العنوان وجهة نظر.. إعادة صياغة للحركة الإسلامية
الكاتب باسم عبدالله عالم
تاريخ النشر الثلاثاء 29-نوفمبر-1988
مشاهدات 62
نشر في العدد 893
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 29-نوفمبر-1988
لقد عانت الحركات الإسلامية في مراحل الدعوة والنماء لكثير من المحن، وقد كانت بعض هذه المحن أمورًا طبيعية لا مناص منها؛ نظرًا لكون الحركة الإسلامية في حينها غضة فتية لا تملك لنفسها ضرًّا ولا نفعًا، فهي آنذاك زهرة في صحراء عرضة للفيح الحر أو زحف الرمال العاتية.
أما اليوم فحال الحركات الإسلامية قد تغير كثيرًا، فأصبحت حركات لها جذور ضاربة في أعماق الأمة، مشكلة قاعدة شعبية عريضة، وجمهرة في التعاطف والتأييد.
ولا يمكننا أن تنكر أبدًا أن الحركات الإسلامية في كثير من الدول قد بلغت مركزًا مرموقًا من التقدم التنظيمي والتشعب في مجالات الحياة العامة واستكمال كوادرها المطلوبة.
إننا حين تنظر إلى وضع كهذا لحركة إسلامية في بلد ما نقدر ويتبادر إلى أذهاننا أن الحركة على أهبة الاستعداد لمشاركة السلطة التنفيذية، أو حتى الالتحام معها في إرساء قواعد الهدف النهائي لوجودها، ألا وهو إقامة الحكم الإسلامي على وجه تلك البقعة من الأرض.
الأمر المحير في كل هذا هو أننا نجد دائمًا ثغرة في الهيكل التنظيمي الدقيق، ألا وهي ضعف هذا الهيكل وعدم تحمله لضربات قاسية من أعداء الدين والزحف الإسلامي. فعلى سبيل المثال نلحظ أن الحركة الإسلامية في تركيا والمتمثلة في حزب السلامة بقيادة نجم الدين أربكان، بلغت من الدقة والتنظيم والفعالية، ما جعل حزب الشعب الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك ذلك العدو اللدود للإسلام يخطب ودهم، ويضطر أن يشركهم في حكم البلاد، فحصلت الحركة الإسلامية آنذاك على عدة حقائب وزارية قوية على رأسها نيابة رئاسة الوزراء. وتمكنت حينئذ بالنهوض بتركيا بقوة في شتى المجالات التجارية والصناعية والاجتماعية والعسكرية. وبلغت ذروة تلك الفترة الهجوم التركي الذي خطط له أربكان في غياب رئيس الوزراء بولند أجاوید، فحرر الجزء الإسلامي من جزيرة قبرص. ومع كل هذا تجد أن هذا التقدم الجبار في مجال التنظيم الإسلامي ضرب ضربةً قاصمةً إثر الانقلاب العسكري الذي قاده الجيش على الحكم المدني.
وبعد استعادة جميع الأحزاب في تركيا لحقوقها بعد رفع الحظر السياسي، ظل حسب السلامة هو الوحيد الممنوع من التجمع والعمل. وفي موقف كهذا تغمر النفس المسلمة حالة شديدة من الحيرة والتألم؛ إذ كيف يمكن ألا تقوى الحركة على استعادة تنظيمها السياسي، وهي التي كانت تشارك في حكم البلاد، ولها قاعدة قل نظيرها بين بقية الأحزاب التركية.
وهذا ما أقصده عندما أذكر الشعرة أو عامل الضعف في البناء الحركي الإسلامي.
المرجح أن ثغرة الضعف هذه أمر ناجم عن عاملين في غاية الأهمية لأي حركة ترجو المحافظة على إنجازاتها، وتحول دون الرجوع إلى الوراء، لتبدأ مرحلة إعادة البناء من جديد بعد كل مواجهة خاسرة مع كيان سياسي أو متسلط ومعادٍ لها.
العامل الأول: هو فشل النظرية الهرمية فشلًا ذريعًا في تمكين الحركات الإسلامية للتأثير على السلطة. فبناءً على هذه النظرية تقوم الحركة بعمل ما يسمى بناء القاعدة؛ أي التأثير على قاعدة الهرم ثم الارتقاء رويدًا رويدًا حتى بلوغ قمة الهرم، وقد ترجمت هذه الفكرة عمليًّا إلى عامل التربية والتثقيف الشعبي، وهذه النظرية على أهميتها فهي مبتورة وعاجزة تمامًا، فهي نظرية مكملة فقط. فقاعدة الهرم لا يمكن أن تتزحزح، وهي ترزح تحت حمل ثقيل متمثل في بقية الهرم كله، فمن السهل جدًّا أن تستمر الحركة عشرات السنين في التربية والصقل وتكوين القاعدة، فتأتي السلطة التنفيذية لتمحو آثار هذا العمل كله إثر ضربات شديدة موجعة، وفي غالب الأحيان ما تكون هذه الضربات في مقتل من الحركة الإسلامية؛ لأن الأمر هنا صراع من أجل البقاء بين كيان قوي فاسد وكيان صالح يحوز على عطف القاعدة الهرمية المؤيدة ولكنها الضعيفة، فهي لا تملك عوامل الدفاع والتأثير في معظم الأحيان في دول العالم الثالث. إذًا على الحركة أن تعيد جدولة أولوياتها، وتتعامل مع جميع مستويات التركيبة الهرمية على حد سواء، فكما أنها تتغلغل في صفوف القاعدة، عليها أن تقوم بنفس الأمر على صعيد طبقات الهرم كلها. ويتمثل ذلك في الدوائر الحكومية والعسكرية، وحتى على مستوى السلطة التشريعية والتنفيذية، وبالأخص الشخصيات التي تحتل مراكز اتخاذ القرار DECISION MAKING POSITION
إن الدعوة حينئذ تضمن لنفسها خطوط دفاع أمامية، ومراكز تأثير قوية من خلال مراكز القوى التي نجحت في التأثير عليها أو احتوائها. فمثلًا رأس الدولة لا يمكن وإن أراد أن يتخذ قرارًا معاديًا للحركة، إذا علم أن كبار الضباط والقيادات في الجيش على درجة من التعاطف مع هذه الحركة والدعوة. وفضلًا عن أن هذا يعتبر من أساليب البناء الأمني، فهو أيضًا من ناحية أخرى عامل مساعد، إذا ما نظرنا إلى الناحية الإدارية فيه.
فالمسؤول قد يتجنب اتخاذ القرار الإداري الذي قد يعرقل سير الجماعة، أو قد يسن قانونًا إداريًّا يذلل لها صعوبات جمة، إذا كان متعاطفًا مع الحركة.
عند استيفاء هذا السبب الرئيسي سنجد أن توجيه الضربات من القوى المعادية سينخفض، وتقل فعاليتها، فلا تعود كسابق عهدها ضربة قاصمة تقع على مقتل منا. إنما تكون الحركة بالقوة التي تسمح لها بامتصاص الضربات، والرد عليها بما يبين قدرتها، ويجبر الغير على احترامها وتجنب مواجهتها.
أما العامل الآخر فهو إيجاد البديل الكفء والمؤهل داخل الحركة على مستوى القيادة، وخارج الحركة مستويات الهرم. إن لهذا الأمر أهمية قصوى في حالة حدوث شاغر مفاجئ بين صفوف الحركة بالذات. فلو فرضنا أن الحركة تلقت بعد مواجهة عنيفة عدة ضربات كانت نتيجتها تعطل كل أو جزء من الكادر القيادي في الصف الأول عن العمل والتجاوب، فماذا يكون الحل حينئذ.
آنئذ تقع المسؤولية على الكوادر القيادية من الصف الثاني والثالث للحركة لملء الشاغر فورًا ريثما تتمكن القيادات الرئيسية من استعادة أماكنها، إذا افترضنا أن ذلك كائنًا بعد حين.
إن تمكن الصف الثاني أو الثالث من القيام بمهام الصف الأول على أكمل وجه يستدعي أن يكون ملمًا بجميع أمور القيادة ومصاريفها، وأن يكوف الصف الأول قد اطلعه على مجريات الأمور في الحركة بشكل مستمر، كما وأن يجعله ملمًا بجميع فروع الحركة وأنشطتها، فلا يجوز أن يكون الصف الثاني مؤهلًا للقيام بعمل دعوى معين فقط، ولا يكون قادرًا على الإدارة وتوزيع المهام.
فمن أسباب نجاح المؤهل للقيادة أن يكون على دراية تامة بجميع خلايا الحركة الإسلامية، ويعي تمامًا أدوارها واحتياجاتها. إن أمرًا كهذا يستطيع أن ينقذ الحركة من كارثة الفراغ القيادي والمركزية القيادية؛ أي الاعتماد كليًّا على قيادة رجل واحد، إذا ذهب تاهت الجماعة في متاهات التخبط الإداري.
هذا من حيث البديل في داخل صفوف الحركة نفسها. أما البديل في المواقع الأخرى داخل طبقات الهرم المتعددة، فهو أيضًا على درجة كبيرة من الأهمية لاستمرار التوافق والتجانس بين السلطة والحركة إذا كان ذلك قائمًا. أو لاستمرار البقاء على خطوط الدفاع الأمامية للحركة بعد مواجهة حادة أو حدث طبيعي أدى إلى حدوث الشاغر.
فعلى سبيل المثال إذا كان للحركة دور عظيم في التأثير على المناهج التربوية من خلال شخصية قيادية لها صلاحية اتخاذ القرار كمسؤول في مجال التربية والتعليم أو الإعلام والإرشاد، فإن على الحركة دائمًا أن تعد البديل المناسب، وتعمل على إبرازه، حتى إذا حدث شاغر كان هذا البديل بمثابة الاختيار الطبيعي والبين لسد الثغرة. فحينئذ يستمر البرنامج التربوي قدمًا، ولا يتعرقل بسبب صعود بديل سيئ يكيد للإسلام والمسلمين.
إن الحركات الإسلامية يجب أن تأخذ لنفسها من التاريخ عبرة، فترسم لنفسها خطًا مبنيًا على الاستفادة من تجارب الماضي، فتحسن وتطور محاسن أسلافها، وتتجنب أخطاءهم، كما يجب أن تقوم بتعديل بعض أنماط التنظيم بحسب ما يحتاجه واقع حالهم وزمانهم. فإن حدث خطأ في حركة فتية في بداية طريقها في الدعوة الحركية المنظمة؛ فإننا نلومها على عدم الاستفادة من تجارب أسلافها من الحركات ذات الباع الطويل في هذا المجال ولكننا في النهاية نجد لها العذر في ذلك. أما إذا صدر خطأ متكرر من الحركات المخضرمة، والتي تعتبر رائدة في مجالها وقدوة لغيرها، فإننا نوجه لها اللوم بالقصور في التفكير والعجز عن التطور والتقدم إلى مراحل أكثر ارتقاء في أسلوب التنظيم وواقعة للوصول إلى الهدف النهائي.
إن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال التجرد من فكر المؤسسين للحركة الإسلامية الحديثة أمثال الإمام الشهيد حسن البنا والسيد قطب والهضيبي وغيرهم. فإن الضعف يعني تمامًا أنه لا يمكن لأي حركة تحت أي مسمى أو غطاء مهما بذلت أن تجد خطًا دعويًّا شاملًا ونهجًا متكاملًا خارجًا عن شمولية فكر هؤلاء المؤسسين عليهم رحمة الله.
ولكن الذي نطالب به الحركات الإسلامية هو ألا تحافظ فقط على درجات المنبر التي وصل إليها هؤلاء القادة، بل تحاول دومًا الصعود إلى أعلى درجة في منبر توجيه الأمة الإسلامية، فهذا هو القصد الأول والمرام النهائي لقادة الحركة الإسلامية في عصرنا الحديث. ومن ثم يجب علينا أن ندرس الماضي، ونملأ الفراغ، ونسد الشغور في مراكز الضعف، وننطلق قدمًا إلى حيث يسير المسلم من الصين إلى الصين، وهو لا يزال في أرض هو سیدها المطلق، والله مشرعها الأوحد، والرسول صلى الله عليه وسلم معلمها الأكبر. والله اسأل أن يمتع أنظارنا وأفئدتنا بهذا اليوم، وما ذلك على الله بعزيز.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل