العنوان النيابة.. خصائصها وخصوصياتها
الكاتب حسن عريبي
تاريخ النشر السبت 25-أكتوبر-2003
مشاهدات 52
نشر في العدد 1574
نشر في الصفحة 44
السبت 25-أكتوبر-2003
يقال في اللغة: ناب هذا عن هذا أي قام مقامه، وتعتبر النيابة في الاصطلاح تفويض الأمة أمر الدفاع عن حقوقها لمجموعة من الأشخاص تراهم مؤهلين لذلك في حال المجالس النيابية والولائية والبلدية، ولشخص واحد في حال الرئاسة أو الإمامة العظمى كما يقال، وأن الأغلبية هي المحكمة في هذا التفويض ولا اعتبار بالبقية. ويقع الاتفاق حول هذا الأمر بين الشريعة الإسلامية وما تقره الديمقراطية القديمة والحديثة على السواء.
إن أول مجموعة برلمانية في الإسلام هي تلك التي بايعت الرسول ﷺ وهو في مكة حين جاءه جمع غفير من الأنصار فقال لهم الرسول أخرجوا إليّ اثني عشر من نقبائكم فاختار الجمع أولئك النفر ونابوا عنهم في التمثيل وفي بيعة الرسول ﷺ.
وفي الإسلام يصل أمر نيابة الإنسان عن الإنسان بتفويض منه حتى إلى بيت الزوجية فمن قال لرجل أوكلت إليك أمر بيتي وطلق هذا الأخير زوجته وقع الطلاق، ومن أوكل أمر تجارته بعقد إلى رجل آخر مثله ذلك الرجل في كل شيء وهكذا دواليك.. فالعقد شريعة المتعاقدين.
والعقد بين النائب والأمة التي أنابته عنها إنما هو في الدفاع عن حقوقها والحرص ما أمكن على دفع الظلم الذي يقع عليها وإيجاد الحلول للنوازل المحدثة التي تقع، فإن تخلى أو تهاون عن أداء هذا الواجب فهناك النصوص القانونية التي تخوِّل للجهات المعنية نزع الثقة منه، وذلك قبل إتمام العهدة، وهناك الأمة التي تقف له بالمرصاد إن لم يتح وأتم عهدته، ورشح نفسه مرة أخرى، وذلك حين تشيح بوجهها عنه وتنتخب غيره وفق قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص: 26). وقوة النائب تكمن في الأمة التي ينوب عنها وهو الذي يرى نفسه قويًا حين يكون في خدمتها ويرى نفسه أضعف من كل ضعيف حين يرى نفسه في خدمة نفسه لا غير.
ألا ترى أن كل من له الاستعداد الكامل والحماس الفياض للدفاع عن الأمة هو -في كل مرافعاته- سواء تعلق الأمر بالأسئلة الشفوية أو الكتابية أو استجواب الحكومة في أمر من أمور الساعة شجاع لا يهاب النقد وقوي لا يعتريه ضعف وأمين في الدفاع عن موكليه دون مواربة ولا مداهنة ولا استسلام.
وأما الذي يشعر في قرارة نفسه أنه لا يمثل الأمة ولا يدافع عن حقوقها فتراه كالعرجون القديم وإذا تكلم فهو «ألكن» لا يكاد يبين وإذا صمت فسيطول صمته إلى غاية انتهاء العهدة.
وكم من نائب ضمته قبة البرلمان ولم ينبس ببنت شفة وغادر البرلمان ولم يترك لنفسه أثرًا يُذكر في التاريخ وبين الناس.
وما دامت النيابة تمثيل جزء من الأمة برضاها وبتفويض منها فأود هنا الإشارة إلى أن الأمة عن طريق الأحزاب تفوض من فوضته تلك الأحزاب بما يعني أن اختيار الشخص النيابة لم يكن في البدء اختيارا من الأمة، بل من الحزب ثم اختارت الأمة -ممن قدمتهم الأحزاب- من يمثلونها في البرلمان.
وفي ضوء هذا يمكننا أن نطرح السؤال:
1- هل الأحزاب كلها صادقة في انتقاء الرجال؟
2- وهل تم الانتقاء على حساب الولاء الشخصي للحزب أو للجهة أم على حساب أشياء أخرى؟
3- هل الفكر في الاختيار مقدم على التمثيل الشعبي أم العكس؟
4- وهل يتقدم الفكر على المال أم العكس أم حسب الظروف والأحوال؟
5- وهل الأولوية للنضال وصالح الأعمال أم للأسماء الكبيرة وإن لم يكن لها نضال؟
أسئلة لو طرحناها على جميع الأحزاب لما استطاعت أن تجيب بنزاهة وصدق وشفافية لأن اختيار الرجال هو أصعب مرحلة وأصعب عقبة. وعلى ضوء ذلك الاختيار تكون إما إلى تقدم وازدهار وإما إلى تخلف وانكسار.
إنك حين تريد اختيار فريق في الرياضة سواء كانت كرة أو ملاكمة أو سباحة وأنت تعلم أن ذلك. الفريق سيمثل بلدك، ثم جاء اختيارك بناء على القرابة الشخصية والولاءات الضيقة فرشحت من ليس أهلًا للفوز، فإنك بذلك خذلت وطنك وخذلت أمتك وكنت سببًا في هزيمة نكراء.
قال رسول ﷺ: «من ولى رجلًا وهو يرى أن في الأمة من هو أفضل منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين».
إنني من هذا المنطلق أحاول أن أضع نقاطًا أساسية يتم على صوتها اختيار الرجال لتختارهم الأمة وأرى أن اختيار الرجال لدى حزب معارض لتمثيل الأمة، يختلف كثيرًا عن اختيار الحزب الحاكم لرجاله، لأن الحزب المعارض يضع الأولوية في اختيار الرجال لأمور ليست من أولويات الحرب الحاكم.
فالحزب الحاكم مثلًا يحتاج لتكنوقراطيين أكثر من احتياجه إلى مفكرين في العلوم الإنسانية، سياسة وأدبًا وقانونًا وتاريخًا وفقهًا، بخلاف الحزب المعارض الذي يحتاج إلى هؤلاء احتياجه إلى الماء والهواء، فيهم يصل إلى عقول الناس وقلوبهم، وبهم يخوض المعارك الإعلامية، وإن الانتصار السياسي يسبقه أولًا الانتصار الإعلامي والعكس صحيح.
فالنتائج الضحلة التي حصدتها بعض الأحزاب الجزائرية إعلاميًا في التشريعيات الأخيرة ٣٠ مايو ٢٠٠٢م وهي التي فازت في الاستحقاقات السالفة بالصدارة جاءت على إثر هزائم إعلامية نكراء.
ومن أراد أن يتتبع مثلًا هزائم هذه الأحزاب إعلاميًا فعليه أن يعود إلى الأرشيف ليجد أن دورها الإعلامي كان غائبًا تمامًا في التعبير عن توجهاتها. وأن دورها في الرد على منتقديها ليس له أثر على الإطلاق، وعلى أساس الهزيمة الإعلامية تأتي الهزيمة السياسية لأن الهزيمة الإعلامية بمثابة البذور المزروعة في ذاكرة الأمة حتى إذا لم تجد من يبطل مفعول نموها نمت وأثمرت، وحصد الحزب ثمارها المرة يوم الانتخاب.
إن النقاط الأساسية في اختيار الرجال التي أريد الإشارة إليها ويتعلق الأمر هنا بالحزب المعارض وليس الحاكم هي كالتالي:
1- الأولوية للشخصية الفكرية الدعوية.
2- الأولوية للشخصية الاقتصادية.
3- لأولوية للشخصية الاجتماعية.
4- الأولوية للشخصية السياسية والقانونية.
1- الشخصية الفكرية الدعوية:
إن الأحزاب المعارضة حين تريد الحياة إنما تحيا بالقلم والأفكار، وإن القلم الذي يعجز عن إيصال مفاهيم الحزب وتصوراته إلى الأمة عبر الرسائل والكتب والصحف ليس جديرًا بأن يُقال له قلم، إذ لا يغني السيف في يد الجبان عن الأمة المجاهدة شيئًا، ولا يعني القلم في يد من لا يحسن استخدامه عن الأمة والحزب الذي يريد إقناع غيره بتوجهاته شيئًا، وكلا الشيئين: السيف والقلم يصبح أداة للهزيمة وهما من هما في كسب الانتصارات.
لقد ألمني كثيرًا انبهار كثير من الأحزاب بأسماء تبدو كبيرة لدى الأمة كالدكتور فلان والدكتور فلان «في تخصص علمي تجريبي» وسعيها من أجل جلب هذه الأسماء حتى تحظى بالصدارة في قوائمها الانتخابية وهي أسماء تعجز في حال وضعها في مقياس الفكر والدعوة عن التعبير عن معنى متخصصها نفسه بلغة فلسفية وأدبية راقية تذهب بألباب الناس فضلًا عن تعبيرها عن المفاهيم والأفكار والثوابت التي يرتكز عليها الحزب.
وإذا كان هذا الأمر حقيقة، فما الفائدة التي تجنيها هذه الأحزاب من هذه الأسماء؟
إن القرآن حين نزل بدأ بالقلم ﴿اقْرَأْ باسم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: 1)، وإن أولوية القلم في اختيار الرجال يجب ألا تؤخر، وتعمد تأخرها يخفي مشروعًا هدفه خفض من أشاد الله برفعته ورفع من دونه في الأولوية والرفع والارتفاع.
إذًا فاختيار الشخصية الفكرية والدعوية -بالنسبة إلى الحزب المعارض الذي يريد الوصول إلى السُلطة من أجل وضع تصوراته وأفكاره موضع التنفيذ- ضرورة ذلك أنك بعشرة نواب من أصحاب الفكر والدعوة بين دفتي القوة والأمانة وتحت قبة البرلمان تستطيع أن تحظى بإجلال الأمة واحترامها وثقتها عندما ينطلق أولئك النواب العشرة كالسيل العرم خطابة وكتابة فيشغلون الورى ويملؤون الدني بالفكر النيّر الجميل.
2- الشخصية الاقتصادية:
إن البرنامج الاقتصادي لكل حزب له أهميته الكبرى لدى الأمة من ناحية، وكذلك الرصيد الاقتصادي للحزب له مفعوله في بقاء حضوره على الساحة، ولذلك لا بد للحزب من رجال اقتصاد، أي رجال مال، والحزب لا بد أن يزاوج بين الفكر والمال وهما كالجناحين بالنسبة إليه إذا فقد أحدهما لا يستطيع أن يطير.
فالفكر جناح وقد تحدثنا عنه، والمال جناح وهو أيضًا له الدور الأساسي في التمكين للحزب وبسط نفوذ أفكاره ومشاريعه في المجتمع، فكل شيء في عالم اليوم لا بد له من مال بدءًا بالتجهيز وانتهاء بالمشاريع الكبرى للحزب.
العقد بين «النائب» والأمة يلزِمه بالدفاع عن حقوقها ودفع الظلم الذي يقع عليها.. فإن تخلى أو تهاون سقطت الثقة الممنوحة له.
المشلول.. والأعمى:
والنائب صاحب المال الذي يسخّر ماله في خدمة الأمة وينال ثقتها لا بد له من أولوية تجعله جناحًا تعتمد عليه الأمة في الوصول إلى مبتغاها. وأورد مثلًا هنا عن الفكر والمال اللذين لا بد أن يتحالفا ويتزاوجا حتى تتمكن الأمة من تجاوز محنتها.
وهذا المثل هو أن الذي يملك فكرًا ولا يملك مالًا كالمشلول والذي يملك مالًا ولا يملك فكرًا كالأعمى، وإذا كان هذان الرجلان «المشلول والأعمى» لهما غاية واحدة وهدف واحد، فلا بد لهما من تحالف حتى يصلا سويًا إلى الهدف المنشود. وخير تحالف هو أن يحمل الأعمى المشلول فيبين المشلول للأعمى الطريق ويصلان معًا بسلام.
وأما الاقتصاد بمعنى الاختصاص فهو مغالية مشروع لمشروع وفكرة لفكرة، والأقوى من الاقتصاديين هو الأولى بالفوز.
وعلى هذا الأساس لا عيب في أن يبحث الحزب عن نائب صاحب مال أو صاحب اختصاص في الاقتصاد فبهما يصل إلى مبتغاه شريطة أن تتوافر فيه الشروط الأخلاقية كالقوة والأمانة والشجاعة والكرم والوفاء.
2- الشخصية الاجتماعية:
وهذه الشخصية التي وضعناها في المرتبة الثالثة هي كما نعرفها في الوطن العربي والإسلامي متمثلة في الأعيان الذين لهم مكانة التبجيل بين قومهم وإن لم يكونوا أصحاب مال أو فكر، وهؤلاء تتقدم أولويتهم للرتبة الأولى في الانتخابات المحلية الولائية والبلدية وتصل إلى الثالثة كما رتبناها الآن في حال التمثيل النيابي، لأن الحزب مثلما هو في حاجة إلى فكر ومال هو في حاجة إلى أقوام ورجال ومثلما هو في حاجة إلى جناحين هو أيضًا في حاجة إلى ريش، أعني به سواد الناس.
أما تقديم الشخصية الاجتماعية إلى المرتبة الأولى في النيابة فخلط منهجي لا يوصل إلى النصر السريع، بل قد تصبح هذه الشخصية من أجل المرتبة الأولى في النيابة شخصية انتهازية قد لا يكون لها من الرصيد الاجتماعي شيء يذكر ولكنها تتظاهر أمام من يرشحها لذلك المنصب بأن وراءها الملايين، ويعجبني مثل أورده المفكر مالك بن نبي -رحمه الله- حول أمثال هؤلاء الانتهازيين وهو أن جماعة أرادت أن تحتطب، فتكفل كل واحد بالإتيان بحزمة ولكن أحدهم راح يفتل «شريطًا» فلما سألوه قال وما أفعل بالحزمة؟ سآتيكم بالجبل کله، فكبر «البطل الكرتوني» في أعينهم وقالوا له: كن رئيسًا علينا فأنت أهل لذلك بهذا الجهد العظيم.
وفي المقابل يورد قصة المخلص الذي يعمل فوق طاقته حتى يصل إلى حد اليأس والانسحاب من الميدان، وهي أن قومًا أرادوا الرحيل فوضعوا كل أمتعتهم فوق جمل لهم فلما بقيت لهم رحى تساءلوا من يحملها ولم يجدوا لها إلا ذلك الجمل البارك فقالوا ضعوها على ظهره فألتفت إليهم وقال: أطمئنوا فإنني لن أقوم.
وهذا مثل الذي يحمل ما لا يطبق عكس ذلك الانتهازي الذي يفوز بكل شيء ولا يعمل أي شيء، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: 227) وشتان بين من تستفيد منه النيابة وهو لا يستفيد منها شيئًا ومن يستفيد من النيابة ولا تستفيد منه شيئًا.
وهذا وذاك على طرفي نقيض في الحزب الذي رشحهما فهذا يستفيد من الحزب ولا يستفيد الحزب منه شيئًا، وذلك لا يستفيد من الحزب ولا يستفيد من الحزب كل شيء مثلما يقال في منطق الدعوة هناك من يحملون الحركات وهناك من تحملهم الحركات.
4- الشخصية السياسية والقانونية:
إن التمثيل في البرلمان هو أيضًا -بالإضافة إلى ما ذكرناه- في حاجة إلى رجال سياسة أي أصحاب وزن تاريخي ورصيد نضالي كبير. وعلاقات دبلوماسية داخليًا وخارجيًا لها أثرها الفاعل فهؤلاء السياسيون لهم من العلاقات ذات الثقة والمصداقية مع النافذين من أصحاب القرار سواء في الداخل أو الخارج ما يؤكد اتجاههم وما يحقق لهم ولمن يمثلونهم السند القوي والمرتكز الأقوى، فقد ينفعك نائب علاقات وطيدة مع شخصيات برلمانية مثلًا في الاتحاد الأوروبي في ترجيح كفة القضية الفلسطينية وترجيح كفات أخريات في الاستثمار والاقتصاد والقروض.
وأما شخصية القانون المقرونة مع الشخصية السياسية فهي تغربل القوانين بما لديها من خبرة واختصاص لتطلع الأمة على عيوبها ومنافعها. وتقيم البرهنة بأفضلية الشريعة العلوية على القوانين الوضعية بمنطق حصيف.
هذا باختصار ترتيب منهجي لقائمة الاختيار النيابي بالنسبة إلى المعارضين، وأما الحزب الحاكم فهو إن وصل باقتناع الأمة بأفكاره ومناهجه ونال ثقتها، فهو ليس في حاجة إلى كثير ممن يحتاج إليهم الحزب المعارض، ولذلك يبحث عن التكنوقراطيين الذين يتولون سد الثغور في الطاقة والصحة والصناعة والاستثمار والزراعة، ولا غرو ولا عيب أن نرى نواب الحزب الحاكم -مثلًا- من هذا الاختصاص لأن مين يديه دواليب الأمور.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل