; المجتمع التربوي.. عدد 1659 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1659

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 09-يوليو-2005

مشاهدات 67

نشر في العدد 1659

نشر في الصفحة 52

السبت 09-يوليو-2005

آفات على الطريق

ما أكثر الأمراض الأخلاقية والآفات الاجتماعيّة التي يعاني منها بعض الأفراد والمجتمعات.. حريٌّ بنا أن نتوقف عندها ونحذِّر منها ونقدم علاجًا لها..

وقد اهتم فضيلة الدكتور السيد نوح بهذه القضية، وأصدر فيها أكثر من مؤلفوهذه المقالات التي بين أيديكم جديدة في موضوعها وطرحها ولم يسبق نشرها.

تضييع كل من الزوجين للآخر (٤من ٤)

سُبل الوقاية ووسائل العلاج

تناولنا في العدد الماضي ثمانية من وسائل سبل الوقاية ووسائل العلاج لآفة تضييع كل من الزوجين للآخر، وفي هذا العدد نذكر بقية الوسائل:

9- معاشرة كلّ من الزوجين صاحبه بالمعروف: ذلك أنَّ المعاشرة أو المباشرة ضرورة لاستمرار النوع الإنساني، فضلًا عن الإشباع العفيف النّظيف، وهي على هذا نعمة من أجل النعم، ينبغي شكرها، وشكرها إنّما يكون بالنظر إليها على النحو المذكور، والاستعداد التام لها، والتهيئة، والتمكين من الاستمتاع بكل الكيفيات عدا الدبر وأيام الحيضة.

عن جابر رضي الله عنه قالكانت اليهود تقول إذا جامعها من ورائها في قُبلها جاء الولد أحول فنزلت الآية﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة البقرة آية: 223).

وعن ابن عباس- رضي الله عنهما- قالكان هذا الحيّ من الأنصار- وهم أهل وثن- مع هذا الحيّ من يهود، وهم أهل كتاب، وكانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب ألا يأتوا النِّساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار، قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحاً منكراً، ويتلذذون منهن مقبلات، ومدبرات، ومستلقيات، فلما قَدِم المهاجرون المدينة، تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك فأنكرَتْه عليه، وقالتإنّما كنا نُؤتَى على حرف فاصنع ذلك وإلّا فاجتنبني، حتى شرى أمرهما، فبلغ ذلك رسول الله ، فأنزل الله عز وجل ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ  (سورة البقرة آية: 223) به أي مقبلات ومدبرات ومستقبلات يعني ذلك موضع الولد (٢).

وينبغي التقديم لذلك بالملامسة، والقُبلة، وكلّ أسباب الإثارة، والتهيئة، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة البقرة آية: 223).

وعلى المرأة ألّا تمنع نفسها من زوجها إلا لمانعٍ شرعي، وهذا يشمل:

عدم صيامها تطوّعا وزوجها حاضر إلّا بإذنه: يقول النبي ﷺ: «لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه» (۳).

إجابته ولو كانت تطهي طعامها، أو كانتْ على سفر: يقول النبي ﷺ: «إذا دعا الرجل زوجته الحاجته، فلنأته، وإن كانت على التنور» (٤).

ويقول أيضًا: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فلتجب، وإن كانت على ظهر قتب» (٥).

 وعلى الرجل كذلك أن يسعى لتحصين امرأته، ولا يهمل ذلك تحت أي ذريعة من الذرائع.

 فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان، وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذّلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت أخوك أبو الدرداء، ليس له حاجةً في الدنيا، فجاء أبو الدرداء، فقال له سلمانإن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق سلمان» (٦)

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قالأنكحني أبي إمرأة ذات حسب، فكان يتعهد كنته، فيسألها عن بعلها، فتقولنعم الرجل من رجلٍ لم يطأ لنا فراشًا، ولم يفتِّش لنا كنفًا منذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ألقني به» فلقيته بعد، فقال: «كيف تصوم؟» قلتكل يوم فقال: «وكيف تختم؟» قلتكل ليلة، وفي رواية قالقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم«يا عبد اللهألم أخبرك أنّك تصوم النهار، وتقوم الليل؟»، فقلتبلى يا رسول الله، قال: «فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم فإنّ لجسدك عليك حقًا، وإنّ لزوجك عليك حقًا» (۷).

 ١٠- أن يعي كل من الزوجين الطبيعة البشرية للآخر: ذلك أن الإنسان فيما عدا النبيين والمرسلين مجبول على الخطأ، وهو أيضًا مرهف الحس ورقيق المشاعر، وعلى كل واحد من الزوجين استيعاب ذلك، فيعذر قرينه إذا أخطأ ولا يأتي من السّلوكيات ما يجرح به إحساس غيره، ومشاعره.

جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» (۸).

١١- أن يتحرّر كل من الزوجين عما يشغله عن الآخر: ذلك أنّ الحياة الزوجية لا تستقيم ولا تدوم إلا بأن يعطي كل واحد من الزوجين نفسه للآخر، ولا يتحقق ذلك إلا بتحرر كل منهما عن كل ما يشغله عن الآخر من دنيا، أو أعباء خارجية، وإن كان ولا بد من الاشتغال بشيء من ذلك فلتكن الموازنة بين حق الأهل أو الزوج وبين هذه، على حد قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص: «... فإن لجسدك عليك حقًا... وإن الزوجك عليك حقًا».

وإقراره سلمان في وصيته لأبي الدرداء، رضي الله عنهما : «إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه»، والموازنة أن يكون لكل من الزوجين نصيبه من الآخر، ولو بمقدار ساعتين يوميًا، والإنقطاع لهما في يوم أسبوعي يعرف بيوم الأسرة

 12- ألا يتفرد كل من الطرفين بالمسؤولية دون الآخر: ذلك أنّ نجاح الإنسان في تنفيذ المهام المنوطة به، إنّما يتحقق بمشاركة الآخرين له هذه المهام، وانطلاقًا من ذلك فإن الحياة الزوجية لا تثمر تحقيق المهام المنوطة بها إلا باشتراك كل من الطرفين في هذه المهام، وتلك المسؤولية، وقد لفتَ رب العزة النظر إلى ذلك في قوله﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ  (سورة البقرة آية۲۳۲).

 كما لفتَ النبي صلى الله عليه وسلم النظر إلى ذلك في قوله: «كلّكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والأمير راع والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها، وولده، وكلكم مسؤول عن رعيته» (۹).

 ١٣- عدم تدَّخل الآخرين في حياتهما الزوجية بلا موجب: ذلك أنه إذا وعى الزوجان: أن تدخل الآخرين، ولو كانوا من أقرب المقربين في حياتهما الزوجية بلا موجب، ولا مبرر، يكون له أكبر الأثر في اتساع هوة الشقاق، والنزاع بينهما، وربما هدم الحياة الزوجية، إذا وعى الزوجان ذلك، فإنه يتولد لديهما الحرص على صيانة حياتهما الزوجية من تدخل الآخرين، وإن كانوا من أقرب المقربين، إلّا إذا كانت هناك مبررات وموجبات تقتضي ذلك، كما قال الله عز وجل﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (سورة النساء آية: 35).

١٤ألا يستمع الزوجان للأفكار الهدامة: ذلك أّنّ هناك جهات تحمل في صدرها حقدًا وكراهية للأسرة في الإسلام وبنيانها على أساس من تقوى الله، ومبادئ شرعه الحنيف، وتعمل هذه الجهات على تصديع بنيان هذه الأسرة، والقضاء عليها بتصدير ما لديها من أفكار مسمومة، ومبادئ هدامة، وعلى الزوجين ألا يسمعا إلى هذه الأفكار وتلك المبادئ صيانة للأسرة من التصدع والانهيار.

15- الانتصار للحق وحدهذلك أنه إذا أيقن كل من الزوجين أنّ الخلاف بين بني البشر سنة بشرية لتفاوت العقول، واختلاف البيئات، يتنوع المعرفة، وتباين الأدلة، وأنّ المطلوب تجاوز الخلاف، أو تضييق هوته على الأقل بغية بلوغ لصواب والحق، وإنْ خالف هوى النفس فإنّه يجاهد نفسه على أن يكون الانتصار للحق والحق وحده، وإن خالف هوى النفس، وبذلك تسلم الحياة الزوجية من أي اهتزازات أو تصدُّع.

