العنوان أربعة ألغام تعترض طريق محمود عباس لإنهاء المقاومة
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر السبت 31-مايو-2003
مشاهدات 70
نشر في العدد 1553
نشر في الصفحة 32
السبت 31-مايو-2003
أبو مازن.. والمهمة المستحيلة
هل يلعب أبو مازن على عامل الوقت ويتجنب المواجهة مع المقاومة.. فقط لحين استكمال بناء الأجهزة الأمنية؟
خطة أمنية من ست نقاط وضعها دحلان للسيطرة
باول: أشك في نجاح أبو مازن.. لكن هذا هو الموجود
مهمة واضحة حددتها واشنطن وتل أبيب لحكومة أبو مازن الجديدة، التي مارست ضغوطًا كبيرة في سبيل فرضها عنوة على رئيس السلطة ياسر عرفات، وعلى مدى قدرة أبو مازن وحكومته في إنجاز هذه المهمة التي يصفها البعض بـ «القذرة» سيعتمد الإسرائيليون والأمريكيون في الحكم على نجاح الحكومة أو فشلها.
شارون طالب أبو مازن ودحلان اللذين أوكلت إليهما مهمة القضاء على المقاومة ووقف الانتفاضة بعدة مطالب أبرزها:
- إعلان الحرب على حركات المقاومة وعلى وجه الخصوص حماس والجهاد الإسلامي وكتائب شهداء الأقصى.
- شنّ حملات اعتقال واسعة في صفوف هذه الحركات.
- جمع السلاح من أيدي الفلسطينيين.
-وقف التحريض ضد «إسرائيل» في وسائل الإعلام الفلسطينية.
والسؤال: هل سينجح أبو مازن في تحقيق ما عجز عن تنفيذه عرفات أيام مجده وجبروته وأجهزته الأمنية القوية المتعددة؟ بل هل سينجح في إنجاز ما عجز عن تحقيقه باراك وشارون وقوات الاحتلال الصهيوني التي لم تدخر وسعًا في ملاحقة المقاومة ومحاولة القضاء عليها، ولم تتورع في سبيل ذلك عن ارتكاب أفظع الجرائم ضد الشعب الفلسطيني؟
ألغام في الطريق
العديد من العقبات والألغام تعترض طريق أبو مازن في تنفيذ مهمته التي يراها الكثيرون مستحيلة، وهو يعرف أكثر من غيره هذه العقبات، ويدرك حجم المأزق التي تواجه حكومته التي تقع بين أكثر من مطرقة وسندان:
1- العقبة الأولى.. عرفات:
فــ «الختيار» الذي حرص منذ أكثر من ثلاثة عقود، على الاستئثار بالنفوذ والتفرد بالسيطرة في المنظمة والسلطة ،أضطر تحت حجم هائل من الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، للتنازل عن بعض صلاحياته لصالح أبو مازن، لكنه كما يؤكد مقربون
من رئيس الحكومة الجديدة يلاحق أبو مازن كظله طوال الوقت، وما فعله خلال الأسابيع الماضية التي شهدت نزاعًا شديدًا على السلطة بين الرجلين لا يقارن بما ينتظر أبو مازن خلال الفترة القادمة.
ولا يزال عرفات يمسك بالكثير من أوراق القوة والتأثير في السلطة الفلسطينية وداخل حركة فتح التي يحظى بتأييد واسع في صفوفها، في حين لا يتمتع أبو مازن بتأييد يذكر داخل قواعد فتح التي تشكل العمود الفقري للسلطة.
وزير الدفاع الصهيوني شاؤول موفاز قال إن عرفات يبذل كل ما في وسعة لإفشال مهمة رئيس الوزراء الفلسطيني، وإبرازه كمبتدئ سياسي غرّ. وتتحدث تقارير المخابرات الصهيونية عن «مزاج جنوني لعرفات الذي جلّ همه في الحياة وبعد الموت، التشويش على دخول أبو مازن إلى التاريخ»!
2- العقبة الصهيونية:
فعلى الرغم من رغبة شارون وحكومته في نجاح أبو مازن في إنجاز المهمة الموكلة إليه، والتي هي لمصلحة الاحتلال بالدرجة الأولى، فإن المواقف السياسية المتشددة التي تتبناها الحكومة الصهيونية، تضعف موقف أبو مازن ولا تترك أمامه مساحات واسعة للمناورة في الساحة الفلسطينية.
فخريطة الطريق التي يقوم عليها برنامجه السياسي، والمجحفة جدًا بحقوق الفلسطينيين، رفضتها حكومة شارون بصيغتها الأصلية، وقال وزير الدفاع موفاز إن الخطة الأمريكية «سيئة لإسرائيل، ولا تنسجم مع المصالح الأمنية والوطنية. ويتعين إدخال تعديلات عليها»، وأخيرًا وافقت عليها «إسرائيل» بعد إدخال ١٤ تعديلًا على الخطة. وقالت الوزيرة الإسرائيلية ليمور لفنات إن «خريطة الطريق بدون تعديلاتنا الـ ١٤ غير مقبولة». وبالفعل وافقت الإدارة الأمريكية على 12 نقطة من هذه النقاط كما أكدت ذلك المصادر الإسرائيلية، ومع ذلك صرح المسؤولون الأمريكيون ومن بعدهم المسؤولون في أوروبا بأن شارون قبل الخطة! العقبة الأخرى التي وضعتها حكومة شارون في طريق أبو مازن تمثلت في تفجير «لغم» المسجد الأقصى، وإعلانها عن نيتها فتح ساحات المسجد أمام المصلين والسياح اليهود، ومباشرتها خطوات تعهد الطريق أمام تنفيذ هذه الخطوة التي قد تفجر الأوضاع مجددًا، على غرار ما حصل عام ٢٠٠٠. حين أدى تدنيس شارون الساحات الأقصى إلى اندلاع الانتفاضة. ومن هنا يصدق قول رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني أحمد قريع إن «نجاح أبو مازن بید شارون».
3- تأييد شعبي ضئيل:
وهذه عقبة ليست سهلة، وتضعف قدرة أبو مازن على اتخاذ خطوات قوية وحاسمة ضد حركات المقاومة. فبخلاف عرفات الذي كان ينجح إلى حدّ ما، في إقناع بعض الفلسطينيين بأن الخطوات التي كان يتخذها ضد حركات المقاومة تخدم المصلحة الفلسطينية، فإن أبو مازن سيجد صعوبة شديدة في تبرير أي خطوات من هذا النوع في ظل انخفاض شعبيته، حيث أظهر استطلاع للرأي أنه لا يحظى بتأييد أكثر منن 1,8% من الفلسطينيين وجاء في الترتيب السابع، وأفضل نتيجة حققها في استطلاعات الرأي لم تتجاوز 3%․
وأسهم في تقليص حجم التأييد الشعبي لأبو مازن، أن تعيينه رئيسًا للوزراء كان مطلبًا أمريكيًا إسرائيليًا، وجاء نتيجة ضغوط شديدة مارستها تل أبيب وواشنطن والقاهرة ويقول المحلل الإسرائيلي المختص بالشؤون الأمنية روني شكيد إن أغلبية الفلسطينيين أيّدت إقامة مؤسسة لرئاسة الوزراء، لكنه يضيف: «3% فقط أيّدوا أبو مازن، فسكان المناطق رغبوا بشخص آخر في هذا المنصب لكن القرار لم يكن بأيديهم هذه المرة. فالرئيس جورج بوش هو الذي حدد هوية رئيس الحكومة الفلسطيني».
نشطاء في حركة فتح قالوا إنه «واضح للجميع أن أبو مازن ومحمد دحلان انتخبا بضغط أمريكي وأوروبي على عرفات، وهذه الحقيقة لن تسمح لأبو مازن بالنجاح في المهمة الأساسية التي أخذها على عاتقه، وتعاون القوى الميدانية مع الحكومة
الجديدة سيكون جزئيًا للغاية».
4- حركات المقاومة:
وهي العقبة الأكثر صعوبة مقارنة بالعقبات السابقة، وإذا كان محمد دحلان وجبريل الرجوب نجحا نسبيًا عام ١٩٩٦ في ملاحقة نشطاء حركة حماس وخفض عدد العمليات العسكرية بدرجة ملموسة جعلت فترة حكم نتنياهو وإيهود باراك حتى سبتمبر ۲۰۰۰ الفترة الأمنية الأكثر هدوءًا منذ انطلاق المفاوضات، فإن الوضع مختلف في الوقت الراهن من عدة زوايا:
فأولاً: قوة السلطة حاليًا لا تقارن بقوتها عام ١٩٩٦، نظرًا لحجم الدمار الهائل الذي ألحقته عملية الجدار الواقي وتدمير مقار السلطة وبناها التحتية وتفكيك أجهزتها الأمنية والعسكرية خلال فترة حكم شارون والضرر الأشد لحق بأجهزة أمن السلطة في الضفة الغربية التي لم يعد لها فيها وجود أمني يذكر.
وثانيًا: فإن قوة حماس والجهاد وقدراتهما العسكرية في المقابل، تضاعفت مرات عدة خلال الانتفاضة عما كانت عليه قبل اندلاعها. ورافق هذه القوة العسكرية قوة شعبية موازية. وقد فشلت كل محاولات الاحتلال حتى اللحظة في اجتياح قطاع غزة اجتياحًا كاملًا على غرار ما حصل في الضفة الغربية، وتكبدت قوات الاحتلال خسائر فادحة في كل واحدة من تلك المحاولات. وتحظى حماس بقدرة عسكرية واضحة في القطاع، تجعل أبو مازن ودحلان يفكران طويلًا قبل التورط في خوض معركة معها.
وثالثًا: فإن انضمام كتائب شهداء الأقصى كجناح عسكري نشط وفاعل تابع لفتح إلى جبهة المقاومة بعد انطلاق الانتفاضة شكل تطورًا نوعيًا مهمًا في أداء المقاومة، ويشكّل تحديًا صعبًا لأبو مازن الذي يخشى أن يدخل في معركة مع فتح من هو حاول القضاء على جناحها العسكري، وترى أوساط سياسية وأمنية صهيونية أن عرفات المعني بفشل أبو مازن سيستخدم ورقة كتائب شهداء الأقصى بذكاء في مواجهة خصمه.
خيارات أبو مازن الصعبة
في مواجهة هذه الألغام والتحديات الصعبة. تبدو مهمة أبو مازن شبه مستحيلة. وتدل المؤشرات على أن خطته في التعامل مع هذه المعادلات المعقدة تسير في الخطوط المتوازية التالية:
1- إقناع الجانب الصهيوني بتقديم بعض بوادر حُسن النية التي يمكن أن تحسن وضعه السياسي داخل الساحة الفلسطينية، من قبيل إطلاق سراح بعض المعتقلين، وتخفيف القيود المفروضة على الضفة والقطاع من حيث الإغلاق والحصار المحكم، وكذلك سحب قوات الاحتلال من بعض المواقع. هذا فضلًا عن إبداء مرونة سياسية في التعاطي مع «خريطة الطريق».
2- إعادة بناء وترميم الأجهزة الأمنية، بخاصة في الضفة الغربية، بما يساعدها في فرض سيطرتها، تمهيدًا لإجراءات قادمة ضد حركات المقاومة. ورشح عن مصادر مقربة من أبو مازن ودخلان أنهما ينويان الاستعانة برئيس الأمن الوقائي السابق في الضفة العقيد جبريل الرجوب، الذي أظهر قدرة واضحة على قمع حركات المقاومة، وخاض ضدها حربًا لا هوادة فيها، قبل أن يطاح به بعد كشف تواطئه مع الاحتلال في بيتونيا في شهر أبريل من العام الماضي. ولم تتضح بعد طبيعة المنصب الأمني الذي سيوكل إلى الرجوب ويعيده إلى دائرة الضوء، لكن المصادر أشارت إلى أنه ربما يعود إلى موقعه السابق رئيسًا للأمن الوقائي في الضفة، أو يتم تعيينه مفتشًا عامًا للشرطة المدنية.
3- تجنب الصدام مع حركات المقاومة، بخاصة حماس في المرحلة الراهنة، إلى حين استكمال بناء الأجهزة الأمنية، واللجوء بدل ذلك إلى اللعب على عامل كسب الوقت، من خلال فتح حوار مع الحركة، على أمل التوصل في هذه المرحلة إلى تفاهم على تهدئة مؤقتة لأعمال المقاومة. ويأتي في هذا السياق لقاء أبو مازن مع رموز الحركة في الأراضي الفلسطينية المحتلة مؤخرًا، أما بخصوص قيادة حماس الموجودة خارج الأراضي المحتلة، فقد فضل أبو مازن أن يستعين في الحوار معها برئيس المخابرات المصرية عمر سليمان، المسؤول عن الملف الفلسطيني والذي قاد الحوارات السابقة بين حماس والسلطة، التي لم تقض إلى أي نتائج في حينه.
خطة دحلان الأمنية
وإلى جانب الخطوط العريضة لخطة أبو مازن السياسية، كشفت مصادر صهيونية النقاب عن محاور خطة العمل الأمنية التي وضعها محمد دحلان مسؤول الأمن في حكومة أبو مازن والتي تشمل:
- تجنيد من يمكن استقطابه من عناصر حركات المقاومة، واستيعابهم في أجهزة أمن السلطة.
- القيام بحملة واسعة لشراء السلاح من أيدي الفلسطينيين مقابل مبالغ مالية كبيرة مغرية.
- استئناف التنسيق الأمني مع الجانب الصهيوني بما في ذلك الدوريات المشتركة ولقاءات الضباط الأمنيين.
- اعتقالات وقائية على أساس المعلومات الصهيونية.
- إعادة انتشار جديدة وشاملة لأجهزة أمن السلطة.
- بذل جهد كبير لوقف حملات التحريض ضد «إسرائيل».
شكوك صهيونية وأمريكية
ويبدي الجانبان الصهيوني والأمريكي شكوكًا حول فرص نجاح أبو مازن، لكنه رغم ذلك يبقى الخيار المتاح في الوقت الراهن. وقد كان وزير الخارجية الأمريكي كولن باول صريحًا خلال جولته الأخيرة إلى المنطقة، حيث قال للصهاينة: «أنا أشك في قدرة أبو مازن على حل منظمات الإرهاب في السلطة الفلسطينية.. أبو مازن ليس الزعيم المثالي، لكن هذا هو الموجود هو يريد تنفيذ العمل وإحداث التغيير، والسؤال هو إذا ما كان يستطيع ذلك»؟.
وزير الحرب الصهيوني شاؤول موفاز هو الآخر غير متفائل بنجاح أبو مازن، ويرى أن قيادته تجد صعوبة في أخذ المسؤولية عن الأمن، وأنها تجد «صعوبة في الإقلاع، جناحاها ليسا واسعين بما يكفي كي تأخذ المسؤولية وتكافح ضد الإرهاب».
ويتفق معه رئيس المخابرات أفي ديختر الذي يرى أن المهمة التي يقف أمامها أبو مازن في غاية الصعوبة «ومن المشكوك فيه أن يتمكن من الإيفاء بها».
أوساط سياسية عبرية قالت إن أبو مازن يبدو على درجة كبيرة من الضعف في مواجهة الواقع الجديد «إنه يخاف عرفات، يخاف من حماس، بل ويخاف من فتح المنظمة التي لم يعد من قادتها».. وهذا ما يشكك في قدرته على النجاح.