العنوان الأصالة في الأدب تعبير عن الشخصية الإسلامية
الكاتب د. محمد عادل الهاشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-ديسمبر-1984
مشاهدات 56
نشر في العدد 694
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 04-ديسمبر-1984
لما كان الحديث عن الأدب الإسلامي جديدًا على الأسماع التي ألفت طرح المقاييس الأجنبية في الأدب دون اعتراف بالمقاييس الأصيلة، حسن قبل أن نعرض لآفاق الأدب الإسلامي وأبعاده أن نعرض لتلبية الأدب الإسلامي ما تنشده أمتنا المسلمة من تعبير أصيل عن شخصيتها الحضارية، فما هي الأصالة في الأدب؟ وما طريقها؟ وما آفاقها؟
الأدب في أمة تقويم لحياة الإنسان فيها، وانعكاس لتطلعاته وآماله، وتاريخ صادق لمراحل نهضته وانبعاثه، يعكس فكر الأمة وما يعتلج في مشاعر أبنائها، وهو مرآة لفكر الإنسان وحياته الوجدانية.
ونستطيع إذا شئنا أن نزود أدبنا من ينابيع أصالتنا ووجودنا، بوصفنا أمة ذات تراث عريق وذات أهداف رفيعة، وأنه ليس ما يلزمنا برأي دون آخر مما يطرح في العالم من آراء في الفن والأدب إلا ما يرقى بأمتنا، ويوسع من عوالمنا، ويصوغ وجداننا الإنساني بما يحقق شخصيتنا الحضارية، ففي ابتعاثها حل لأزمة التعبير في أدبنا بإحلال الأصالة والتميز مكان التغريب:
«إن الشخصية الحضارية هي حل لكل هذه الأزمات الأدبية والفنية والفكرية التي يزخر بها السوق الأدبي والفني والثقافي، كما انحلت كثير من أمثالها في الآداب الأخرى» (1).
إن الأدب لون من الفكر يصل ماضي الإنسان بحاضره، وبه يستشرف مستقبله؛ لذا كان الأدب الذي لا يصدر عن قيم الإنسان وفكره الأصيل أبترًا لا جذور له، لا يلمس في نفس الإنسان الأصيل أوتارًا، ولا يعديها بأثره، ونرى الأدب الذي زورته الأقلام عن تجارب الغير ولم تعتصره القلوب لا يصنع نفوسًا ولا يروي تطلعًا، ولا يقفز بأبناء الأمة إلى الأمام، قد يشغل الساحة الأدبية زمنًا، ولكنه يظل في التقويم الفني معزولًا عن تراث الأمة، غريبًا عن روحها، بعيدًا عن اهتمامات الإنسان فيها، لا يعبر عن تصوره للوجود ولا فطرته الأصيلة في الحياة، إنه يظل موجة تمر، ثم تتلاشى وليس تيارًا له صفته، ودوامه، وأثره.
لذلك لم يكن أضيع على الأمة من هذه الموجات الأدبية غير الأصلية التي تشغل الناس بالسفاسف، ثم تمضي دون أن تخلف بناء أو أثرًا.
ونقدم نموذجًا لظاهرة الأصالة المعبرة عن شخصية الإنسان، ومثله صاحب ديوان: «الأرض المباركة» يجلوا لنا آفاق فلسطين المباركة والاتجاه الأصيل في معالجة قضيتها، مبتعثًا في نفوسنا شخصية الفتاح الإسلامي والإنسان الذي كان يرود الحياة:
«أرض مباركة، لم تكن بركتها في حجارة طين، في نبات أو طير، في مروج أو زهور، وإن كانت هذه كلها طيبة، ولكنها بركة عقيدة وجهاد، بركة رسالة سماوية ونبوة، بركة تاريخ طويل يرسمه وحي السماء لتمضي معه جنود الحق في صراع طويل مع الباطل» (2).