 16- تحرر كل من الزوجين من مقارنة الطرف الآخر بالغير: ذلك أن الحياة الزوجية إذا بنيت على أساس مقارنة كل واحد من الطرفين بالآخر بالغير، فإن مآلها التصدع والانهيار، وعليه فإذا أراد الزوجان استمرار الحياة الزوجية خالية من أي تشقق أو تصدع، فإن عليهما التحرر من هذه المقارنة، إذ الناس ليسوا سواء خلقًا وخلقًا، إذا كان الأمر كذلك فلا داعي للمقارنة، وليقل كل واحد من الزوجين إن قرينه هو قسمه من الله، وليوطن نفسه على الرضا بهذا القسم، عند ذلك تسلم الحياة الزوجية من أي تصدع أو انهيار.

 ۱۷اكتساب الخبرات والتجارب المفيدة: ذلك أنّ الحياة الزوجية لا تنمو إلا بالخبرات والتجارب، وإذا حرص كل من الزوجين على اكتساب الخبرات والتجارب تارة بالقراءة، وتارة بالسماع، وتارة بالمشاهدة، وتارة بالممارسة، وتارة بالسؤال، وحاولا استثمارها الاستثمار اللائق الصحيح، فإن ذلك يساعد لا محالة على تنمية الحياة الزوجية وحفظها من أي تصدع أو انهيار.

 ۱۸التزود بالتقوى: ذلك أن الحياة الزوجية عشرة إلى نهاية الحياة، وطريقها كلها عقبات، ومعوقات، ولا سبيل لاستمرار هذه العِشرة وسلامتها وسط العقبات والمعوقات إلا التزوُّد بزاد التقوى، وذلك بترك كل ما يبغضه كله من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، فلا رياء، ولا إعجاب بالنفس ولا غرور، ولا تكبر، ولا اتباع للهوى، ولا إسراف ولا تبذير، ولا شح ولا تقتير، ولا ظنون كاذبة، ولا عجلة في إصدار الأحكام، ولا غيبة، ولا نميمة، ولا فوضى، ولا تشاؤُم، ولا تنطُّع، ولا مِراء، ولا جَدَل، ولا غضب للنفس، ولا حقد، ولا حسد، وإنما هنالك المحافظة على الفرائض والنوافل، وتحمل الأذى، والعفو عند المقدرة، وصناعة المعروف، والحرص على أكل الحلال... إلخ.

١٩- قيام المجتمع بالإصلاح بين الزوجين: ذلك أنّ هناك نوعًا من الشقاق بين الزوجين لا يمكن درؤه إلا بتدخل الآخرين، وقد نبّه الشرع الحكيم إلى ذلك في قوله سبحانه﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (سورة النساء آية: 35)، وعلى المجتمع أن يستجيب لدعوة الزوجين للإصلاح والحكم بالقسطاس المستقيم كي يوفق المولى سبحانه، ويتم الإصلاح.

۲۰قيام ولي الأمر بواجبه: ذلك أنّ الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، فإن استعصى الإصلاح، ورفع الأمر إلى السلطان فليحرص على القيام بواجبه في ردم هوة الخلاف، بما لديه من إمكانات ليستْ لدى غيره، فإن استعصى ذلك، فليقف إلى جوار الطّرف الضعيف بعد التدقيق والتحري، وليستعن بالله.

 ۲۱أن يكثر الزوجان من النظر في سير السلف في حياتهم الزوجية: ذلك أنّ لدينا نحن المسلمين تجارب رائعة في كل ميدان، ومن بينها حسن العشرة بين الزوجين، فقد أثر عن أسماء بنت أبي بكر إعانتها بجهدها، لزوجها الزبير بن العوام في بيته، وأرضه، ودوابه، وصبرها على شدته، وغيرته، تبتغي الأجر من الله تبارك وتعالى، وهذا الإمام الشعبي عامر بن شراحيل علامة التابعين، وأمهر القضاة في عصره، يقولعشتُ مع أهلي ما عشتُ فما رابني منهم شيء أبدًا، وهذا أحمد بن محمد المعروف بابن المظفر التركماني الأصل القاهري، الشافعي توفى 8٩٦هـ يحكي عن أمه وأبيه التونسية أنهما عاشا زوجين خمسين سنة لم يختلفا يومًا واحدًا (١٠).

إنّ الإكثار من النظر في سير هؤلاء السلف له أعظم الأثر في استقامة الحياة الزوجية وصلاحها.

 ٢٢- أن يشاهد الزوجان القدوات الحية للأسر ذات الترابط والتماسك: إنّ مشاهدة ومعايشة هذه الأسر القدوات الحيّة له أعظم الأثر القضاء على أي شقاق بين الزوجين، وراب الصّدع، وإضفاء جو من حُسن العشرة، ودوام الصَّلاح والاستقامة.

 ٢٣أن يذكَّر الزوجان بالآثار المترتبة على انهيار الأسرة: ذلك أن المرء ينسى وأعظم علاج للنسيان إنّما هو التذكير الدائم

قال سبحانه﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الذريات آية: 55).

وعليه فإنّ من عوامل تقوية علاقة كل من الزوجين بالآخر: دوام التذكير بالعواقب والآثار المترتبة على انهيار الأسرة، مع التنويع والتلوين في أساليب التذكير.

 ٢٤- الدعاء: ذلك أنّ الدعاء هو العبادة، سواء أكان دعاء مسألة وطلب، أم دعاء ثناء على الله تعالى، وقد علّمنا ربنا أن نقول﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (سورة الفرقان آية: 74).

كما علّمنا أيضاً أن تقول ﴿ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (سورة البقرة آية: 201).

إنّ الزوجين إذا واظبا على الدعاء بنوعيه، فإن الله يستجيب ويصلح من شأن هذا البيت، ويزرع الحب والثقة والمودة بين الزوجين، فقدوم العشرة إلى الممات.

الهوامش

(1) أخرجه البخاري ومسلم عن جابر.

(۲اخرجه أبو داود من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بهذا اللفظ

(3) اخرجه البخاري ومسلم كلاهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا

(٤أورده السيوطي في الجامع الصغير، وعزاه إلى النسائي، والترمذي من حديث طلق بن علي، وقال صحيح وأقره الألباني.

(٥أورده السيوطي في الجامع الصغير، وعزاه إلى البزار من حديث زيد بن أرقم.

(6) أخرجه البخاري والترمذي من حديث أبي جحيفة عن سلمان مرفوعًا به.

 (۷أخرجه البخاري ومسلم والنسائي كلهم من حديث عبد الله بن عمرو.

(۸أورده السيوطي في الجامع الصغير، وعزاه إلى أحمد في المسند، والترمذي وابن ماجه في السنن والحاكم في المستدرك من حديث أنس.

 (۹أخرجه البخاري.

(۱۰انظرالضوء اللامع للسخاوي ۱۰۷/۲  ۱۰۸ بتصرف.

من سبل العلاج.. حسن العشرة.. مراعاة كل منهما لطبيعة الآخر.. والانتصار للحق لا للهوى.

توفيق علي

حتى يسعى نورنا بين أيدينا يوم القيامة

الأعمال التي لها نور:

أولًا: نور لا إله إلا الله:

قال ابن القيمرحمه الله-: «أعلم أن أشعة لا إله إلا الله»، تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الإشعاع وضعفه، فلها نور، وتفاوتَ أهلها في ذلك النورقوَّةً وضعفًا- لا يُحصيه إلا الله تعالى

فمن الناس: من نور هذه الكلمة في قلبه كالشّمس

ومنهم: من نورها في قلبه كالكوكب الدري.

- ومنهم من نورها في قلبه كالمشعل العظيم.

وآخر كالسرِّاج المضيء.

وآخر كالسِّراج الضعيف.

ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم، وبين أيديهم، على هذا المقدار، بحسب ما قلوبهم من نور هذه الكلمة؟ علمًا وعملًا ومعرفة وحالًا.

