمين، التي ليس أمامها سوى خيار واحد: «التدخل العسكري» العلني إلى جانب المسلمين المجاهدين في أفغانستان لأن الغرب، كما قالت (التربيون) لن يقف مع المجاهدين. 

ونحب أن نشير إلى أننا سمينا هذا الخيار «التدخل العسكري» لتحديده فنحن نراه فريضة إسلامية على المسلمين جميعهم.

الصنداي تايمز: الروس قلقون من انتشار المد الإسلامي في جنوب الاتحاد السوفيتي.

الفيغارو: الحكم الشيوعي كان على وشك الانهيار رغم المساعدات الضخمة.

هيرالد تربيون: دهشة كارتر تجاه الغزو الروسي بدت للكرملين ساذجة تمامًا.

لوموند: التنديدات وحدها لا تغير وجه التاريخ.

النيو يورك تايمز: موسكو ليست أقل قلقًا من واشنطن تجاه «النضالية» الدينية.

كريستيان سانيس مونتيور: وجود حكم موال للسوفييت في أفغانستان لا يثير فزع الولايات المتحدة.

المجاهدون قتلوا ۱۰۰ مستشار سوفيتي 

صحيفة (الصنداي تايمز) تعرض للأحداث التي سبقت الغزو السوفييتي، فتشير إلى أن الروس كانوا قد حذروا الرئيس تراقي في أيلول سبتمبر الماضي أثناء توقفه في موسكو في طريق عودته إلى بلاده بعد حضوره مؤتمر دول عدم الانحياز في كوبا، حذروه من أن حفيظ الله أمين رئيس الوزراء آنذاك، رجل متشدد جدًا ينبغي طرده من رئاسة الوزراء، غير أن محاولة التخلص منه باءت بالفشل، ففي معركة بالمسدسات جرت في القصر الجمهوري في ١٤ سبتمبر، أصيب تراقي بجروح بالغة توفي على أثرها فيما أعلنت وكالة الأنباء الأفغانية أنه توفى بسبب «مرض عضال».

«وغضب الروس كثيرًا لوفاة حليفهم فلم يمض أسبوع على عناقه الرسمي مع الرئيس بريجنيف في موسكو حتى قتل. ومع ذلك استمر الروس في تقديم مساعداتهم العسكرية للحكومة الأفغانية، بسبب تصميمهم على معاقبة الثوار لقتلهم ١٠٠ مستشار سوفياتي في أثناء الثورة في هيرات وجلال آبال، هذا بالإضافة إلى قلق الروس من احتمال انتشار موجة المد الإسلامي إلى جنوب الاتحاد السوفياتي عبر حدوده المشتركة مع إيران وأفغانستان».

الأمر مختلف في أفغانستان

وتضيف صحيفة (الفيغارو) الفرنسية سببًا مباشرًا آخرًا إلى التدخل السوفيتي وهو اقتراب انتصار المجاهدين في أفغانستان: «والحقيقة أن انتصار الحكم الذي كان قائمًا في كابول كان على وشك أن ينهار على الرغم من المساعدات الضخمة التي كان يتلقاها من جانب السوفييت منذ فبراير – شباط عام ۱۹۷۸، واقتنع السوفييت أخيرًا بأن الأمر لن يحسم إلا بتدخل عسكري ضخم وسريع لقلب الموقف لصالح الحكومة الماركسية في كابول، فزعماء الكرملين لم ينظروا إلى أفغانستان بالنظرة نفسها التي كانوا ينظرون بها إلى الصومال أوغينيا فالأمر مختلف بالنسبة إلى أفغانستان».

الوصول الى المحيط الهندي

وتؤكد صحيفة (كريستيان شانيس مونتيو) ما قالته (الصنداي تلغراف) من أن الروس قلقون من انتشار المد الإسلامي إلى مسلمي روسيا وتوضح أن قلق أمريكا ليس من حكم شيوعي في أفغانستان، بل في إقدام موسكو على إرسال قوات إلى خارج منطقة النفوذ السوفيتي في أوربا الشرقية. تقول الصحيفة وما يثير فزع المسؤولين الأمريكيين ليس وجود نظام حكم موال للسوفييت في أفغانستان فمثل هذا النظام كان دائمًا هناك خلال الأشهر الماضية، بل هو استعداد موسكو لأرسال جنود إلى دول تقع خارج منطقة نفوذ الاتحاد السوفيتي في أوروبا الشرقية والمعترف بها بصورة واضحة.