وعلى هذا الطريق من المعالجة الأصيلة يتقدم الإنسان المسلم في شخص الشاعر ليناجي في لهفة وإيمان المسجد الأقصى، رمز قداسة فلسطين، فيرسم طريق التحرير الأصيل للأقصى وما بورك حوله، من خلال رؤى الفتوح الإسلامية وذكريات وقائع الإسلام:
ربا الأقصى طيوفك ذكريات *** خشعت أمامها دمعًا هتونا
نداك يظل للإسلام مغنى *** وعطرك ظل نفح المؤمنينا
جمعت بسيد الرسل الأماني *** وبالقرآن ذكرًا مستبينا
إلهي أين أبنائي وقومي *** ومن رفعوا على شرف حصونا
مشاعلها من الإيمان وقد *** أضاؤوا دونها الدرب الأمينا
سأنتظر الليالي لا أبالي *** لألقي فيهم النصر المبينا
يظل صدى من الإسراء عهدًا *** يحرك بين أضلعي الحنينا (1)
هذا الإحساس بالذات المسلمة، وصدق التميز والانتماء- عرفناه في تاريخنا الأدبي يجلو لنا متانة الشخصية الإسلامية واستعصاءها على التغريب.
فمن القديم يتهادى إلينا صوت نهار بن توسعة صوتًا صادقًا صريحًا في انتماء الإنسان للإسلام رابطة وفكرة، ونبذ التفاخر الجاهلي بالأنساب.
دعي القوم ينصر مدعيه *** فيلحقه بذي الحسب الصميم
أبى الإسلام لا أب في سواه *** إذا افتخروا بقيس أو تميم (1)
ومن الحديث تتعاقب النماذج، فنبدأ بالواقعة القصصية التاريخية التالية التي تروي لنا كيف تبتعث الأصالة شخصية الإنسان المسلم من جديد، ترکستان بلد إسلامي حمل علماؤه رايات الحضارة الإسلامية زمنًا، قاوم في العصر الحديث الغزاة الصينيين والروس لفترة طويلة من الزمن، برز خلالها بطولات نادرة من لون بطولات الأفغانيين اليوم، حارب هذا الشعب الأعزل دولتين كبريين مدججتين بالأسلحة والعتاد، وقبل أن يسدل الستار على هذه البطولات التي أخمدها التآمر العالمي، بزغ نجم قائد تركستاني هو «عثمان باتور» قاد عملية بارعة نحو (أكتاي)، فزحفت حشود إسلامية فاحتلتها وطردت الروس، يومها ابتسم منصور درغًا (جندي بارز في القصة)، وقال: هذا حظ أرملتي الحسن، أوشكت أن تترمل مرتين، ثم يحدثنا عن هذا اليوم المشهود:
«ودخلنا المدينة وخرج الرجال بالهتافات المدوية، والأطفال بالأناشيد الحماسية، كلما حققنا شيئًا من النصر يظهر وجه بلادنا الحقيقي، تغمره الفرحة، وتضيء المآذن، وينطلق منها التكبير والتسبيح، وأشعر أن آباءنا الأقدمين كأنهم يلبسون عمائمهم ويقفون على مشارف الطرق يحيون جهادنا، ويرحبون بمقدمنا، أشعر أن المجد القديم كله يبعث من جديد، فيمتلئ قلبي بالثقة، وتفيض روحي بالأمل» (5).
وأما الشعراء فيتعاقبون على هذا الميدان وينوعون فيه القول، فيبدو من خلال أحاسيسهم وتجاربهم قضية الساعة التي تشغل ألبابهم ونفوسهم، يعرض الشاعر عبد الرحمن بارود لقضية انتماء الإنسان للإيمان والإسلام، فيطالعنا بهذه الصورة المتميزة:
دارنا روضة من الخلد فيها *** يعرف الآدمي معنى الوجود
دارنا أولياؤها الملأ الأع *** لى وفود تحل إثر وفود
أسرة الكائنات فيها قلوب *** قد أضاءت بالحب والتوحيد (6)
ويجد شريف قاسم في إزدلاف المسلمين حول البيت الحرام منطلق الرسالة والنبوة والوحي، ما يبعث على الثقة بمستقبل الإنسان المسلم والأمة المسلمة وأصالتهما فيقول:
بمكة لم يطفأ سراج هداية *** وذي أمم بالبيت تسعى وترمق
وإيماءة الوحي الأمين تلفت *** على المسلم اللهفان يحنو ويغدق
وفي الدرب آثار النبوة نفحة *** تهل على المغني الوريف وتنشق (7)
ويدعم الشاعر ثقته بنظرة مستقبلية يرى من خلالها بعثًا لإنساننا المسلم من جديد، تتملاه العين، ويحياه الفؤاد:
لا تقل غاب فجرنا الرباني *** في دياجي الخطوب والأشجان
وانطفت شعلة الجهاد وغامت *** في سمانا عزائم الإيمان
أو كبا الفارس العنيد مدمى *** وتخلى عن حومة الميدان
من فجاج الصحراء أصغى لصـ *** ـوت أزلي يموج في وجداني
عربدات الهوان نوبى فهذي *** صرخات انبعاثنا الرباني
دفقة البيد موجة من غيوب *** حملتها كتائب الرحمن
وهي اليوم في ضمائرنا الحـ *** ـرى نشيد يثير روح المعاني
هو وهج الأقدار في الأضلع الظم *** أى وروح الغداء والعنفوان
ونداء الخلود من جنة الخلـ *** ـد وصوت البطولة الرنان (8)
ويمضي على هذا النحو من الشعراء كثيرون، نذكر منهم الشاعر الجزائري محمد بلقاسم خمار (9)، والشاعر الأردني يوسف العظم (١٠)، وأما الشاعر عدنان نحوي فيروي كفاح الأدب الإسلامي لبعث الوجود الإسلامي في المجتمع والحياة من خلال قصيدته «التائهون» التي يرسم فيها للإنسان الذي عصفت بشخصيته الأعاصير، كيف يستعيد شخصيته الأصيلة، وكيف يبني بها وجوده الحق بالعمل والفداء:
قم إلى المجد لا تدع هذه الدار *** عل الذل فما هواها القعود؟
لم تزل في رباك مئذنة الحـ *** ـق وما زال في ربوعك صيد
والميادين لم تزل تهب العمـ *** ــر شهيد يمضي إليه شهيد
قم وعانق على انتفاضتها المجـ *** ــد يعانق جراحك التضميد
نفحات السماء أنداء وحي *** فجرتها على الشفاه كبود (۱۱)
هذه بعض ملامح أصالتنا، إحساس بالذات، وصراع للدخيل، وإفادة من معطيات العصر بعد صهرها بشخصيتنا المسلمة التي تظل أصيلة مهما أخذت؛ لأنها تصدر عن تصور أصيل يذيب كل شيء برحابته، وسعته، وشموله.
(1) النزعة الرومانتيكية والواقعية في الأدب: ١٢٠، د. حلمي مرزوق.
(۲) ديوان الأرض المباركة من مقدمة الشاعر عدنان نحوي، بيروت.
(3) موكب النور: ۳2، ۳7 – ۳۸.
(4) الشعر والشعراء: لابن قتيبة تحقيق أحمد شاكر، القاهرة ١٣٦٦ هـ، حـ 1/537.
(٥) ليالي تركستان: نجيب الكيلاني، بيروت، طبعة ثانية 1394/1974، ص ١٤٧.
(6) شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث: أحمد عبد اللطيف الجدع وحسني أدهم جرار، بيروت 1398/1978، 1/123.
(۷) مجلة الدعوة (السعودية): ع/ ٧٤٤ عام ١٤٠٠ ص ٣٨
(۸) المجتمع (الكويتية): ع ٥٦٧، عام 1402/1983.
قصيدة: من فجاج الصحراء، شريف قاسم ص ٥٧.
(۹) انظر دیوان ظلال وأصداء: قصيدة «مولد المجد»، وظلال وأصداء محمد بلقاسم خمار: الجزائر.
(۱۰) انظر ديوان في رحاب الأقصى: قصيدة «مهلًا يا رفيق» يوسف العظم، بيروت، من أول 1390/1970.
(۱۱) موكب النور: ٢٥.