; مداد القلم: العدل مع الظالمين! | مجلة المجتمع

العنوان مداد القلم: العدل مع الظالمين!

الكاتب أحمد عبد الرحمن العماري

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1992

مشاهدات 76

نشر في العدد 1020

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 13-أكتوبر-1992

 

الإعجاز التشريعي: العدل مع المشركين في وثيقة الصلح

العدل مع الظالمين الوثنيين؟ العدل مع المعتدين؟

في أي شرع هذا؟ وفي أية أمة؟ وكيف ومتى حدث ذلك؟ في أية بيئة وقعت تلك المعجزة؟! في بيئة تُعلي من قدر النهب والسلب والعدوان، وتفاخر بالعدوان وسفك الدماء، جاءت الشريعة الإسلامية بهذه المعجزة التشريعية والأخلاقية، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 8).

وبعد صلح الحديبية سنة 6 (ست) للهجرة جاءت الظروف بمناسبة نادرة لتطبيق تلك المعجزة التشريعية الإسلامية! فقد نصت وثيقة الصلح على أنه إذا جاء محمدًا رجل من المشركين فعليه رده إليهم. وقد احترم النبي صلى الله عليه وسلم هذا النص ورد إليهم أبا بصير. وقال قولته الخالدة: «نحن قوم لا يصلح لنا في ديننا الغدر» لكن مشكلة أخرى ظهرت حين هاجرت إلى المدينة بعض النساء المؤمنات ونزل القرآن الكريم بما يحسم الأمر ولا يدع مجالًا للاجتهاد أو التردد فقال جل ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (الممتحنة: 10).

حكم النساء المهاجرات ورد الصداق

وهذه الآية الكريمة تفسر النهي عن رد المؤمنات إلى المشركين بانتهاء الزواج لأن الإسلام يحرم زواج المؤمنة من المشرك ولذلك كان لا بد من التأكد من إيمان المرأة، فإذا ثبت أنها هاجرت لسبب آخر غير الإسلام ردت إلى المشركين إمضاء لنص العقد وإذا ثبت أنها مؤمنة حرم ردها إلى زوجها المشرك.

والإعجاز التشريعي يتمثل في الأمر القرآني في الآية نفسها، برد الصداق لكل زوج مشرك هجرته امرأته، فيقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾ (الممتحنة: 10) وفي هذا يقول القرطبي: أمر الله تعالى- إذا أمسكت المرأة المسلمة- أن يرد على زوجها ما أنفق، وذلك من الوفاء بالعهد، لأنه- لما منع من أهله بحرمة الإسلام- أمر برد المال إليه حتى لا يقع عليه خسران من الوجهين الزوجة والمال: (ج 18 ص 6043). وقد فسر البعض هذه الآية على أنها تنقض صلح الحديبية في النساء خاصة، فعن عبد الله بن أحمد بن جحش قال: «هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط في الهجرة، فخرج أخواها: عمارة والوليد حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلماه فيها أن يردها إليهما فنقض الله العهد بينه وبين المشركين في النساء خاصة فمنعهم أن يردوهن إلى المشركين وأنزل الله آية الامتحان» «تفسير ابن كثير ج 4 ص 350».

طلاق المسلم لزوجته المشركة

والحق أن المعاهدة لم تنص على رد النساء: فالمرأة لم تكن مقاتلة وانتقالها من معسكر إلى آخر لا يخل بميزان القوى. والمدهش بل المعجز أيضًا أن القرآن الكريم أمر المسلمين بتطليق نسائهم المشركات وعدم التمسك بهن فقال جل ثناؤه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (الممتحنة: 10) قال القرطبي يعني: «من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتد بها فليست له امرأة فقد انقطعت عصمتها لاختلاف الدارين»، «الجامع، ج 18 ص 6544». وقد نفذ المسلمون هذا الأمر فطلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يومئذ امرأتين تزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية وفعل المسلمون الشيء نفسه طاعة لأمر الله تعالى.

تحقيق العدالة رغم جحود المشركين

وهذه هي العدالة الإسلامية في أروع صورها: فالمشركون لا يظلمون فإذا هاجرت امرأة مؤمنة رد صداقها على زوجها المشرك، وتبقى هي مع المؤمنين وإذا رفضت امرأة مسلم أن تدخل في الإسلام وبقيت على الشرك تحتم أن يتركها زوجها ويرد عليه صداقها بلا محاباة أو ظلم لأحد: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ۚ ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (الممتحنة: 10).

ولكن المشركين لجوا في طغيانهم ورفضوا هذا الحكم العادل المنصف! فقد أرسل إليهم المسلمون يقولون: «قد حكم الله عز وجل بيننا بأنه إذا جاءتكم امرأة منا أن توجهوا إلينا بصداقها وإن جاءتنا امرأة منكم وجهنا إليكم بصداقها...» فرد المشركون قائلين: «أما نحن فلا نعلم لكم عندنا شيئًا. فإن كان لنا عندكم شيء فوجهوا به- يعني: ابعثوا به!». ولم يقبل المسلمون بهذا الظلم ودبروا الأمور بحيث يتم تعويض الأزواج المسلمين من بيت المال، أو من الغنائم أو من الصداق الذي كان يستحقه الأزواج المشركون بحيث تتحقق العدالة، وينال كل زوج صداقه الذي دفعه وقد أباح الله تعالى للمسلمين الزواج من أولئك المؤمنات بعد انقضاء عدتهم وإيتائهن الصداق الشرعي «راجع تفسير ابن كثير، ج 4 ص 351».

فهذا هو الإعجاز التشريعي والأخلاقي في كتاب الله، والمستفيدون منه كانوا مشركين وثنيين اعتدوا على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين وسلبوهم أموالهم وديارهم!






 

الرابط المختصر :