ويعتقد الرئيس كارتر كما تقول الصحيفة – أنه من المحتمل أن تكون مخاوف السوفييت الداخلية حفزتهم بصورة جزئية على القيام بالاجتياح، ذلك أنه إذا نجح الثوار المسلمون في الإطاحة بنظام حكم موال للسوفييت في كابول فان ذلك سيؤدي إلى إطلاق شرارة الثورة في صفوف مسلمي الاتحاد السوفيتي وعددهم ٥٠ مليون نسمة. 

ويشير مسؤولون أميركيون آخرون إلى أن تحرك الاتحاد السوفيتي هو جزء من خطة أوسع نطاقًا ترمي إلى تأمين سبيل للوصول إلى المحيط الهندي عن طريق باكستان أو إيران في نهاية الأمر».

«النضالية» الدينية المتصاعدة

ونصل إلى صحيفة (النيو يورك تايمز) التي تعترف بأن موسكو وواشنطن قلقتان من البعث الإسلامي الجديد الذي تصفه ب «النضالية الدينية» فتقول: «من المحتمل أن السوفييت الحساسين، يساورهم القلق بسبب عدم مقدرة مؤيديهم من الأفغانيين على إخماد ثورة المسلمين ورأوا أن المزيد من عدم الاستقرار في أفغانستان يمكن أن يلحق أذى بمصالح السوفييت القومية. ويقدم بعض الخبراء النظرية القائلة: أن موسكو – ليست أقل قلقًا من واشنطن بسبب «النضالية الدينية الصاعدة».

ووجود إیران وأفغانستان على حدود روسيا يوجب على موسكو أن تكون قلقة من التأثير الذي قد يتركه ذلك على السكان المسلمين الكثيري العدد في الناحية الثانية من الحدود داخل الاتحاد السوفييتي» 

ليست لوجه الله

أما صحيفة (لوموند) الفرنسية فتنظر إلى الغزو الروسي في إطاره الشامل، إطار انتهاك القوى الكبرى لحقوق الإنسان في العالم، القوى التي تزعم أنها تدافع عن حقوق الإنسان. تقول (لوموند): 

ختم التدخل السوفياتي عامًا ادعت فيه عدة دول أنها تدافع عن حرية الإنسان لكنها نسيت حق الشعوب في تقرير المصير، ففي يناير الماضي تدخلت فيتنام للإلحاحة بنظام الخمير الحمر في كمبوديا وفي أبريل جاء دور تنزانيا للتدخل في شؤون جارتها أوغندا والإطاحة بنظام عيدي أمين، وفي شهر سبتمبر ديرت الحكومة الفرنسية مؤامرة أطاحت بإمبراطورية بوكاسا بعد آن دافعت عنها طويلًا وساندتها في كل المجالات.

ومن يستطيع أن يقول – تتساءل الصحيفة – أن هذه التدخلات جاءت لوجه الله ودفاعًا عن حقوق الإنسان التي لم تتوفر في ظل هذه الأنظمة ولم تأت لخدمة مصالح معينة؟

ضعف ذاكرة العالم 

فالأمريكيون الذين يدينون بشدة الاعتداءات الصارخة على العادات والتقاليد الدولية المتعارف عليها لم يحترموا في الحقيقة هذه العادات والتقاليد الدولية احترامًا كاملًا فقد شكلوا الحكومات وأطاحوا بغيرها في أمريكا اللاتينية، كما أثاروا عدم الاستقرار في بعض البلدان التي تخدم مصالحهم في وقت من الأوقات مثل ما حدث في غواتيمالا و«تشيلي».

ثم تتحدث الصحيفة عن التنديدات المختلفة للتدخل الروسي وترى أنها لن تنفع شيئًا مادامت كلامًا، فتقول: «لكن التنديدات عادة لا تغير وجه التاريخ والاتحاد السوفياتي يمكن أن يأمل في مرور الزوبعة بسلام ويبقى حاكم كابول الذي حاز على ثقة موسكو، ويستطيع الكرملين أن يعول على ضعف ذاكرة العالم الذي سينسى هذه العملية كما نسي غيرها».

وتختم لوموند حديثها بما قالته الصحف الأخرى عن قلق الروس من المسلمين فتقول: كون الاتحاد السوفياتي في أعقاب الحرب العالمية الثانية حزامًا أمنيًا في أوروبا، وهو يكسب آلان حزامًا جديدًا في حدوده الجنوبية حيث الجمهوريات الإسلامية القريبة من إیران وباكستان اللتين يشهد فيهما الإسلام نهضة كبرى. 

بين المجر وأفغانستان

ونصل إلى (الهيرالد تربيون) التي تضع علامات فارقة مميزة للاستعمار الروسي الأخير لأفغانستان وذلك عبر مقارنات جديرة بالانتباه إليها.

تقول (الهيرالد تربيون): أعلن قيصر جميع روسيا «أفغانستان لا تقع ضمن منطقة نفوذي»، ولكن ذلك كان عام ١٩٠٧ أما اليوم فإن أفغانستان هي البلد الثامن الذي يقع تحت سيطرة السوفيات خلال السنوات الخمس الأخيرة. كان دورها بعد أنغولا وموزمبيق وأثيوبيا وبينين واليمن الجنوبي وكمبوديا.

لقد كان انقلاب كابول في الحقيقة انقلابًا وحشيًا كما كان تدخل الدبابات السوفياتية ضد سكان برلين الشرقية في عام ١٩٥٣ وكان معدًا بعناية كما كان غزو تشيكوسلوفاكيا في عام ١٩٦٨ وكان شبيهًا حتى بتصفية الثورة المجرية في عام ١٩٥٦. 

ففي أفغانستان كما في المجر، لم يجد الجيش الأحمر من يتعاون معه سوى حفنة من العملاء ضد شعب يكاد يكون كله معاديًا له.

وفي البلدين كان العدو رئيس الوزراء الشيوعي، وفي البلدين وصف هذا الرئيس بأنه عميل للإمبريالية وأعدم على الرغم من فارق ربع قرن من الزمان بين الحدثين. وعودة بابراك كارمل من منفاه لم تكن بعيدة الشبه عن عودة جانسون كادار إلى بودا بست في عام ١٩٥٦ بمعية الجيش الأحمر.

موسكو لا تتحمل رؤية نظام إسلامي 

ومع ذلك فقد كان هناك شيء جديد في عملية كابول – فهذه هي أول مرة يقوم فيها الاتحاد السوفيتي بدفع قواته المقاتلة بعد أن كان يعتمد على القوات الكوبية أو الألمانية الشرقية في منطقة لم تؤل إليه في تقسيم بالطة للعالم. وهي أول مرة أيضًا يحتل فيها الاتحاد السوفيتي بلدًا تسمي نفسها من بلدان عدم الانحياز.

ورغم ذلك فإن دهشة كارتر بدت للكرملين ساذجة تمامًا وكان كارتر أعلن أن التدخل في أفغانستان قد أدخل تغييرًا جذريًا مثيرًا على رأيه بالنسبة إلى أهداف ومرامي الاتحاد السوفياتي النهائية.

واختارت موسكو الحل العسكري السريع والحاسم في أفغانستان لأسباب قوية وعميقة الجذور، وأول هذه الأسباب أن النظام الماركسي الذي كان الاتحاد السوفيتي يحميه في كابول بدأ يتساقط ويوشك أن ينهار فلو أن موسكو قبلت أن تترك نظامًا عميلًا في إحدى الدول التي تحدها يختفي، فإن ذلك يعني انعدام الثقة فيها كقوة حامية، وستتأثر لذلك كثير من الأنظمة المشابهة. وسيكون غير مقبول أكثر من جانب الكرملين سقوط النظام الشيوعي على يد الحركة الإسلامية الوطنية. فموسكو لا تستطيع أن تتحمل رؤية نظام إسلامي بدلًا من حكومة شيوعية في دولة على حدودها وبخاصة أن الاتحاد السوفيتي هو الأن خامس أكبر دولة إسلامية في العالم». 

 وتختم (الهيرالد تربيون) حديثها بالإشارة «إلى أن هناك فارقين رئيسيين بين فيتنام وأفغانستان: الأول أن الاتحاد السوفياتي له حدود مشتركة مع أفغانستان، في حين لم يكن للولايات المتحدة مثل ذلك مع فيتنام، والثاني أن موسكو وحلفاءها ساعدوا الفيتناميين على طرد الولايات المتحدة، في حين أن هذه الأخيرة (أفغانستان) لم تجد من يمد لها العون».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل