العنوان السياسـة البوشارونية: يرسمها رئيس الوزراء الصهيوني ويتبناها الرئيس الأمريكي
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر السبت 03-أغسطس-2002
مشاهدات 58
نشر في العدد 1512
نشر في الصفحة 26
السبت 03-أغسطس-2002
في اليوم الذي وقعت فيه مذبحة غزة.. وافق الكونجرس الأمريكي على منح شارون 200 مليون دولار منحة إضافية.
لم تكن الهمجية الصهيونية التي تجلت في مذبحة حي الدرج بغزة الأولى، ولن تكون الأخيرة، حسب ما تنبئ به السياسات الصهيونية، فهي جاءت في سياق متواصل يغذيه التوجه الصهيوني بقيادة شارون نحو المزيد من العنف والوحشية ضد الفلسطينيين العزل، كما أنه متناغم مع سياسة الإدارة الأمريكية. نادرًا جدًّا ما تعترف الحكومة الصهيونية بأخطاء ارتكبتها بحق الشعب الفلسطيني، إلا أن ضغط المجتمع الدولي وتنديده بمجزرة غزة دفع مسؤولين صهاينة من ضمنهم رئيس الكيان ورئيس الكنيست، إلى إظهار وجه دولتهم «الحضاري» بالاعتراف بمسؤولية جيش الاحتلال عنها لكن شارون -كما هي عادته- لم يتراجع أو يتزحزح عن موقفه الذي اعتبر فيه ما حدث من أنجح العمليات التي نفذها جيشه في المناطق المحتلة، بل ذهب أبعد من ذلك عندما هنأ شعبه وجيشه بهذا النصر العظيم.
الآن يتساءل الإسرائيليون عن جدوى عملية كهذه قد تفتح عليهم بابًا من أبواب جهنم، مع أن المسرح السياسي كان يتهيأ لحلحلة الأزمة وإسكات المقاومة من خلال المبادرات السياسية المطروحة، والتي أثمرت قبل المجزرة بساعات إعلان حركة حماس استعدادها لتنفيذ هدنة مقابل انسحاب جيش الاحتلال من الضفة الغربية، وإذا كان المسؤولون الإسرائيليون -أمثال وزيري الخارجية والدفاع شمعون بيريز وبن إليعازر- زعموا أنهم أجلوا اغتيال الشهيد صلاح شحادة قائد كتائب عز الدين القسام ثماني مرات تجنبًا لإيقاع ضحايا بين المدنيين، فكيف يفسر هؤلاء ذبح ١٦ بريئًا منهم عشرة أطفال، وإصابة أكثر من ١٥٠ آخرين في المحاولة التاسعة؟! هل كانوا يتوقعون ضحايا أکثر أم أن هناك قنبلة «ذكية» كانوا سيستخدمونها تزن أكثر من طن؟! فمن المعروف أن قطاع غزة «۳۸۰ كيلومتر مربع» يعتبر من المناطق الأكثر كثافة سكانية في العالم، وبالتالي مهما كانت طبيعة الضربة في هذه المناطق، فلا شك ستوقع ضحايا أبرياء كثيرين.
ما هو واضح وأكيد أن سياسة شارون تهزأ من كل المبادرات والمحاولات لجمع مسؤولي السلطة مع مسؤولين صهاينة، وأن هذه السياسة تجري في واد بينما دعوات وأماني المجتمع الدولي بما فيه العربي تنام في وادٍ آخر! وحين يمعن شارون في سياسته العدوانية، فإنه يفعل ذلك مستندًا إلى تأييد شعبي كاسح لم ينعم به أي رئيس وزراء من قبل. ولعل استطلاع الرأي الذي أجرته صحيفة جيروزاليم بوست يوم ٢٥ يوليو الماضي يؤكد هذه الحقيقة، إذ إنه أشار إلى أن أكثر من ثلثي الإسرائيليين أيدوا مذبحة غزة «دون تحفظات»، وبالتالي فإن اعتذار عدد من المسؤولين الإسرائيليين واستقالة آخرين منهم ابنة رابين نائبة وزير الدفاع، ليست سوى حملة علاقات عامة أرادت تجميل الوجه الصهيوني الذي ازداد قبحًا.
أما الرئيس الأمريكي جورج بوش الذي لم يجد وقتًا يصف فيه شارون بأنه «رجل السلام» إلا في أعقاب مذبحة مخيم جنين، فقد اعتبرت إدارته أن مذبحة غزة كانت قاسية ومبالغًا فيها. وقد رد وزير الخارجية الأمريكية كولن باول على دعوات إعلامية وشعبية داخلية تطالب الحكومة الأمريكية بمنع جيش الاحتلال من استخدام الأسلحة الأمريكية في قتل الفلسطينيين، بأن هذه الإدارة مستمرة في مراقبة استخدام هذه الأسلحة من جانب القوات الإسرائيلية، وكأن كل المذابح التي ارتكبتها هذه القوات بحق الشعب الفلسطيني لم تكن بأسلحة أمريكية! ومع ذلك فإن الفيتو الأمريكي بانتظار أي مشروع قرار في مجلس الأمن يمكن أن «يقسو» على شارون وحكومته، أو يمكن أن يدهمها بتنديد. المفارقة العجيبة أن الكونجرس الأمريكي وافق على تقديم منحة إضافية للحكومة الإسرائيلية بقيمة ۲۰۰ مليون دولار، في اليوم نفسه الذي ذبحت فيه طائرات إف ١٦ الأمريكية - الإسرائيلية أطفال حي الدرج بغزة.
بشكل عام فإننا لا ننتظر من إدارة بوش أن تذرف دمعة واحدة على أطفال فلسطين الذين استشهدوا في غزة أو غيرها، لأنها دموع مذخورة للمدنيين الإسرائيليين الذين يقتلون في العمليات الإرهابية الفلسطينية، ثم إن الطائرات الأمريكية قصفت عرسًا بريئًا في أفغانستان وقتلت حوالي ٥٠ من أطفال أفغانستان ونسائها، فالحال إذن من بعضه!
شارون يدرك الأرق الذي يعيشه بوش هذه الأيام مع توالي فضائحه المالية هو ونائبه تشيني قبيل انتخابات الكونجرس النصفية في نوفمبر المقبل، وبالتالي فإنه يشعر أن يده مطلقة يفعل ما يشاء في المناطق الفلسطينية المحتلة، مطمئنًّا إلى أن أعنف رد فعل يمكن أن يواجهه من المجتمع الدولي بسبب جرائمه يمكن حمده بإشارة واحدة من إصبع بوش. إذن فإن العلاقة بين الرجلين بوش وشارون عضوية أو مصلحية، لا فرق، ما دامت تعطي نتيجة واحدة، وهي السكوت على الوحشية الصهيونية في فلسطين. وهل هناك من هو أكثر طواعية من بوش عندما يردد كلمات شارون حول فساد السلطة واستبدال عرفات؟ وبالتأكيد فإن بوش أبعد ما يكون عن إدراك وقائع تحدث في فلسطين، وهو الذي لم يكن يعرف ما يدور خارج ولايته تكساس(!).
إن واقعة واحدة حدثت في كوبنهاجن مؤخرًا تشير إلى أن هذا الكلام عن بوش ليس تجنيًا عليه. وأترك القارئ الكريم مع مقتطفات كتبها الإسرائيلي يوري أفنيري عن اجتماع كوبنهاجن:
«... سمعت خطاب بوش في كوبنهاجن والذي ذكرني على الفور بقصة مشهورة جدًّا وقعت في تلك المدينة بالذات، وهي قصة «ملابس الإمبراطور»، فالكل امتدح شيئًا في خطاب الإمبراطور «بوش»: الرئيس الفلاني أعجبه الأسلوب، ورئيس آخر أبدى إعجابه بلباسه، والوزير الفلاني أعجبته ياقة الإمبراطور، أما أنا فلم أشاهد أمامي إلا إمبراطورًا عاريًا (!) الكل يعرف أن خطابه كان غبيًّا، وربما كان أغبى خطاب يلقيه رئيس أمريكي، ولكن من يستطيع مواجهة زعيم القوة الوحيدة في العالم؟ إن طفلًا في الثانية عشرة من عمره سيشعر بالخجل لو قدم لأستاذه مثل هذا الإنشاء: الافتراضات لا أساس لها، الصورة العامة كأنها كاريكاتير، والاستنتاجات سخيفة، وأجزاء الخطاب يناقض بعضها بعضًا، إنه يقول: «إن على الفلسطينيين اختيار زعيمهم في انتخابات ديمقراطية، لكنهم ممنوعون من انتخاب زعيم لا يوافق عليه شارون وبوش!! مطلوب من الفلسطينيين إقامة نظام حكم ديمقراطي ليبرالي ومتعدد الأحزاب، بما في ذلك فصل السلطات بمساعدة عدد من الدول العربية! إن مثل هذا النظام لم يظهر في أوروبا إلا بعد صراع دام مئات الأعوام، وفي العالم العربي هو غير موجود. لم يأت بوش في خطابه على أي ذكر لموضوع الاحتلال، بل كان كل حديثه يدور حول الإرهاب.
إن عرفات -في نظر بوش- إرهابي، وهو فاسد وديكتاتور، وهذا ليس بحاجة لإثبات لأن شارون يقول ذلك، وشارون فوق الشبهات.
يجب القضاء على عرفات أو تغييره أو طرده أو حتى قتله.
وماذا سيحدث بعد القضاء علي عرفات؟ وفقًا لرأي بوش، الجواب بسيط جدًّا: «سيأتي فلسطينيون إصلاحيون، ويمكن إحضار بروفيسور فلسطيني من جامعة هارفارد أو أكسفورد لكي يتم تعيينه رئيسًا، ومن ثم يمكن إنشاء سويسرا الفلسطينية! لكن بوش لا يستطيع أن يتصور حدوث شيء مختلف، فالرجل الذي سيخلف عرفات سيتوجب عليه أن يثبت أنه ليس عميلًا للموساد أو سي آي إيه، ولذلك سيحاول أن يكون متشددًا أكثر من عرفات! وحتى ينجو من القتل بتهمة الخيانة، وهو احتمال قد يواجهه في اليوم الأول من الحكم، سيتحتم عليه التحالف مع حماس. إن مرشح القوى الوطنية والإسلامية هو الذي سيفوز بالتأكيد في انتخابات الرئاسة الفلسطينية القادمة.
هذا هو أفضل سيناريو يمكن أن يحدث، أما السيناريو الأسوأ فهو أنه لن يكون هناك أي قيادة بديلة على الإطلاق. المجتمع الفلسطيني سينقسم على نفسه إلى مئات المجموعات كل واحدة تقوم بعمليات انتحارية في الأراضي المحتلة، وفي إسرائيل، وحتى في الشرق الأوسط وبقية العالم، هذا ما يريده شارون لأنه سيمكنه من تنفيذ سياسته بخصوص التنظيف العرقي، ومن أجل ضم الأراضي الفلسطينية ومن ثم تحقيق حلمه الذي يراوده منذ خمسين عامًا».
يريد يوري أفنيري أن يؤكد تبعية الرئيس بوش لرئيس الوزراء الصهيوني شارون في السياسة الشرق أوسطية، وأن شارون يحقق أحلامه وأهدافه اعتمادًا على رئيس أمريكي لا يملك خبرة كافية في السياسة الخارجية.
السياسة البوشارونية إذًا تلقى رواجًا ودعمًا رسميًّا، باعتبار أن الرئيس الأمريكي هو الذي يتبناها أو يطرحها، وعندما يتحدث رئيس بحجم بوش وقوته لا بد للجميع أن ينصت ثم يقول: «آمين».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل