العنوان الجيل الجديد.. ركن الشباب (182)
الكاتب عبد العزيز الحمد
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يناير-1974
مشاهدات 123
نشر في العدد 182
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 01-يناير-1974
أخي القارئ
على هذه الصفحة نلتقي أسبوعيًا لنتناول النواحي
التربوية.. فأنت تعرف مدى الأهمية الكبيرة التي توجه إلى النواحي التربوية في
عصرنا هذا، وتبرز أهميتها أكثر حين نرى انخفاض المستوى التربوي سواء في المدرسة أو
في البيت، وكذلك اصطباغ النواحي التربوية بالصبغة الغربية وابتعادها عن المنهج
الإسلامي التربوي.. لذلك فهذه الصفحة مفتوحة لك أخي المدرس وأخي الطالب وأخي
القارئ.
ظاهرة
هناك ظاهرة منتشرة بين الطلبة ونخص المتفوقين منهم،
وهي قلة القراءة الخارجية، فهؤلاء تراهم دائمًا منكبين على الكتب المدرسية
يشبعونها قراءةً وحفظًا معتقدين أنهم بذلك يستوفون الفهم الكامل ويستطيعون أن
يحصلوا على قدر كبير من العلم ناسين أن المناهج المدرسية إنما هي تفتح لهم الطريق ليَوغلوا
فيه ويتشبعوا فيه أما أن تعطيهم كل شيء فلا. لذلك نرى الكثير من المتخرجين علمهم
قليل وثقافتهم قليلة ولا يستطيعون التعبير عما يريدون وما ذلك إلا لأنهم سجنوا
أنفسهم في سجن الكتب المدرسية ولم يحاولوا أن يتطلعوا إلى غيرها. ونرى في واقعنا
الكثير ممن ليس لديهم شهادات عالية لكنهم في العلم يفوقون هؤلاء الذين يحملون
الشهادات وليس لديهم من الاطلاع والثقافة شيء، وما ذلك إلا لأنهم أحبوا القراءة
والاطلاع.
ويتعلل الطلبة دائمًا بالوقت فهم يدعون بأن الوقت
لا يكاد يكفي لدراسة المناهج المدرسية ولكنهم لو عملوا شيئًا قليلًا من التنظيم
لوقتهم لوجدوا الوقت الكافي للدراسة والقراءة أيضًا للقيام بأعمال خارجية، وليس
هناك ضرر من التضحية بجزء من الوقت للقراءة وللاطلاع الحق لأنه إلى جانب ما
يكتسبونه من سعة اطلاع فإنه يساعدهم في التقدم في المجالات المدرسية خصوصًا في
جانب المعلومات العامة واللغة.
ويستبين العجز حين يطلب المدرس من الطلبة بحثًا
صغيرًا فيكبر ذلك في صدورهم ويصعب عليهم كأنه قد طلب منهم إعداد رسالة ماجستير أو
دكتوراه.
لذلك نرى من الواجب على الطلبة ونخص المتفوقين منهم
أن لا يهملوا جانب القراءة الحرة بل عليهم أن يحاولوا أن يطلعوا ويقرأوا لأن
أمامهم مسؤولية كبيرة. فلا يجب أن تكون معلوماتهم ضحلة وفكرهم ضحلًا.
من يدقق في نتائج السنة الماضية والسابقة لها يرى
أن نسبة النجاح في انخفاض شديد خصوصًا في الشهادة الثانوية العامة، وأن المستوى
العلمي لدى الطلبة بدأ ينخفض في السنوات الأخيرة: ولا شك في أن الوزارة شعرت بهذه
الظاهرة فهل أعدت عنها دراسة تبين أسباب هذا الانخفاض؟
ونحن ما زلنا الآن في منتصف الفصل الدراسي فعلى
الوزارة أن تتدارك الأمر قبل فواته وتبحث في أسباب هذا الضعف.. فالجيل الحاضر هو
الذي سيتسلم المراكز في المستقبل فهل سيكون ضعيفًا أو قويًا عند تسلمها؟ الإجابة
عند وزارة التربية.
المدرس والقدوة
الذي حدث في مدرسة الصليبخات المتوسطة يدعو للعجب،
ويدل على ناحية خطيرة في التربية، على وزارة التربية أن تستدركها وتحاول علاجها.
وتتلخص القصة التي نشرتها «الرأي العام» أن أحد
المدرسين ضرب تلميذًا في رأسه دون حق فشج رأسه فأرسله المدرس إلى المضمد الذي لم
يكن موجودًا، فحوله الناظر إلى المستوصف مع اثنين من المدرسين، وفي المستوصف كذب
المدرسان على الطبيب حين سألهما عن السبب فقال إنه وقع أثناء النشاط المدرسي،
وحرضا الطالب بأن لا يخبر أهله بالواقع وليقل لهما إنه وقع أثناء النشاط المدرسي.
ونحن هنا لا نناقش مسألة الضرب فهذا موضوع آخر إنما
نتعرض لما هو أخطر منها وهو الكذبة التي أطلقها المدرسان على الطبيب وأيضًا تشجيع
الطالب على الكذب، فنحن نعلم أن الغاية الأساسية للتعليم هي التربية، ولا يجدي علم
مع انعدام التربية.
وأهم ناحية في التربية هو القدوة فكيف يكون سلوك
الطالب وهو يرى مدرّسه القدوة يكذب بل ويدفعه للكذب.. بالطبع سيكون سلوك هذا
الطالب هو سلوك مدرسه الذي اتخذه قدوة له فتجده لا يتوانى عن الكذب عند أي موقف
يواجهه... وهذا يدعو وزارة التربية إلى التشديد في اختيار المدرسين ولا تشترط فيهم
الكفاءة بل تشترط فيهم أيضًا الخلق الحسن... لأن مسألة المحافظة على الجيل في
الدرجة الأولى من الأهمية فكيف نأتي لهم بمن هو ليس بكفء لا في دينه ولا في أخلاقه
وللأسف فإننا نجد فئة من المدرسين اتخذوا من التدريس مهنة لجلب المال والعيش منها
فقط وليس لأداء رسالة نحو أمته ونحو الناس.. لذلك تجد هذا الصنف من المدرسين يهمه
المال الذي يحصل عليه آخر الشهر ولا تهمه أحوال الطلاب وقد لا نجد عنده الخلق الذي
يؤثر في الطلبة التأثير الجيد، فما رأيكم في مدرس يبادل التلاميذ الكلام البذيء،
أو في مدرس التربية الإسلامية الذي لا يصلي.. إلى آخره من الأمثلة الكثيرة التي
نجدها في واقعنا؟؟
إن المدرس يجب أن يعلم أن حركاته محسوبة عليه ليس
داخل المدرسة فقط بل وخارجها لأنه في مركز القدوة، وأي تصرف شاذ يؤخذ عليه وقد
يؤدي إلى تطبع الكثير من الطلاب بهذا التصرف الخاطئ.. لذا كانت القدوة مركزًا ليس
بالهين يحتاج إلى شخص أهل لذلك، لذا نرى أنه يجب على وزارة التربية أن تتشدد في
اختيار المدرسين وأن تراقب الشاذ منهم فتبعده لأن هذا الجيل أمانة في أعناقنا
علينا أن لا نفرط فيها.
وعلى هذه الصفحة كلمة للأستاذ محمد قطب يبين فيها
أهمية القدوة لنعرف قدرها ونرى كيف أن الإسلام اهتم أول ما اهتم بالقدوة في
التربية.
أسلوب الضرب.. بين إباحته ومنعه
قال لي بحماس شديد: أسمعت قصة المدرس الذي ضرب
طالبًا فشج رأسه، إنها ليست الوحيدة، فالكثير منها يحدث.. ولا أدري يا أخي لماذا
تسمح الوزارة بأسلوب الضرب هذا، إني أرى أن يعاقب كل مدرس يضرب طالبًا إما بالفصل
أو بالإنذار.. ألم تسمع عن ابن فلان الذي ضربه المدرس حتى أغمي عليه.. وابن فلان.
فقاطعته وقلت: حنانيك يا أخي.. مالك هكذا تتكلم
باندفاعة وعاطفة.. لماذا هذا التجني الشديد على المدرسين.
ما هكذا تعالج الأمور.. إن مناقشة أي مسألة تحتاج
إلى هدوء وروية وتعقل.
● قال: أتعني أنه من حق المدرس
أن يضرب الطالب كيفما شاء لا رقيب ولا حسيب؟ إن الطالب إنسان يحس ويرى ويسمع أن هذا
الأسلوب شائن وإني لأعجب منك كيف تدافع عنه.
● قلت: ما زلت يا أخي في فورتك
وأنت حملتني من الكلام ما لم أقله، ولكن أتح لي الفرصة بالكلام لأفصح عن رأيي.
● قال: تفضل... ولكن لا تقل
لي إن أسلوب الضرب أسلوب صحيح فأنا منذ الآن مخالفك في الرأي.
● قلت: اسمع رأيي أولًا ثم احكم
عليه، ولا تحكم على الأشخاص قبل سماعك لرأيهم. فأنا معك في أن أسلوب الضرب هذا أسلوب
خاطئ بهذه الشكلية وبهذه الصورة. ولكن لا يدعونا هذا إلى أن نقول إن أي استعمال للضرب
كأسلوب تربوي خطأ. فحين يضرب المدرس تلميذًا لأنه لم يفهم المادة فهذا أسلوب خاطئ لأن
ذلك يولد لدى الطالب عقدة في المادة، فأنا أعرف تلميذًا هو الآن في الفصل الثالث الابتدائي
ويصعب عليه الجمع والطرح فلما سألت عن السبب قيل لي إن مدرسه حين كان في الفصل الأول
الابتدائي يضربه ضربًا مبرحًا فتولدت لديه عقدة في مادة الحساب وكثير من أمثال
هذا.
ولكن ألست معي في أن الضرب مفيد في طالب مشاغب يؤذي
المدرس ويؤذي التلاميذ ولم يفد معه النصح والإرشاد.. ألا يستحق هذا الطالب الضرب
ليتأدب.
● قال: في هذه الحالة أنا موافقك
في الرأي.
● قلت: وما رأيك في طالب أهمل
كثيرًا في عمل واجباته.. وهو يصر على هذا الكسل دون مبرر ألا يستحق هذا الضرب ليتأدب
وليشعر بالمسؤولية؟
● قال: نعم فلا يفيد في هذا
إلا الضرب.
● قلت: ولكن ليس من الصواب أن
يُعاقَب طالب بالضرب لأنه لأول مرة لم يقم فيها بالواجب لظروف واجهته والضرب غير مناسب
لطالب لا يحتاج ليتأدب إلا أن نقول له كلمة صغيرة فيؤثر فيه فتدفعه إلى العمل. إن أسلوب
الضرب هو في الواقع أسلوب تربوي يحتاج منا أن نستعمله في وقته المناسب، وإن كل شيء
حسن حين يفرط في استخدامه ينقلب إلى سيئ.
● قال: معك حق يا أخي لقد لفت
نظري إلى أشياء كنت غافلًا عنها.
● قلت: إن الأمور تناقش بالعقل
وليس بالعاطفة لأن العاطفة يسندها الهوى، والهوى دائمًا يضل عن الصراط السوي.
التربية بالقدوة
لمحمد قطب
القدوة في التربية هي أفعل الوسائل جميعًا وأقربها
إلى النجاح، من السهل «تأليف» كتاب في التربية، ومن السهل تخيل منهج، وإن كان في
حاجة إلى إحاطة وبراعة وشمول... ولكن هذا المنهج يظل حبرًا على ورق.. يظل معلقًا
في الفضاء.. ما لم يتحول إلى حقيقة واقعة تتحرك في واقع الأرض..
ما لم يتحول إلى بشر يترجم بسلوكه وتصرفاته ومشاعره
وأفكاره مبادئ المنهج ومعانيه. عندئذ فقط يتحول المنهج إلى حقيقة، ويتحول إلى
حركة، ويتحول إلى تاريخ.
والقدوة للجميع هي شخصية الرسول التي تتمثل فيها كل
مبادئ الإسلام وقيمه وتعاليمه.
ومن ثم يقيم الإسلام منهجه التربوي على أساس أنه هو
الذي يسير المجتمع ودفة الحياة إنه لا يجعل التربية مجهودًا فرديًا يخفق أو ينجح..
تذروه الرياح والأعاصير! وإنما يجعله منهجًا شاملًا متكاملًا يبدأ بولي الأمر
وينتهي بالطفل الرضيع: حكم إسلامي ومجتمع إسلامي.. وتربية إسلامية. وتلك مسألة
بديهية. فكل نظام يضع منهجًا على أساس أنه هو الذي يقوم بتنفيذه.
وحين يتكون مجتمع إسلامي فإنه يشرب أطفاله مبادئ
الإسلام عن طريق القدوة القائمة في هذا المجتمع، متمثلة في الأسرة والوالدين.
إن الولد الذي يرى والده يكذب.. لا يمكن أن يتعلم
الصدق! والولد الذي يرى أمه تغش أباه أو أخاه أو تغشه هو نفسه.. لا يمكن أن يتعلم
الأمانة!
والولد الذي يرى أمه مستهترة لا يمكن أن يتعلم
الفضيلة.
والولد الذي يقسو عليه أبوه لا يمكن أن يتعلم
الرحمة والتعاون..
والأسرة هي المحضن الذي يبذر في نفس الطفل أول
بذوره، ويكيف بتصرفاته مشاعر الطفل وسلوكه.
ومن ثم ينبغي أن تكون أسرة نظيفة. أسرة مسلمة. حتى
ينشأ جيل مسلم يحقق في نفسه مبادئ الإسلام. بأخذها بالقدوة المباشرة.. المنقولة عن
قدوة الرسول.
وينبغي أيضًا -بالإضافة إلى ذلك- أن تكون سيرة
الرسول جزءًا دائمًا من منهج التربية سواء في المنزل أو المدرسة أو الكتاب أو
الصحيفة أو المذياع. لتكون القدوة دائمة حيةً شاخصة في المشاعر والأفكار.
كلمات تربوية لابن الجوزي
● من الغلط حفظ الكثير، أو الحفظ
من فتور، فإن القلب جارحة من الجوارح، وكما أن من يحمل المائة رطل، ومنهم من يعجز عن
عشرين رطلًا فكذلك القلوب.
● للحفظ أوقات، أفضلها إعادة
الأسحار وأنصاف النهار، والغدوات خير من العشيات ولا يحمد الحفظ بحضرة خضرة ولا على
شاطئ نهر لأن ذلك يلهي، والأماكن العالية للحفظ خير من السوافل.
● ترفيه النفس من الإعادة يومًا
في الأسبوع ليثبت المحفوظ وتأخذ النفس قوة كالبنيان يترك أيامًا حتى يستقر ثم يبنى
عليه.
● تقليل المحفوظ مع الدوام أصل
عظيم، وألا يشرع في فن حتى يحكم ما قبله، ومن لم يجد نشاطًا للحفظ فليتركه، فإن مكابرة
النفس لا تصلح.
نقلًا عن كتاب «صيد الخاطر»