الثلاثاء 27-مارس-1990
·
عندما كانت الساحة مفتوحة للدعوة في شرق أوروبا
اجتهد غيرنا واكتفينا بالتفرج واللامبالاة.
·
يهود جنوب إفريقيا بدأوا مناوراتهم ضد مانديلا
تمهيدًا لشد الرحال إلى فلسطين؟!
لقد فاجأ رئيس جنوب إفريقيا «فردريك دي
كليرك» العالم عندما أقدم على فتح أول ثغرة في جدار نظام التمييز العنصري في
بلاده، وذلك عندما قام بإعلان إطلاق سراح السجين السياسي نيلسون مانديلا الذي قبع
أكثر من 27 سنة في غياهب سجون النظام العنصري متمسكًا بمبادئه ومطالبًا بزوال هذا
النظام بحيث يقوم على أنقاضه نظام المساواة بين كافة فصائل المجتمع بغض النظر عن
اللون أو الانتماء القومي أو العرقي، ولم يكتف الرئيس دي كليرك بهذا بل مضى إلى
إعلان رفع الحظر على التنظيمات المعادية للفصل العنصري وعلى رأسها حزب المؤتمر
الوطني الإفريقي، ولقد قوبلت هذه القرارات بحفاوة بالغة في العالم أجمع إذ إنها
تمثل انطلاقة جديدة في تاريخ هذه الدولة «الشقيقة» لإسرائيل، هذا وقد سبق اتخاذ
هذه القرارات الإفراج عن عدد «قليل» من مناضلين سياسيين بارزين من أمثال وولتر
سوزولو الذي شهد فجر المقاومة ضد النظام العنصري مع مانديلا وأوليفيا تامبو الرئيس
الحالي لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي.
ثمرة المقاومة الطويلة
وجدير بالذكر أن هذه القرارات
الإيجابية لم تأتِ كهدية للعالم بمناسبة حلول التسعينيات، وإنما هي ثمرة مقاومة
طويلة إلى جانب الضغوط التي لقيها النظام العنصري من كل حدب حتى ضاقت به الأرض بما
رحبت فلاذ إلى الرضوخ للأمر الواقع، ولقد تابعنا عن كثب أحداث التغيير التي حدثت
في دول الكتلة الشرقية بما فيها الاتحاد السوفييتي مهد «البرويسترويكا» وبولندا
وبلغاريا ويوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية والمجر وأخيرًا رومانيا، حيث
أعقب هبوب رياح التغيير في كل هذه الدول انهيار الأنظمة الشيوعية فيها وأفول
بيارقها، وعندئذ كانت الساحة مفتوحة للدعوة الإسلامية ولغيرها، فاجتهد غيرنا في
هذا المضمار واكتفينا نحن بالتفرج واللامبالاة في وقت كان إخواننا المسلمون في تلك
الدول- وخاصة في الاتحاد السوفييتي- في أمسِّ الحاجة إلى مساعدة إخوانهم المسلمين
في أنحاء العالم، ماديًّا ومعنويًّا نظرًا لحجم التحديات أمامهم، وإذا أغفلنا عن
البعد الديني للتغيرات التي تمت في تلك الدول فإن أعداءنا قد أحاطوا بها من كل
الزوايا وبشكل متكامل، ولم يكتفوا بالجوانب السياسية والاجتماعية فقط بل بالعكس
فقد ركزوا على الجانب الديني مما مكنهم من استغلال هذه التغيرات أيما استغلال،
فكانت هجرة اليهود السوفييت إلى فلسطين وسبقها اللقاء التاريخي بين البابا يوحنا
بولس الثاني والزعيم السوفييتي ميخائيل غورباتشوف ودار ما دار بينهما ومن هنا سجلت
اليهودية والنصرانية انتصارات جديدة علينا وتركوا لنا دور الشجب والاستنكار
والتنديد.
وبعد أن ساد الهدوء نسبيًا في شرق
أوروبا، هبت رياح التغيير على القارة الإفريقية ففي الوقت الذي ظفرت جنوب إفريقيا
بنصيب الأسد من هذه الرياح لم تتجاوز بعض الدول حد الانسلاخ من الشيوعية، والبعض
الآخر توقفت عند حد المطالبة بالتعددية السياسية، وفي غمرة تلك التغيرات فقد بدأ
أعداء الإسلام مناوراتهم واتجهوا إلى جنوب إفريقيا حيث السماء ملبدة بالغيوم، إذ
حلوا معهم «بضائعهم» إلى تلك الدولة لترويجها في أوساط السود في ظل الانفراج
الحالي كما فعلوا في شرق أوروبا.
ولا نستغرب من تزامن التحركات اليهودية
والنصرانية في أعقاب التغيرات في شرق أوروبا لأن الهدف كان مشتركًا: التبشير
والقضاء على الوجود الإسلامي أينما كان، ولا نخفي أيضًا مخاوفنا إزاء ما يجري وراء
الكواليس وما يدبر ضد المسلمين في جنوب إفريقيا، إذ يمثلون أقلية مضطهدة يقفون إلى
جانب السود رافضين كل أشكال التمييز العنصري كما أن عديدًا من أنشطتهم الدينية
تلقَى معارضة وتواجه تعقيدات من جانب الدولة ولعل من الأمثلة على ذلك قضية الأذان
للصلاة وهي إحدى القضايا المشهورة هناك والتي دافع فيها المسلمون عن حقهم في
الأذان أمام المحاكم.
مناورات يهودية
وفي أول سفر له إلى الخارج فقد التقى
الزعيم مانديلا بالسيد ياسر عرفات في لوساكا حيث هنأه هذا الأخير بمناسبة إطلاق
سراحه وعبر له عن تضامن الشعب العربي مع إخوانهم السود في جنوب إفريقيا، ثم أشاد
مانديلا بالنضال الفلسطيني كما شبه النظام العنصري في جنوب إفريقيا بالنظام القائم
في إسرائيل، ومن هنا بدأت «المناورات» اليهودية، فقد قام اليهود بتوجيه انتقاداتهم
التي لا أساس لها إلى مانديلا وبدأوا بتهديده بالقتل لمجرد قيامه بتشبيه هذين
النظامين الجائرين مع بعضهما البعض، وأعقب هذه الانتقادات والتهديدات إعلان يهود
جنوب إفريقيا عن مطالبتهم بحرية الهجرة إلى فلسطين! وذلك تنفيذًا لمخطط قديم جاء
في أسفار التلمود والعهد القديم: «إنك يا إسرائيل شعب مقدَّس من جميع الشعوب على
وجه الأرض... مبارك تكون فوق جميع الشعوب» التثنية الإصحاح 7 عدد 6، 8.
وانطلاقًا من هذه العقيدة فإن إسرائيل
تتربص بالفرص دائمًا لتحقيق مآربها على حساب الأمة العربية والإسلامية، وليس من
باب المبالغة الربط بين مسألة هجرة اليهود السوفييت إلى فلسطين وإعلان يهود جنوب
إفريقيا عن رغبتهم في الهجرة إلى فلسطين، ومن المؤكد إن تنفيذ الخطة هذه المرة
سيكون أسهل بكثير من هجرة الفلاشا واليهود السوفييت إلى الأراضي المحتلة، نظرًا
لوجود علاقات عنصرية وطيدة بين الدولتين إلى جانب العلاقات العسكرية والتجارية
والاقتصادية، وعلاوة على ذلك فإن الخطر الداهم لن يتوقف عند هجرة يهود جنوب
إفريقيا إلى فلسطين وإنما يشمل أيضًا احتمال اندلاع فتن بين المسلمين وأصحاب
الديانات الأخرى؛ لأن الساحة قد أصبحت مفتوحة للدعوة الإسلامية التي سبق وإن لقيت
قبولًا واسعًا في أوساط السود وغيرهم من الملونين والآسيويين وحتى البيض إذ فطن
هؤلاء أن رفع قيود الاختلاط مع السود من شأنه أن يعطي دفعة جديدة لعجلة الدعوة
الإسلامية في جنوب إفريقيا وخاصة بعض المناطق كانت معزولة بسبب الحواجز التي
وضعتها الحكومة العنصرية في ظل نظام الفصل العنصري، ولذلك فإنه من المتوقع أن يدخل
أفواج من السود في سبيل الله بعد أن ازداد عدد الشباب المعتنقين للإسلام على أساس
أن الإسلام دين لم يرتبط بالاستعمار الأوروبي وأنه دين السماحة الذي يرفض التفرقة
العنصرية وبأي شكل من أشكالها.
الدعوة الإسلامية بخير
وإذا توجه أعداء الإسلام إلى جنوب
إفريقيا هذه المرة فإن ذلك نابع من إدراكهم العميق بأن التغيرات الجارية والمرتقبة
ستكون لصالح الإسلام والمسلمين ومن ثم فقد بدأوا بوضع العقبات في طريق المد
الإسلامي وإثارة نيران الفتنة بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى، لكن الدعوة
الإسلامية في جنوب إفريقيا ستظل بخير مهما صاد الأعداء في الماء العكر، لأن السود
وجدوا في الإسلام ضالتهم، وعلى الرغم من موجة الاضطهاد والظلم التي ظلوا يتعرضون
لها في ظل النظام العنصري، فقد عضُّوا بتعاليم الإسلام ومبادئه بالنواجذ، لقد
ذاقوا كل ألوان الاضطهاد كإجلائهم من منازلهم أو هدم مساجدهم ومدارسهم أو حتى فرض
مصاريف مالية باهظة عليهم، مما سيشجعهم حتمًا للدخول في الإسلام بعد الانفراج
الأخير، ونشير هنا إلى أن مسلمي جنوب إفريقيا ينحدرون من كافة الفئات العرقية
ويشكلون أقلية يبلغ عددها حوالي نصف مليون مسلم، وهم يتركزون حول المدن الرئيسية
مثل جوهانسبرغ والكاب بينما يتركز المسلمون من الأصل الملايوي في الكاب والمسلمون
الهنود في ناتال وترنسفال بينما يتوزع السود منهم في كل المناطق مع شيء من التركيز
وكثرة التواجد في ترانسفال.
وثمة مشاكل وتحديات تواجه الدعوة
الإسلامية في جنوب إفريقيا ولذلك فإن العالم الإسلامي مطالب بمد يد العون إلى
القائمين في مجال الدعوة الإسلامية هناك لكيلا يتكرر سيناريو تجربة أوروبا الشرقية
ويسجل أعداؤنا انتصارات جديدة.