العنوان في ظلال انتفاضة الأقصى دور المساجد في صناعة الرجل المجاهد
الكاتب د. عيد عبد الحميد
تاريخ النشر السبت 22-ديسمبر-2001
مشاهدات 69
نشر في العدد 1481
نشر في الصفحة 46
السبت 22-ديسمبر-2001
بات مما لا يختلف فيه إثنان ولا تتباين حوله وجهتان أن أطفال فلسطين صنعوا صناعة الرجال، ولبسوا لبوس الأبطال، فغدوا معقدًا للآمال، وفي الأنفة والعزة مضرب أمثال وحققوا أمنية من قال: يا له من دين لو أن له رجال!
كيف لا وقد أصبح أطفال فلسطين كالطير الأبابيل، ترمي بحجارتها كل معتد دخيل، لا تقيل عن درب الجهاد ولا تستقيل.
حتى إذا تساءل أحد يبغي التبصر والفهم كيف تأتت الرجولة لهؤلاء حتى أستثنوا من حالة النوم التي طالما غط فيها جموع القوم وكيف بهم وقد أداروا ظهورهم لأهل الشجب والإستنكار واللوم، وخرجوا على أهل التفاوض والسوم مرسخين حتمية الحل الجهادي، وضرورة وحدة الصف والأيادي لتحرير الأرض ودحر الأعادي؟
عندها أجيب قائلًا: كتاب الله تعالى قد رسم الطريق، وجاءت سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم بالنموذج والتطبيق، وفي منهجية الدعاة إلى الله في فلسطين كان الدليل والتصديق، فلا ألفين أحدًا بعد ذلك يتشدق فيقول: إن هذا المنهج إنما ينحصر صلاحه في الرعيل القديم والجيل العتيق.
من هنا- وعلى طريق صناعة الرجال- دعونا نمعن في كتاب الله النظر لنستقي منه الدرر عسانا نخطو على الأثر في معترك صراعنا مع أبالسة البشر.
أبتدأ طريق صناعة الرجولة في القرآن الكريم من قوله تعالى: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (التوبة: 108) فهؤلاء الذين أنتشلوا أنفسهم من وهدة الغواية وربأوا بها أن تنخرط في سلك الضلالة، وزجوا بها في المساجد، فكان منهم الراكع والساجد، والقوام العابد والصوام والمجاهد، هؤلاء نعتهم القرآن بأنهم رجال، ووجه رجولتهم يكمن في تمكنهم من مجاهدة شهواتهم، وكبح جماحها، وتوجيه إرادتهم وإستجماع عزيمتهم نحو صلاح أنفسهم ورشادها.
هذه سمة كل من أراد لنفسه أن تتطهر من أدرانها، لتسمو بقيمها، وتعلو بأخلاقها، ففيه تسري روح الرجولة وعزيمتها، لا كمن أتبع نفسه هواها، وأوهن إرادته فغشاها من الخور ما غشاها، ولم يزك بالخير نفسه، إنما بالشر دساها.
حتى إذا تطهرت النفس مما شابها من دنس، ظلت المساجد مشعل نور منها الطهارة والعفة والقيم والفضيلة تغترف وتقتبس، ويبقى المتردد عليها الساعي إليها يصون إيمانه من النقص، ورجولته من البخس لذا جاء قوله تعالى في شأن المساجد ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (النور: 35) فمن تشوف لهذا النور، وتشوق للهداية إليه، ورام الوصول إليه، أوضحت له تتمة الآية السبيل ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّوالاصال رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (النور: 36- 37)، فالمساجد هي نور الله في أرضه، نعرض فيها أنفسنا على الله تعالى خمس مرات في اليوم والليلة، فتظل عارية من الرذيلة مكتسية بحلي الفضيلة، مستقرة على الحق لها في دين الله تعالى قدم صدق وفضل سبق.
فهؤلاء الذين يطوفون ما يطوفون، ثم إلى المساجد يأوون وبذكر الله وتسبيحه فيها ينشغلون لا يعيق هرولتهم إليها تجارة ولا بيع ولا مكسب يجنونه ولا ريع هم رجال بحق وصدق وقد أكد هذا المعنى قوله ﷺ في السبعة الذين يظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله «ورجل قلبه معلق في المساجد لا يخرج منه حتى يعود إليه» (أخرجه مسلم)، فانظر كيف أثبت الرجولة لمن كان هذا دينه، وتلك عادته.
حتى إذا صلح المرء في نفسه وضع رجله على طريق آخر للرجولة، يرمي إلى إصلاح من حوله، إلا إنه طريق الدعاة إلى الله عز وجل، فذاك معلم من معالم الرجولة بينه قوله تعالي: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (يس: 20)، ورجولة هذا الصنف ظاهرة في أنهم حملوا دعوة الله عز وجل وصدعوا بها بلا تردد ولا وجل، حتى وأفتهم في خضم ذلك المنية والأجل، كرجل أصحاب القرية في سورة يس الذي كانت خاتمته إنتقال إلى جوار رب العالمين.
فإن لم يكن انخراطه بينًا في سلك الدعاة إلى الله فهو لهم مناصح، وعنهم يذود وينافح، وفي سبيل ذب أهل السوء عنهم تراه يكافح كمؤمن آل رعون، حيث قال الباري في شأنه ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ (غافر: ۲۸) فأستحق وسام الرجولة إذ خلد القرآن وقفته، إبان مدافعته عن موسى عليه السلام أمام من يصب على العباد نقمته، ويبسط عليهم قوته ويخوفهم سطوته.
بيد أنه ثم صنف آخر من أصناف الرجال تعد رجولته تتويجًا لهذه الصبغة التربوية وحصيلة خيرة لهذه المراحل الأبية التي أبتدأت من المسجد ثم نزلت في الميدان تدعو إلى الله على بصيرة، وبآياته وكلم رسوله ﷺ تبشر وتنذر وتعد وتوعد، وللدعاة إلى الله عز وجل تناصح وعن أعراضهم تذب وتدافع أمام كل مفسد وتلجم بحجتها كل فتان مغرض، أو أفاك ملحد، أو مروج للتطبيع والتهود، حتى إذا نادى المنادي: يا خيل الله اركبي، كانت مع هذه الصيحة الجهادية على موعد، فلم تبرح ساحات الوغى وميادين الفداء حتى تقتل أو تستشهد.. فمن لم يقض منهم نحبه ما فتئ يواصل دربه، وإلى غطرسة عدوه لا يأبه فهو يبغي بجهاده الله ربه، لم يبدل تبديلًا، ولم يرض بغير الجهاد والإستشهاد بديلًا، فأولئكم تبوأوا القمة السامقة في الرجولة وما زلنا نتلو وصفهم في الكتاب بكرة وأصيلًا ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل