العنوان طرابلس المسلمة في مواجهة المؤامرة الباطنية
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 24-سبتمبر-1985
مشاهدات 62
نشر في العدد 734
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 24-سبتمبر-1985
•
التحالف الصليبي– الباطني– الصهيوني يسعى إلى رسم الخارطة اللبنانية من جديد.
• الهجمة التي
تشنها المليشيات النصيرية تحت اسم الحزب الديمقراطي العربي تتفق تمامًا مع خيوط
التآمر الصليبي الباطني ضد أهل السنة.
حين تحدثنا في
مقالات سابقة عن محنة أهل السنة في لبنان لم نكن نتحدث في حينها من منطلق طائفي
كما حاول البعض ممن أعمتهم عصبيتهم الطائفية أن يتهمونا به، بل كان حديث الواقع
الذي يعيشه أهل السنة في لبنان، ذلك الواقع الذي اخترنا منه في حينها ما يتعلق
بأوضاع أهل السنة في بيروت الغربية التي كانت تعيش- ومازالت- محنة سوداء نتيجة
للهجمة الطائفية التي شنتها مليشيات حركة أمل الشيعية، والتي استهدفت تثبيت
أوضاعها في بيروت فيما يشبه الاحتلال الاستيطاني تمهيدًا لجعلها مركزًا شيعيًا
يقابل المركز المسيحي الماروني في بيروت الشرقية تمهيدًا لتقسيم الكعكة اللبنانية
بين الطائفتين.
من بيروت إلى
طرابلس
وفي الوقت الذي
مازالت تتعرض فيه بيروت الغربية للهجمات الطائفية المستمرة التي تقوم بها مليشيات
أمل نجد أن الحرب الطائفية ضد أهل السنة تمتد لتشمل مدينة طرابلس عاصمة الشمال
اللبناني والمعقل الثاني لأهل السنة في لبنان، والتي كانت مع شقيقتها بيروت المحور
الأساسي الذي ارتبط من خلاله لبنان بالعالم العربي المسلم، وكانت طرابلس الشام مع
شقيقتها بيروت تمثلان حلقة الاتصال بين لبنان وبين أصوله التاريخية والجغرافية
والثقافية، وكانتا بمثابة القلاع الحصينة التي وقفت في وجه الامتداد الثقافي
الغربي المسيحي الذي حاولت فرضه القوى المسيحية المهيمنة على لبنان منذ إنشاء
الكيان اللبناني وحتى الآن، وبذلت من أجل ذلك الكثير الكثير من الجهد والدم
والتضحيات؛ ولذلك فإن أي صوت استغاثة كان بعيدًا عن أي بلد مسلم كان لا يجد له في
لبنان أي صدى حقيقي سوى في مناطق التجمع السني وبالأخص في بيروت وطرابلس، وكان حال
أهل السنة في لبنان دائمًا على هذا النحو منذ البدايات الأولى لاستقلال العالم
العربي المسلم وحتى الآن، وأكثر من يعرف هذه الحقيقة هم أبناء سوريا الذين كانوا
يطلقون على طرابلس الشام، والذين كانوا يجدون في بيروت وطرابلس الحضن الدافئ الذي
يستقبلهم عند أي هجمة يتعرضون لها سواء كانت تلك الهجمة خارجية أو داخلية.
ولهذا كله فإن
القوى المعادية لأهل السنة من مسيحية وباطنية وطائفية وصهيونية.. إلخ، كانت دائمًا
تتحين الفرصة المناسبة لضرب هذه الطائفة وتحجيم دورها، وكان الغزو الصهيوني عام ۱۹۸۲ الفرصة الكبرى لتلك القوى لضرب بيروت الغربية
وشل حركتها وحصارها ونزع سلاحها، وقد تم ذلك كله من خلال الحصار الإسرائيلي لبيروت
والتآمر لإخراج المقاومة الفلسطينية التي كانت تشكل مع أهل بيروت تحالفًا ذا خلفية
عقائدية دفعت إليه كون التواجد الفلسطيني ينتمي إلى أهل السنة، وكانت الخطة
الأمنية التي اشتركت بها القوى الصليبية والباطنية تهدف إلى نزع سلاح بيروت دون
سواها تمهيدًا لدخول القوى الباطنية والطائفية المتمثلة بحركة أمل التي تحولت إلى
ما يشبه الجيش النظامي من خلال دعم عسكري سوري لا حدود له كان آخره صفقة الدبابات
الروسية من طراز ت ٥٤ التي دكت المخيمات الفلسطينية في بيروت.
لماذا طرابلس
الآن؟
وكان الجزء
الثاني من هذه المؤامرة يتمثل في ضرب المعقل الثاني لأهل السنة وهو طرابلس، وكان
احتلال مليشيات أمل لبيروت الغربية وضربها للفلسطينيين بمثابة إعلان لحلفاء أمل
الذين يقبعون في منطقة بعل محسن في طرابلس لبدء المرحلة الثانية من المؤامرة.
ومن هنا فإن الهجمة التي تشنها المليشيات
العلوية التي تطلق على نفسها اسم الحزب الديمقراطي العربي منذ أسبوع تتفق تمامًا
مع خيوط التآمر الصليبي الباطني ضد أهل السنة، وكانت الحجة في تلك الهجمة هي «مقتل
الضابط السوري العميد علي إبراهيم» الذي لم يعرف قاتله وكيف تم ذلك ولماذا؟!
وأسئلة كثيرة تدفعنا إلى الاعتقاد أن الأمر كان مدبرًا ليكون بمثابة تبرير
للمليشيات العلوية المدعومة من قوات الردع المتواجدة حول مدينة طرابلس لتوجيه
ضربتها ضد مدينة طرابلس وبعيدًا عن مسار القتال الذي دار بين المليشيات العلوية
وبين مقاتلي الحركة الإسلامية الذين تصدوا لتلك الهجمة الباطنية، والذي سقط خلالها
ما يقرب من ٥٠٠ شخص ما بين قتيل وجريح معظمهم من أبناء المدينة الذين سقطوا ضحية
القصف العشوائي الذي استهدف الأحياء الطرابلسية، وأدى إلى نزوح آلاف العائلات إلى
الضواحي وحصار آلاف أخرى من عائلات طرابلس في أقبية المباني دون مياه أو طعام..
نقول إنه بعيدًا عن مسار المعارك فإن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الوضع: لماذا
طرابلس الآن؟
النقطة الأولى:
إن مدينة طرابلس
كما قلنا هي المعقل الثاني لأهل السنة في لبنان.. ولما كانت المؤامرة تهدف إلى ضرب
هذه الطائفة الكريمة فإن ما حصل في بيروت الغربية على يد مليشيات حركة أمل الشيعية
كان لا بد أن تستكمله المليشيات العلوية في طرابلس.
النقطة الثانية:
وتتمثل في تنامي
الحركة الإسلامية في المدينة والمتمثلة بأطراف اللقاء الإسلامي المكون من حركة
التوحيد الإسلامي والجماعة الإسلامية... والأهم من هذه النقطة هو تنامي القوة
العسكرية للحركة الإسلامية التي تمكنت من خلالها إضفاء الطابع الإسلامي البحت على
المدينة بعد أن استطاعت إقصاء كافة الحركات العلمانية المختلفة عن المسرح السياسي
للمدينة مثل الحزب الشيوعي والقومي السوري والبعث و... إلخ.. وكان لتنامي هذه
القوة العسكرية أثره الكبير في دعم المقاومة الإسلامية التي كانت تعمل على أرض
الجنوب اللبناني ضد العدو الصهيوني، وبالتالي فإن ازدياد حجم هذه القوة كان يشكل
قلقًا للقوى الصليبية والباطنية.. ومن هنا فقد كانت عمليات الدعم الكبيرة والمستمرة
للمليشيات العلوية أحد أهم الوسائل التي نفذتها قوى التآمُر في مواجهتها للحركة
الإسلامية في طرابلس، إضافة إلى أن قوة الحركة الإسلامية في طرابلس يعني بداهة
تأثر بقية مناطق التجمع السني بهذه القوة تأثرًا إيجابيًا يمكن أن يؤدي إلى تخلخل
خطة التآمر واهتزاز قوة المليشيات الشيعية التي تمثلها حركة أمل، والتي أريد لها
بسط هيمنتها على بيروت والجنوب، وهذا لا يتناسب البتة مع خطة التآمر الرامية إلى
حصر القوى النافذة في لبنان بقوتين رئيسيتين فقط هما القوة المسيحية المارونية
والقوة الشيعية التي تمثلها أمل، ومن هنا فإن ضرب القوة الإسلامية في طرابلس كان
ضروريًا لتنفيذ هذا المخطط التآمري.
النقطة الثالثة:
وتتمثل في وضع
مدينة طرابلس بشكل عام بالنسبة للقضية اللبنانية والقضية الفلسطينية حيث نعتقد أن
ما يجري في المنطقة يوحي بأن ثمة ارتباطا تاما بين القضيتين أو بمعنى أصح أن القوى
الدولية ربطت حل القضية اللبنانية بالقضية الفلسطينية، وأن ما يجري على الساحة
الآن ما هو إلا مساومات ومقايضات تهدف إلى إرضاء بعض الأطراف على حساب القضية
بكاملها، ولا نستبعد أن تكون مدينة طرابلس جزءًا من هذه المساومات التي ستأخذ أحد اتجاهين:
فإما أن تكون المدينة داخل الحدود الجغرافية لسوريا، وإما أن يتم الهيمنة عليها من
خلال الطائفة العلوية ذات الارتباط الطائفي بسوريا، وخاصًة أن مدينة طرابلس تُعتبر
الامتداد الطبيعي للشريط الساحلي السوري الذي تتركز فيه الطائفة العلوية السورية،
ومن هنا فإن طرابلس تشكل بالنسبة لسوريا بعدًا سياسيًا وطائفيًا.
ولهذا كله كان
لابد من ضرب الحركة الإسلامية التي تقود المدينة، ونزع سلاحها سواء تم لهم ذلك من
خلال الخطط الأمنية «كما حدث في بيروت» أو من خلال الهجمة العسكرية التي تقوم بها
المليشيات العلوية المدعومة من سوريا... ولما كان نصيب الخطة الأمنية الفشل نظرًا
لإصرار الحركة الإسلامية على رفض سحب أسلحتها؛ كان لابد من اتباع الأسلوب العسكري
الذي تم تنفيذه من خلال المليشيات العلوية التي تم دعمها بمختلف أنواع الأسلحة
المتطورة مثل صواريخ غراد، ولم تكتف القوى المُتآمرة بدعم هذه المليشيات عسكريًا
بل تعدى ذلك إلى الدعم البشري، حيث تتحدث مصادر دبلوماسية وصحفية ومنذ أكثر من عام
عن هجرة الآلاف من العلويين المقيمين في لواء اسكندرونة إلى منطقة بعل محسن في
طرابلس حيث تتمركز الطائفة العلوية.. وقد تمكن هؤلاء من الوصول إلى طرابلس عبر
تسهيلات معروفة أشرفت عليها سلطات عربية ذات انتماء طائفي مشترك.
النقطة الرابعة:
وتتمثل في سعي
قوى التحالف الصليبي والباطني والصهيوني إلى رسم الخارطة اللبنانية من جديد وبشكل
يتفق تمامًا مع الاتجاهات السياسية والعقائدية لتلك القوى، والأحداث التي تجري
حاليًا على الساحة اللبنانية توحي بأنه ثمة اتفاق تكتب سطوره الأخيرة يقضي بتقاسم
الهيمنة على لبنان بين الطائفتين الشيعية والمارونية على أن تكون الرئاسة
للمارونيين، وترعى هذا الاتفاق سوريا بدعم وتأييد من القوى الدولية، فإسرائيل لا
ترى بدًا من هيمنة نصرانية على لبنان وتقبل بمشاركة شيعية تمثلها أمل وخاصة في
الجنوب حيث الحزام الأمني "الإسرائيلي" الذي تضمنه أمل؛ وبالتالي فإن
ضرب القوة العسكرية الإسلامية «السنية» التي يخشى من تحالفها مع الفلسطينيين يتفق
مع اتجاهاتها تلك.
ونصارى لبنان
تتفق توجهاتهم مع التوجهات الصهيونية والباطنية في ضرورة ضرب القوة الإسلامية
السنية وتحجيم دورها حتى لا يتكرر ما حصل في السبعينيات، حين تحالف الشارع
الإسلامي مع المقاومة الفلسطينية أثناء الحرب اللبنانية وأثناء الغزو الصهيوني
للبنان عام ۱۹۸۲، من حيث إن هذا التحالف يُشكل خطرًا كبيرًا
على مستقبل الوجود النصراني والهيمنة النصرانية على لبنان.. ومن هذا كله يتبين لنا
أن قوى التحالف الصليبي والباطني والصهيوني و... تتفق فيما بينها على ضرب أهل
السنة في لبنان من بيروت إلى طرابلس.
وبعد:
فإننا على يقين
تام من أن المؤامرة على أهل السنة لا تقتصر على لبنان وحدها وإنما تتعداها إلى
أبعد من ذلك لتشمل العالم الإسلامي كله، والناظر في أوضاع العالم الإسلامي يلاحظ
وبوضوح أن خيوط المؤامرة تنتشر على امتداد هذا العالم مع اختلاف درجة وضوحها من
قُطر إلى قُطر، وإننا على يقين أيضًا أن أهل السنة في بيروت وطرابلس و... يقفون
الآن في خندق المواجهة مع أطراف التآمُر الصليبي الباطني الصهيوني، ونحن نعلم أنهم
يقفون هناك وحدهم بإمكاناتهم التي لا تقارن بإمكانات عدوهم الذي دفعت إليه من كل
جانب أشكال الدعم المختلفة، إن المليشيات العلوية في طرابلس لم تكن لتستحق أدنى
اهتمام من المسلمين في طرابلس لولا هذا الدعم المادي والبشري المتواصل.. وطرابلس
اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى لمساعدة إخوانها في العقيدة، وإن حكام العالم
الإسلامي مدعوون اليوم وبالسرعة اللازمة لبذل كل جهد ممكن لدعم طرابلس التي تقاتل
دفاعًا عن أهل السنة في كل مكان.. فهل يستجيبون؟