ثانيًاالصلاة نور:

عن أبي مالك الحارث الأشعريرضي الله عنهقالقال رسول صلى الله عليه وسلم «.... والصلاة نور..» (1).

وروى عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة نور المؤمن» (۲).

1- الصلاة نور في الدنيا:

فهي للمؤمنين في الدنيا نور في قلوبهم وبصائرهم، تشرق بها قلوبهم، وتستنير بصائرهم، ولهذا كانتْ قرة عين المتقين كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «جُعِلتْ قرة عيني في الصلاة»(3).

وخرج الهيثمي من حديث عُبادَة بن الصامت مرفوعًا: «إذا حافظ العبد على صلاته، فأقام وضوءها، وركوعها، وسجودها، والقراءة فيها، قالت لهحفظك الله كما حفظتني، وصعد بها إلى السماء ولها نور حتى تنتهي إلى الله عز وجل فتشفع لصاحبها» (٤).

2- الصلاة نور في القبر:

وهي نور للمؤمنين في قبورهم ولا سِيَّما صلاة الليل كما قال أبو الدرداء: «صلوا ركعتين في ظلم الليل لظلمة القبور».

وكانتْ رابعة العدوية قد فترتْ عن وردها بالليل مرةً فأتاها آت في منامها فأنشدها

صلاتك نور والعباد رقود 

                    ونومك ضدّ للصلاة عنيد 

3- الصلاة نور في الآخرة:

وهي في الآخرة نور للمؤمنين في ظلمات يوم القيامة، وعلى الصراط، فإنّ الأنوار تقسم لهم على حسب أعمالهم.

عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه ذكر الصلاة فقال: «من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها، لم يكن له نور ولا نجاة ولا برهان» (٥).

 ثالثًاالشيبة في سبيل الله نور:

قال عمرو بن عبسةسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «... وأيّما رجل شاب شيبة في سبيل الله فهي له نور» (٦).

رابعًاالمَشَّاؤون في الظّلُم لهم النور التام يوم القيامة:

عن بريدة الأسلمي: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» (٧).

قوله: «بشر المشائين»: المشائينجمع المشاء وهو كثير المشي.

«بالنور التام» الذي يحيط بهم من جميع جهاتهم، أي على الصراط لما قاسوا مشقة المشي في ظلمة الليل جوزوا بنور يضيء لهم ويحيطهم، قاله المناوي.

 وقال الطيبي في وصف النّور بالتام وتقييده بيوم القيامة تلميح إلى وجه المؤمنين يوم القيامة في قوله تعالى﴿نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ (سورة التحريم آية: 8)، وإلى وجه المنافقين في قوله تعالى﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ (سورة الحديد آية: 13).

خامسًاالمتحابون في الله على منابر من نور:

عن عمر بن الخطاب قالقال النبي صلى الله عليه وسلم «إنَّ من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانها من الله تعالى- قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم تخبرنا من هم؟ قال: هم قوم تحابُّوا بروح الله على غير أرحامٍ بينهم ولا أموال يتعاطونها.. فوالله وجوههم لنورٌ، وإنَّهم على نور لا يخافون إذا خافالناس ولا يحزنون إذا حزن الناس (۸). 

«هم قوم تحابّوا بروح الله»:

قال الخطابي: فسروه القرآن وعلى هـم ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ (سورة الشورى آية: 52) سماه روحًا والله أعلم لأنّ القلوب تحيا به كما يكون حياة النفوس والأبدان بالأرواح.

وقيل أراد به المحبة أي يتحابون بما أوقع الحب في قلوبهم من المحبة الخالصة لله تعالى.

«إن وجوههم لنور»: أي منورة أو ذات نور.

«لعلى نور»: أي على منابر نور (۹).

سادسًاالذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولّوا على منابر من نور:

عن عبد الله بن عمرو قالقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المقسطين عند الله على منابر من نور على يمين الرحمنعز وجلوكلتا يديه يمين الذي يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولّوا» (١٠). 

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (سورة النساء آية: 135).

قال الإمام ابن كثيريأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط أي بالعدل، فلا يعدلوا عنه يمينًا ولا شمالًا ولا تأخذهم في الله لومة لائم ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه.

وقوله « شُهَدَاءَ لِلَّهِ » كما قال «وأقيموا الشهادة لله» أي أدُّوها ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكن صحيحة عادلة حقا خالية من التحريف والتبديد والكتمان ولهذا قال ﴿وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾ (سورة النساء آية: 135)، أي اشهدْ الحقَّ ولو عاد ضررها عليك، وإذا سُئِلتَ عن الأمة فقل الحق فيه ولو عادت مضرّته عليك فإن الــلَّه سيجعل لمن أطاعه فرجًا ومخرجًا من كل أمة يضيق عليه.

وقوله ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (سورة النساء آية: 135)  أي وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك فلا تراعهم فيها، بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم فإن الحق حاكم على كل أحد.

وقوله «إن يكن غنيًا أو فقيرًا فالله أولى بهما» أي لا ترعاه لغناه، ولا تشفق عليه لفقره والله يتولاهما بل هو أولى بهما منك وأعلم بما فيه صلاحهما.

وقوله ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ﴾ (سورة النساء آية: 135) أي فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس إليكم على ترك العدل في أموركم وشؤونكم، بل الزموا العدل على أي حال كان كما قال تعالى: ﴿َولَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ﴾ (سورة المائدة آية۸)

ومن هذا قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزرعهم فأرادوا أن يُرْشوه ليرفق بهم فقالوالله لقد جئتكم من عند أحبّ الخلق إليّ، ولأنتم أبغض إليّ من أعدادكم من القردة والخنازير، وما يحملني حُبي إياه وبغضي لكم على ألّا أعدل فيكم، فقالوابهذا قامتْ السموات والأرض.

 من أدعية الرسول صلى الله عليه وسلم:

عن ابن عباس قالقالكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: «اللهم اجعل لي نورًا في قلبي ونورًا في قبري ونورًا من بين يدي ونورًا خلفي ونورًا عن يميني ونورًا عن شمالي ونورًا من فوقي ونورًا من تحتي ونورًا في سمعي ونورًا في بصري ونورًا في شعري ونورًا في بشري ونورًا في لحمي ونورًا في دمي ونورًا في عظامي، اللهم أعظم لي نورًا وأعطني نورًا وأجعل لي نورًا، سبحان الذي تعطّف العز وقال به، سبحان الذي للس المجد وتكرم به، سبحان الذي لا ينبغي التسبيح إلا له.. سبحان ذي الفضل والنعم.. سبحان ذي المجد والكرم.. سبحان ذي الجلال والإكرام» (۱۱).

الهوامش

(1) رواه مسلم.

(۲رواه أبو يعلى (۳٦٥٥)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (۱۷۱و (۱۷۷والقضاعي (١٤٤وإسناده ضعيف.

(۲رواه أحمد من حديث أنس (١٩٦/٣٢٨٥ والنسائي (۱۱/۷-۱۲).

(2) أورده الهيثمي في المجمع (۱۲۲/۲)، ورواه الطبراني في الكبير والبزار (۲۵۰بنحوه.

(۵رواه أحمد، ١٦٩/٢)، وصححه ابن حبان (١٤٦٧).

(6) مسند أحمد،١٨٦٢٢ ).

(۷الترمذي، (۲۰۷).

 (۸سنن ابی داود (۲۰۱۰).

(9) عون المعبود شرح سنن أبي داود.

(۱۰صحيح مسلم ج ١٤٥٨/٣). رقم الحديث (۱۸۲۷).

(۱۱أخرجه الترمذي ٣٣٤١).

نحو المسجد الأقصى

 

في الطريق إلى المسجد الحرام تذكرتُ قبلتنا الأولى

في ظلمة الليل وقرب الفجر وبينما نحن في طريقنا إلى المسجد الحرام في ظلّ صحبة مباركة متعاونة على ذكر الله ومتآلفة على الحب في الله، تبارى كل صاحب في إخراج مكنونات صدره من مشاعر تجاه المسجد الحرام لما له من عظيم الشرف والفضل على سائر المساجد وماخصّه الله به من الرحمة والبركة.

وكذلك تجاه أمّ القرى لما فيها من ذكريات أبي الأنبياء الخليل وزوجه السيدة هاجر والذبيح إسماعيل جد الحبيب المصطفى عليهم جميعًا الصلاة والسلام، كانتْ الخواطر مفعمة بمعاني الشكر لله وطلب المغفرة والتوبة على أعتاب المسجد الحرام، وأثناء ذلك مثُلَت أمام ناظري صورة قبلتنا الأولى، ومسرى نبينا الكريم يعلوها الهم ويكسوها الحزن والفم، مكبّلة في أغلالها.. عاتبة علينا جميعًا.. كيف يا بني تفرحون ولا تبكون.. أين نصيبي يا بني مما تعملون أو تقولون؟ ألم أكن يومًا قبلتكم.. ومسرى نبيكم؟

 أليس للصلاة في فضل؟ أنسيتم يا بني فضلي أم غاب عنكم أسْري.. ألا ترون عبث إخوان القردة والخنازير بي وبأهلي! خجلتُ من نفسي وتساءلتُأين السبيل إليك يا أقصى؟ كيف نصلي فيك ونعيد؟ هل من سبيل إلى جدرانك الزكية فنطوف ونلمس وإلى ثراك الطاهر فنقبل.. بل كيف نؤدي حقك علينا يا أقصى؟.. رأيته غاضبًا مكفهرًا.. ألم يأنِ لك يا بني أن تعرف الطريق وتسلكأنسيت يا بني صورة الفاتح الخليفة الزاهد الفاروق، كيف قاد وسار ففتح بثياب مرقعة بالية وجواد يحمله وخادمه وهو حاكم الدنيا؟! لم تغرُّه الدنيا ولم يلتفت إليها.. كان شعاره: يا دنيا غرِّي غَيْري.. لم تأخذه الإمارة إلى ظلم الناس وقهرهم.. فمسلكه: «متی استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمَّهاتهم أحرارًا»؟.. عاش خادمًا للناس، حارسًا لدينهم لا قاهرًا لهم مستعبدًا إياهم، يا بني ألم تخطر ببالك يومًا صورة المحرّر صلاح الدين الذي تربى على مائدة القرآن وتأدّب بآدابه وعاش في ظلاله؟ ألا تُسائِل نفسك يا ولديكيف حرره بعد دنس قارب التسعين عامًا؟ ألم تره تربَّى في أحضان العلم والعلماء فكان نتاجًا طاهرًا لفرس سلسلة من العلماء المجاهدين العاملين!.

ألا تتأمل سيرته لترى خشيته لله وإقدامه وشجاعته في الحق ونذر حياته لي.. وحزنه على ضياعي حتى إنّه لا يضحك أبدًا، فإذا سُئِل أجابكيف أضحك والأقصى أسير؟

ألم تعرف من سيرته أنه لم يحج لأنه لم يتوفر الديه ما يحج به وهو قائد المسلمين وتحت يديه خزائن أموالهم

ألم تنظر إليه متفقدًا خِيام الجند فيرى النائم فيقولمن هنا تأتي الهزيمة، ويرى القائم لله فيقول من هنا يأتي النصرا

نظر الأقصى فرأى أمارات الدّهشة في محياي فأخذ بيدي وقالتعال يا بني فاقرأ:

﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (سورة التوبة آية: 41).

الجهاد في سبيل الله يا بني.

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (سورة آل عمران آية: 169)، الشوق إلى الشهادة يا بني.

﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (سورة الحج آية: 40)، اليقين في نصر الله يابني.

اقرأ يا بني ﴿َفإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (سورة الإسراء آية:7)، العبودية الكاملة لله يا بني.

عندها رأى الأقصى معالم المعرفة بارزة في مخيِّلتي ونظراتي فقال لي مودّعًاإلى لقاء قريب في أحضاني.. هذا هو سبيلك واضح يا بني لإسعادي فإن كنت كذلك فأنتَ بعون الله سالك إليّ السبيل.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل