; من الحياة: كيف تحول المحنة إلي منحة ؟ | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة: كيف تحول المحنة إلي منحة ؟

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 22-يناير-2011

مشاهدات 84

نشر في العدد 1936

نشر في الصفحة 48

السبت 22-يناير-2011

المحن من السنن الماضية في الناس، قال سبحانه: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) } (سورة الملك) والحكماء ذوو الألباب والإيمان هم الذين يحولون الخسائر إلى أرباح، والنوازل إلى نجاة والمحن إلى منح.. فباستطاعة كل عاقل أن يحول المالح أو الحامض إلى حلو، أَلَم تَذُوق طعم الليمونة ذات الطعم الحمضي المالح قبل أن يضاف إليها السكر؟ إنك بقليل من حبات السكر تحول الليمون ذات الطعم الحامض المالح، إلى شراب حلو المذاق!!

أما الجاهل فهو الذي يضاعف المصيبة، ويزيد حجم الخسائر، فلا يرضى بها، ولا يستطيع أن يتعامل معها، يتذمر، ويتأزم، فيزداد سوءاً، وربما أهلك نفسه.

جاء في كتاب «دع القلق»، للمؤلف الأمريكي المشهور «دايل كارينجي» أن أحد الأشخاص في مدينة «بوركين» بالولايات المتحدة قد أصيب بقرحة شديدة في «الاثنا عشر»، وقد تورمت واشتدت، حتى أشار عليه الأطباء بكتابة وصيته استعداداً للرحيل من الدنيا إلى الآخرة، فترك الرجل وظيفته الكبيرة التي كان يشغلها، وقبع في بيته ينتظر الموت!!

وبينما هو يفكر في أمره، إذا به يتخذ قراراً أدهش من حوله.. لقد قرر أن يحقق ما كان يتمناه طوال حياته، وهو أن يطوف العالم، وقال: ما دمت سأعيش شهوراً معدودة كما قال الأطباء.. فلماذا لا أحقق ما أتمناه؟ وقام فعلاً بالحجز على أول رحلة بحرية حول العالم بعد أن اصطحب معه الوصية والتابوت، كما قرر أن يأكل ويشرب كل ما يحبه ويتمناه، وما كان محروماً منه في أثناء مرضه، ثم سافر الرجل واستمتع برحلته حول العالم، لقد استغرقت رحلته شهرين، عاد بعدها معافى من مرضه، وقد استعاد وظيفته وعاش بعد ذلك حقبة من الزمن سعيداً مستقراً.

وعلى امتداد الزمن نجد نماذج بشرية مبهرة، جديرة بالدراسة والتأمل، كي نستلهم منها الحكمة، ونتعلم منها الدرس، منها الخبرة، ونزداد من قصصهم عبراً وعظات وإيماناً.

*نموذج يوسف عليه السلام*

إنه ذلك النموذج العظيم، الذي أفرد الله عن عز وجل له سورة، على غير المنهج القصصي في القرآن الكريم.

يقول الإمام القربطي: ذكر الله أقاصيص الأنبياء في القرآن، وكررها بمعنى واحد، وفي وجوه مختلفة، وبألفاظ متباينة على درجات البلاغة والبيان، وذكر قصة يوسف - عليه السلام - ولم يكررها، فلم يَقدر مُخالف على معارضة المكرر، ولم يقدر مخالف على معارضته غير المكرر، والإعجاز واضح لمن تأمل:

وصدق الله: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١) } (يوسف).

لقد نزَّل الله عزَّ وجلَّ في نبيه الممتحن الصابر «يوسف» سورة فريدة في ألفاظها، وتعبيراتها، ممتعه لطيفة، تسري في النفس سريان الدم في العروق، برغم أنها من السور المكيه التي تركز على الإنذار والوعيد، حيث شاع فيها جو الرحمة والأنس والحنان، حتى قال خالد بن مَعْدان:«سورتا يوسف ومريم مما يتفكه به أهل الجنة في الجنة». وقال عطاء:«لا يَسْمع سورة يوسف محزون إلا استراح»(حاشية الصاوي على تفسير الجلالين).

مما يؤكد ذك ويؤيده أن سورة يوسف نزلت على النبيﷺ بعد سورة هود، حيث توالت عليه الشدائد وعلى المؤمنين، وخاصة بعد أن فقد ناصريه: فقد زوجه خديجة رضي الله عنها التي واسته بمالها وكلماتها، وحسن دفاعها، كما فقد عمه أبا طالب الذي كان محل هيبة وتقدير من قريش.

إذن..اشتد أذي الأعداء لرسول الله ﷺ،  وكانت فترةً عصيبةً، فنزلت سوره يوسف تسلية له وتخفيفاً عنه، وكأن الله عز وجل يقول لنبيه: لا تحزن يا محمد، ولا تنفجع لتجديد قومك وإيذائهم لك، فإن بعد الشده فرجاً، وإن بعد الضيق مخرجاً.. انظر إلى أخيك يوسف كيف نقله الله من المحنة إلى المنحة، فعاش حياة الطمأنينة والراحة والبشر والأنس، وجعل الله قصته بلسماً للبائسين، وعلاجاً للمبتلين، فجاءت سورة يوسف بأروع الأخبار وأمتعها، تبشر كل مكروب بكرب الفرج، حتى يعيش كلُ مُبتَلى على هذا الأمل، ومن ثمَّ يستطيع - بحول الله وقوته - أن يحول المحنة إلى منحة.

لقد مرَّ يوسف عليه السلام- في حياته بعدة محن، عاش محنة كيد إخوته له، ثم محنة البئر الذي ألقوه في غيابته (أي في قعره) وظلمته، ووحشته، وغربته والخوف، كما واجه - عليه السلام - محنة الرق وهو ينتقل كالسلعة من يد إلى أخرى، دون إرادة منه ولا حماية ولا رعاية من أبويه ولا من أهله، كما واجهته محنة كيد امرأة العزيز والنسوة، ومحنة السجن بعد رغد العيش في قصر العزيز.

لقد خرج يوسف - عليه السلام - من هذه المحن على اختلاف صنوفها، واستطاع برعاية ربه عز وجل أن يجتازها كلها متجرداً خالصاً، واستطاع أن ينتصر عليها، فقد منَّ الله عليه ومكّنه في الأرض، وكان وزيراً للاقتصاد في مصر آنذاك، وجمع الله بينه وبين أبويه وإخوته، وتحققت رؤياه، وها هو ذا يوجز

رحلته ومع تلك المحن، ويبرز المنح التي أثمرتها هذه المحن لمّا صبر وتجرد لربه سبحانه، إذ يقول رب العزة عز وجل على لسان يوسف عليه السلام: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) ۞ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) } (سورة يوسف)

*نموذج أيوب*

إنه نموذج عظيم في الصبر على الضراء، سجله رب العزة في كتابه الكريم بقوله تعالى: {۞ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ (84) }

(سورة الأنبياء)

فقصة أيوب من أروع القصص المؤثرة التي تبين لنا كيف نجتاز المحنة ونحولها إلى منحة، والآيتان المذكورتان - آنفاً - تُجملان القصة دون تفصيل، فتعرضان دعاء أيوب عليه - السلام - وسرعة استجابة ربه لدعائه، ففي اللحظة التي توجه فيها أيوب إلى ربه بهذه الثقة وبذلك الأدب الذي جعله يدعو بدعاء كله أدب وحاجة إلى الله تعالى - كانت الاستجابة الربانية السريعة، إذ لم يزد أيوب - عليه السلام - في دعائه على قوله:{أَني مَسنيَ الضُرُ}، ووصف ربه تعالى بقوله:{ وأَنتَ أَرحمُ الرّاحِمينَ}،

فكانت الرحمة الإلهية التي أنهت المحنة والابتلاء، حيث رفع الله عنه ضره في بدنه فشفاه وعافاه، ورفع عنه الضر في أهله فعوضه عمن فُقد منهم، ورزقه مثلهم، وقيل: هم أبناؤه، فوهب الله لهم مثيلهم، أو أنه وهب له أبناءاّ وأحفاداً.

ففي محنة أيوب درس للبشرية كلها، وفي صبر أيوب عبرة للبشرية كلها، وإنه لنموذج في الصبر والأدب وحسن التعامل مع المحن وحسن العاقبة، وإنه لمستوى راق تتطلع إليه الأبصار وتتمناه النفوس.

*نموذج يونس عليه السلام*

لقد أتت قصة يونس في أكثر من موضع من القرآن الكريم، ومن بين هذه المواضع ورودها مجملة موجزة في سورة الأنبياء، ومفصلة في سورة الصافات، ففي سورة الأنبياء ذكر الله تعالى ذا النون وهو يونس - عليه السلام - في قوله تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) }

(سورة الأنبياء)

وقصة ذلك أنه أرسل إلى قرية فدعا أهلها إلى الله فاستعصوا عليه، فضاق بهم صدراً وتركهم مغاضباً، ولم يصبر على معاناة الدعوة معهم، ظناً منه أن الله لن يضيق عليه الأرض، فهي فسيحة، والقرى كثيرة، والأقوام متعددون وقاده غضبه وضيقه إلى شاطئ البحر، فوجد سفينه فركب فيها،  حتى إذا كانت في اللجة ثقلت، وقال ربانها: لابد من إلقاء أحد ركابها في البحر كي لا تغرق، فساهموا( أي أجروا قرعة)، فوقعت على يونس فألقوه أو القى بنفسه، فالتقمه الحوت، مُضيقاً عليه أشد الضيق، فلما كان في الظلمات: ظلمة جوف الحوت وظلمة البحر، وظلمة الليل نادى: { أَن لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)} ( الصافات)، فاستجاب الله دعاءه، ونجاه من الغم الذي هو فيه، ولفظه الحوت على الساحل.

*نماذج أخرى*

قد يظن القارئ أن النماذج المذكورة لأنبياء، ومن ثم فلهم قدرات متميزة، فهم وإن كانوا بشراً لكنهم صفوة البشر، فكيف بالآخرين من غير الأنبياء؟!

لقد سُجن «الإمام أحمد بن حنبل» رضي الله عنه فصار إمام السنة، ورُمى «السرخسي» في قاع بئر معطلة، فأنتج عشرين مجلداً في الفقه، وأقعد ابن الأثير، فصنف «جامع الأصول»، ونفى ابن الجوزي من بغداد فجود القراءات السبع، وأصيب مالك بن الريب بحمي الموت، فأنشد قصيدته المبهرة التي تعدل دواوين الشعر في الدولة العباسية، ومعظم فتاوي ابن تيمية كتبها في السجن.

إنك إذا اقتفيت أثر هؤلاء الأنبياء وهؤلاء العظماء لاستطعت أن تحول الليمونة المالحة الحامضة إلى شراب حلو سائغ، فإذا ابتليت بمحنة فانظر إلى الجانب المشرق منها، وفكر كيف تحولها إلى منحة، فإذا ألقى عليك عدوك بثعبان فخذ جلده، واصنع منه حذاء، وتخلص من الضار منه، وإذا مرضت فاقتنص الفرصة للخلوة بالله عز وجل، والإكثار من التضرع والدعاء، والتذلل إلى الله، والشعور بضعفك وحاجتك إليه، وإذا قل ماؤك فاجعل ذلك فرصة لإعادة ترتيب أوراقك والتقرب إلى الله، وإحسان العمل، وكلما حلت بك محنة، ردد دائماً:{ إنّ رَحمتَ اللّه قَريبٌ مّنَ المُحْسِنينَ(٥٦)} (الأعراف)!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1236

88

الثلاثاء 28-يناير-1997

لا تركسونا في المحن من جديد

نشر في العدد 1228

90

الثلاثاء 03-ديسمبر-1996

المجتمع التربوي (1228)