العنوان نقوش على جدار الدعوة .. أين نحن...؟
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 04-نوفمبر-1997
مشاهدات 82
نشر في العدد 1274
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 04-نوفمبر-1997
الأحداث الجارية بين الناس لا تتوقف حركتها في زمن من الأزمنة، أو مكان من الأمكنة، فالحياة حركة بمعنى أنها أحداث تتلاحق دون أن تتوقف، وتمر على الناس فيختلفون في حكمهم عليها وتلقيهم لها، ورد فعلهم تجاهها، لأن من الناس من لا يشعرون بالأحداث إلا بعد وقوعها، فيجرون وراءها، ويحاولن ملاحقتها، ليجنبوا أنفسهم ويلاتها وما تجره عليهم من كوارث، قد تشل حركتهم، وتعجز تفكيرهم، فتصبح محاولتهم الابتعاد عنها ضربًا من الأحلام لا تجدي نفعًا ولا تغني عنهم شيئًا، لأنها جاءت متأخرة.
ومنهم من يسارع ويبادر إلى أن يكون أسبق من الأحداث لأنه يتوقع حدوثها وننتظر وقوعها وقد أعد نفسه -مسبقًا- لاستقبالها وتفادي الصدام بها إن اقتضى الأمر، أو مواجهتها والتصدي لها إن اقتضى الأمر كذلك، بعد أن يكون قد أخذ أهبته، فلا يناله منها شر كثير وقد لا يناله منها شر أبدًا، ويخرج منها غير خاصر شيئًا إن لم يكن قد فاز ببعض الأشياء نتيجة الاستعداد الكامل والتوقع الصحيح، وهذا ما يحدث للذين يتوقعون الأحداث، كما جاء في كتاب «365 خطوة للنجاح» يقول الكتاب:
«إن القاسم المشترك بين هؤلاء الأشخاص الناجين هو أنهم يقومون بتقييم ممتاز للأمور، ولاعب الهوكي وين جرتزكي (Wayne Gretzky) أحد الأمثلة لهؤلاء.. هل هو الأعظم، أو الأقوى.. أو أسرع لاعب؟ الجواب هو: لا.. باعترافه هو شخصيًا، وعندما سئل عن الشيء الذي يجعله أكثر فاعلية وتصويبًا في المعلب قال: «بينما يتزحلق معظم اللاعبين نحو المكان الذي يوجد فيه القرص أقوم أنا بالتزحلق نحو المكان الذي سيذهب إليه القرص»، ومن ثم فإن سر نجاحه يكمن في مقدرته على التوقع -أي مقدرته على تقييم حركة واتجاه القرص، وكذلك تقييم استراتيجيات وتحركات اللاعبين الآخرين- التي تسمح له بالتواجد في أفضل مكان للتصويب الناجح».
وتوقع الأحداث والاستعداد لها قبل حدوثها، وسلامة التخلص من أثارها الضارة كان سمة الإسلاميين في الكويت أثناء الغزو العراقي، ولذا كان لهم السبق والتغلب على مجريات الأحداث في ضوء المتيسر لهم منها، فتوقعاتهم في الجانب الاقتصادي المعيشي، وتصوراتهم لتصرفات الجيش وغلظته، وابتعاده عن مراعاة أبسط قواعد القيم والأخلاق كان في الحسبان، بحيث لم يكن غائبًا عن الأذهان، وقد أخذنا نستعد له قبل وقوعه، فلما وقع لم يكن غريبًا ولا عجيبًا ولا مفاجئًا، ولم يحدث أثرًا مزعجًا، لأن الاستعداد له أبطل مفعوله وأفسد أثره.
وإذا كان ما تقدم موقف صنفين من الناس، فإن هناك من البشر صنف ثالث غير هذين، يصنع هو الأحداث ويوجهها، فلا تنال منه شيئًا ولا تحدث له ضررًا، لأنه وقى نفسه بطشها، وعرف كيف يبتعد عن طريقها قبل أن تجرفه في تيارها، ولربما مرت به الأحداث فعرف إلى أين مستقرها؟ وكيف يكون مجراها، فهو يشرف عليه من بعيد يدرك آثارها ولا يتأثر بها إلا بقدر ما يريد أن يستفيد من نتائجها وعوائدها، والمؤسسات -في ذلك- كالأفراد، بل لا نتجاوز الواقع إن ذهبنا إلى أبعد من ذلك فقلنا، والدول -في ذلك أيضًا- كالأفراد.
وحين نلتفت إلى الماضي قليلًا لنأخذ منه بعض الوقائع الدالة على أن أفرادًا أو مؤسسات أو حتى دولًا تعمل على صنع الأحداث مثل وضع المرأة العربية التي كانت في بداية القرن العشرين ملتزمة بتعاليم الإسلام في الملبس والزينة، ثم أراد لها أبالسة الإنس أن تخرج عن هذا الإطار «الدين» فخططوا لذلك بحيث يتحقق غرضهم وكأنه قدر من الأقدار، وأمر لا مفر منه، وإن أخذ سنوات عدة، وكان لهم ما أرادوا، حتى إنك تجد كثيرًا من الأسر المسلمة في بلاد الإسلام تنقاد نساؤها إلى مخالفة الملابس الإسلامية رغم كراهية رجال الأسرة لذلك، ولكن العادة أغلب، والتقاليد التي صنعها صانعو الأحداث صار لها مؤيدون ودعاة، حتى عرفت بعض البلاد الإسلامية اختيار ملكات للجمال، وعرف بعضها عروض الأزياء، وما يدور في هذا الفلك ويسير في هذا الاتجاه المخالف للدين.
فهل عرفنا أن هذا المسلك وراءه صانعون مدربون؟ أم أننا لا نرى إلا الظاهر الواقع الذي يضر بالأفراد والجماعات دون أن نستطيع له اتقاء أو أن نجد لهذه العلة دواء؟
وللحديث بقية إن شاء الله