; جراحات القدس والرصاصة اليهودية | مجلة المجتمع

العنوان جراحات القدس والرصاصة اليهودية

الكاتب محمد عبدالهادى

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1982

مشاهدات 72

نشر في العدد 567

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 20-أبريل-1982

• الصراع العربي الإسرائيلي يدخل مرحلته الجديدة من البوابة الأردنية.

• اليهود ألين غودمان نفذ عملية تندرج في سياسة بيغن الجديدة.

• إثارة أهالي الأرض المحتلة بإطلاق الرصاص في الأقصى ومبدأ يهودية المعركة.

• منطقة الحرم القدسي أكثر المناطق الفلسطينية اشتباكًا مع الصهاينة 

• ثورة الأرض المحتلة والظرف اليهودي على الصعيدين الداخلي والخارجي.

الجرح الأكبر كان في /5/ يونيو عام 1967- يوم سقطت قدسية التاريخ العربي وقدسهم في أسر اليهود.

وإذا كانت الأنظمة العربية قد نامت عن جرح شعوبها، فإن شعوب الإسلام لا تفتأ مطالبة بالمعركة وأمام هذا النداء الشعبي الصارخ، دأب العدو اليهودي على نكئ الجراح بشكل مستمر... وكلما حان له وقت ووافته مناسبة، لذا فقد كانت جراحات القدس كثيرة وعميقة، وكان من أعمقها وأشدها أثرًا حريق القدس الكبير في أغسطس عام 1969م ثم تتالت الجراحات مرورًا بالحفريات التي استهدفت المواطن المقدسة في مدينة القدس، ووصولًا إلى موضوع الإعلان عن ضم القدس وجعلها عاصمة أبدية موحدة للدولة اليهودية وانتهاء بمذبحة الأقصى الأخيرة يوم الأحد 11/4/1982.

فيا لجراحات القدس... ويا لثورات المسلمين.

هناك اعتقاد لدى معظم المراقبين السياسيين- والصحافيين الذين كانوا في زيارة القدس ساعة الاعتداء على المسجد الأقصى والمصلين فيه يشير إلى أن حادثة الأقصى نتج عن افتعال يهودي مدبر خلافًا لما صدر عن الحكومة الإسرائيلية من تصريحات. وهذا يعني أن الحادث يحمل من دلالات معينة يتنافى معها أن يكون «ألين غودمان» منفذ الحادث رجلًا مخبولًا كما زعمت الأجهزة اليهودية المحتلة في فلسطين.

وإذا كان «غودمان» ينتمي إلى إحدى الطوائف اليهودية المتعصبة التي يساندها فكريًا عدد كبير من الإسرائيليين كما أوردت «الواشنطن بوست» في أحد تقاريرها فإن مجلة التايم الأمريكية ربطت الحادث وملابساته بمقولة ليهودي نقلتها عنه قبل الحادث بأسابيع قليلة لدى حديثه إليها قائلًا: 

«معركتنا المقبلة ستكون حول منطقة الحرم، إذن سنكافح من أجل إنشاء محفل يهودي في المنطقة».

وهنا لا بد للمراقب لأوضاع الأرض المحتلة من ملاحظة ما يلي:

1- أن التجمعات اليهودية الموصوفة بالتعصب داخل الأرض المحتلة تمنح في كثير من الأحيان الحكومة الإسرائيلية الفرص السياسية- والأمنية لتسويس الأوضاع الفلسطينية في الداخل على أساس الأمر الواقع. وتبرز هذه المسألة كثيرًا في موضوع المستوطنات واغتصاب أراضي الأفراد والعائلات العربية... إضافة إلى موضوع العنف الذي تتميز به هذه التجمعات.

2- تحاول الحكومة اليهودية إبراز ما يسمى بـ«يهودية» المعركة مع العرب ولا سيما بعد أن ثبت لدى الإسرائيليين أن الشعوب المسلمة تطالب بإسلامية المعركة مع اليهود ولذلك جاء هدف العدوان الإسرائيلي الأخير؛ ليكون هدفًا إسلاميًا عامًا يقوم على أساس من تكتيك ذي جوانب تتعلق بظروف السياسة الداخلية والسياسة الخارجية لحكومة مناحيم بيغن.

وإذا كنا لا نريد الوقوف مليًا عند هذه النقطة... فإننا نود أن نكمل لقاءنا في إطار الحادث بالملحوظات التالية:

□ منطقة الحرم القدسي «المسجد الأقصى» كان أكثر المناطق الفلسطينية اشتباكًا بين اليهود والفلسطينيين بدءًا من عام 1976 حيث تسلم مناحيم بيغن وتجمع ليكود السلطة في الأرض المحتلة، فقد زادت الاشتباكات بحسب إحصائية أوردتها مجلة التايم الأمريكية على «100» اشتباك منذ ذلك الوقت.

□ إن حريق الأقصى «عام 1969» ما زال هو الرمز الذي يوجه السلوكية اليهودية على المستويين الشعبي والرسمي في حرب ما هو إسلامي في مدينة القدس بخاصة وسائر مواقع الأرض المحتلة بشكل عام. وقد عبر أحد المراسلين الأجانب عن هذه الحقيقة بقوله:

«إن حكومة بيغن تحلم بإيجاد الكنيس اليهودي على أطلال الأقصى».

ومن هذه الحصيلة الحديثة يستطيع المراقب أن يعتقد أن حادث الأقصى في الأسبوع الماضي يحمل أهدافًا سياسية وأهدافًا دينية يهودية معًا. ويعزز هذا أن الهدف الديني ولا سيما في توجيه «تجمع ليكود» لا ينفك عن الهدف السياسي بحال من الأحوال.

وهكذا صب الإسرائيليون الزيت على النار في الأرض المحتلة لتشتعل الضفة الغربية وقطاع غزة مرة واحدة بعد أن أوشك الزخم الشعبي «ليوم الأرض» على الانحسار قبل حادث الأقصى الأخير الأمر الذي يشير إلى أن ظرفًا معينًا تعيشه الحكومة اليهودية سنستوضحه فيما يلي:

الظرف اليهودي: 

تعيش الحكومة اليهودية ظروفًا متشابكة تتجاذب بيغن ووزراءه بين مد وجزر سياسيين.

• فعلى المستوى الداخلي وصل التنافس قبيل تفجير الأوضاع داخل الأرض المحتلة إلى مستوى عال من التوتر السياسي-الحزبي بين تجمع «ليكود» وتجمع «المعراخ» المعارض حتى وصل الأمر إلى طرح الثقة في البرلمان بحكومة بيغن مرات متلاحقة عديدة وقد ازدادت نسبة الحساسية الحزبية المضادة لبيغن عندما انضم إلى المعارضة بعض البرلمانيين المنتمين إلى أحزاب وكتل سياسية صغيرة كانت تدعم وجود بيغن من ذي قبل.

• وعلى مستوى منطقة الشرق الأوسط والجيران «العرب» تعيش الحكومة اليهودية أمام موضوعين يحملان كثيرًا من الحساسية التي يمكن أن تنعكس على الشعب اليهودي والتركيبة الحزبية داخل الأرض المحتلة، هذان الموضوعان هما:

1- التراجع عن شبه جزيرة سيناء والتخلي عنها لمصر، وموعد ذلك «25» أبريل الجاري.

2- الصراع السياسي مع الأردن ومنظمة التحرير حول موضوع روابط القوى الذي أرادت إسرائيل أن يكون المرحلة التمهيدية للحكم الذاتي الفلسطيني وفق الخيار اليهودي المتعلق برغبة مناحيم بيغن ووزرائه في تقنين إداريات الضفة الغربية وقطاع غزة بشكل يتعارض أساسًا مع المبادرات العربية للصلح من ناحية والجهد الأردني السابق في المحافظة على الشكل الإداري المدني السابق للفلسطينيين داخل الأرض المحتلة.

3- الموقف في جنوب لبنان وتأزمه خلال الأسبوعين الماضيين، ذلك الموقف الذي حشدت إسرائيل فيه «40» ألف جندي بهدف اجتياح الجنوب وتصفية العناصر الفلسطينية فيه.

تقول الواشنطن بوست:

«الإسرائيليون يريدون المعركة في الجنوب، فهم يعتقدون أنها سوف تتيح لهم تصفية منظمة التحرير عسكريًا تمهيدًا لتصفيتها سياسيًا داخل الضفة وقطاع غزة فيما بعد عن طريق روابط القوى التي تساند سياستها».

ووسط هذا الظرف اليهودي جاء تأزيم الأوضاع داخل الأرض المحتلة بفعلة يهودية مدبرة مما يتيح لحكومة بيغن إشغال الأطراف الحزبية اليهودية معها في ظرف جديد يمس الكيان الإسرائيلي القادم على أرض فلسطين كله؛  ليضيف بعد ذلك مناحيم بيغن إلى سجل المساومات اليهودية ورقتين كبيرتين إزاء التنازل عن سيناء لمصر، وهاتان الورقتان هما «غزو الجنوب- ضم الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين إلى السيطرة الحكومية الإسرائيلية عسكريًا وإداريًا وسياسيًا» وعندها يحل بيغن مشاكله التي يصر على إبرازها ضمن حديثه عن:

- مسألة الخلاف في ترسيم الحدود مع الحكم المصري عند سيناء، حيث سينتقل بعد ذلك الترسيم إلى شرقي الأردن ووسط لبنان.

- وضع الخيارات العربية أمام الأمر الواقع بعد كسب الجولة الجديدة بشكل سلمي عجيب.

- امتلاك ناصية القرار السياسي في أية مفاوضة محتملة مع الجيران «العرب».

- الخروج من الهزيمة السياسية التي كادت أن تعصف بحكومة بيغن داخل البرلمان أمام الخصوم الحزبيين أولي القوى المتنامية.

- إنهاء مرحلة زمنية محددة باتجاه حلم اليهود الأكبر وتأسيس دولة إسرائيل الكبرى.

إن التكتيك اليهودي الواضح للعيان يحمل مؤشرات كثيرة تؤكد أن الحكومة الإسرائيلية تخطط أن تتسلم ثمن سيناء قبل تسليمها ومن هنا فإن كثيرًا من المراقبين يعتقدون أن بيغن ماضي في خطوات ضم الضفة الغربية متخذًا لذلك وسائل شتى تمحورت في الشهور الأخيرة السابقة بجهود «مناحيم...  » رئيس الإدارة المدنية الإسرائيلية في الأراضي العربية المحتلة. فقد نظم ميسلون العمل الإداري في الضفة بحيث تمر أية معاملة على ما سمي بروابط القوى.

الأردن والصراع مع سياسة بيغن:

على الرغم من جميع الملابسات والأهداف اليهودية في تصعيد التفجير داخل الأرض المحتلة فإن للأردن الشقيق دوره في المعركة السياسية الحالية مع إسرائيل المعتدية ولعل الأحداث المشهورة على الساحة السياسية العربية أفرزت وضعًا سياسيًا جديدًا بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي فيما يتعلق على الأقل «بالفلسطينيين» والنظام السوري الذي كان الإعلام العربي في معظم الحالات يعتقد أن الخيار السوري هو خيار المنظمة والفلسطينيين نفسه.

نعم، لقد دخل الأردن في معركته السياسية من أوسع أبواب الصراع العربي الإسرائيلي.

• فالقرار الأردني قبل انفجار الوضع كاملًا في الأرض المحتلة بإعدام عملاء روابط القوى كان أول قرار لدولة عربية يؤثر في السياسة اليهودية داخل الأرض المحتلة.

• وأسلوب التعامل الإداري «بين فلسطينيي الداخل والحكومة الأردنية» بات في كثير من الحالات مطلبًا شعبيًا عند الفلسطينيين؛ وذلك لأنه البديل المتوفر الوحيد للتملص من الأسلوب الإداري الإسرائيلي الجديد.

ولهذين السببين أثر كبير في الصراع العربي الإسرائيلي المحدود بأطر الحكم الذاتي والمبادرات السلمية المعروفة، وهما أمران أزعجا السلطات الإسرائيلية في الفترة الأخيرة بنسبة كبيرة.

وتبقى جريمة اليهود النكراء في المسجد الأقصى رمزًا لمحاولة إسرائيلية في شحن الموقف بالأثقال بحيث تستطيع الحكومة اليهودية الإفادة من الظروف المحيطة بها على الصعيدين الداخلي والخارجي منطلقة من سياسة قد نقرأ عنها في المستقبل القريب هي «مواجهة العنف بالعنف».

الرابط المختصر :