العنوان من الكفاح.. إلى الانبطاح
الكاتب أحمد عز الدين
تاريخ النشر السبت 14-نوفمبر-2009
مشاهدات 69
نشر في العدد 1877
نشر في الصفحة 27
السبت 14-نوفمبر-2009
- كيف انتقلت القيادات الأمنية الفلسطينية من المواجهة مع العدو إلى التنسيق الوثيق ضد المقاومة؟
- يتعجب المرء كيف انتقل «مناضلون» من حالة الصراع والمواجهة إلى الرضوخ.. بل والعمالة تحت اسم التعاون والتنسيق
حالة كثير من مناضلي السلطة الفلسطينية تستحق دراسات نفسية وسيكولوجية عميقة تفسر لنا كيف تم هذا التحول الغريب، وإلى أن تتم هذه الدراسات - إن قدر لها أن تحدث - يبقى الجدل قائما ومحاولات التفسير مستمرة.
وقد يسارع البعض إلى القول بأن أولئك المناضلين هم عملاء للعدو منذ البداية، ولم يكونوا أبدا مخلصين في خدمة قضية بلدهم، ويستدل على ذلك بالكثير من الأخطاء التي ارتكبت بحق القضية الفلسطينية، ولعل أقرب مثال لذلك موقف السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس من تقرير جولدستون» الذي يدين انتهاكات العدو الصهيوني في حربه على غزة قبل أشهر، وكيف أن عباس قدم هدية ثمينة للصهاينة بطلبه إرجاء مناقشة التقرير.. وهذا القول إن صح على القليل من القيادات فإنه لا يصح على الأغلبية خاصة وأن الحالة لم تعد اليوم قاصرة على القيادات التي تسلقت إلى رأس السلطة، ولكنها تنطبق على كثيرين في المستويات الأقل وقد تصل إلى صغار الجند والموظفين.
وقد يفسر البعض ما حدث بما يعرف بمرض «أستكهولم»، وهو الذي يجعل الضحية تخضع للجاني بعد تكرار الاعتداء عليها، وتلبي طلباته، بل وتتعاطف معه.
جهد مخابراتي
والواقع أن جهدا كبيرا قد بذل لتطويع أولئك المناضلين السابقين لحرفهم عن مسارهم الأول، ولبث أفكار مختلفة في أذهانهم وخلق أوضاع جديدة في حياتهم تدفعهم للسير في الطريق الجديد الذي رسم لهم، وقد شارك في ذلك الصهاينة والأمريكان، وإلى حد ما الأوروبيون.
كانت البداية بلقاءات سرية مع دعاة السلام من اليسار الصهيوني، رعتها دول أوروبية تتناول المشكلة بشكل عام، ثم أصبحت اللقاءات علنية في أوروبا أيضا، ثم حان وقت اللقاءات السياسية مع مسؤولين في الحكم في تل أبيب، أسفرت في النهاية عن اتفاق أوسلو»، لكن هذه اللقاءات ضمت أعدادا قليلة من السياسيين الفلسطينيين وليس هناك ما يضمن الانقلاب عليهم إذا بقيت هناك معارضة قوية داخل المؤسسات ذات التأثير وبخاصة المؤسسات الأمنية للتنازلات المجحفة التي قدمها الساسة دون موافقة من الشعب صاحب القضية.
فكان لا بد من استدراج القيادات الأمنية إلى الملعب ذاته وصولا لأصغر القواعد لتبني المواقف ذاتها التي انحدر إليها القادة السياسيون.
وفي مذكرات جورج تينيت مدير المخابرات المركزية الأمريكية بين عامي ۱۹۹۷ و ۲۰۰٤ م نرى جزءا من عملية التحول التي تمت: ويحكي تينيت في مذكراته التي حملت اسم في قلب العاصفة، كيف تم استدراج القيادات الأمنية للوقوع في الفخ الذي يبدو أنها كانت مهيأة له، إذ لم تبد أية مقاومة أو ممانعة، وكل ما كانت تخشاه هو الفضيحة!! فبعد موجة التفجيرات الاستشهادية في الأرض المحتلة عام ١٩٤٨م. التي وقعت بدءا من أواخر فبراير ١٩٩٦م. وخلفت أكثر من ستين قتيلا صهيونيا استغل الأمريكيون الفرصة لترسيخ قناعة عند ياسر عرفات والسلطة الفلسطينية وبعض الأنظمة العربية بأن فصائل المقاومة وبخاصة حركة المقاومة الإسلامية حماس أصبحت أقوى مما ينبغي، وأنها قادرة على تدمير العملية السياسية التي يسعون لإنجازها، والتي ربطوا مصائرهم بها.. بدا الأمر كأنه يمثل تهديدا حقيقيا لهم، وأنه لا مفر من التعاون الأمني مع الصهاينة والأمريكيين لوقف ذلك الاتجاه.
سؤال من كلينتون»
وفي مارس ١٩٩٦م، توجه وفد أمريكي برئاسة الرئيس الأسبق بيل كلينتون إلى الشرق الأوسط في محاولة لإعادة بدء المفاوضات المتعثرة بين الصهاينة والفلسطينيين، وفي أثناء الرحلة - كما ينقل تينيت» عن دينيس روس المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط - طرح كلينتون» سؤالًا: ماذا علينا أن نفعل لننقذ عملية السلام؟ ومن ذلك السؤال ولدت قمة صناع السلام» التي عقدت في ذلك الربيع في «شرم الشيخ المصرية، وكانت القمة ترمي إلى أن توضح ل الإسرائيليين في بيل كلينتون شكل لا لبس فيه أنهم ليسوا وحدهم!! كانت قمة هدفها صنع السلام للصهاينة وحدهم.
في الرحلة نفسها، تم التوصل إلى قناعة أخرى من دون تحقيق تقدم متزامن في القضايا الأمنية، لن تؤدي العملية السياسية وحدها إلى جلب السلام.. ما لم تكن القوى الأمنية الفلسطينية والإسرائيلية في اتصال دائم وتعمل على تحقيق الأهداف النافعة المتبادلة، فستتمكن «حماس»، أو أية مجموعة مماثلة من تدمير ما أنجز السياسيون.. اتفق كلينتون» و«روس» علي المبدأ، لكنهما ارتأيا أن يكون أحد ما مسؤولا عن إنجاز الترتيبات الأمنية»، وقد تم اختيار جورج تينيت ذاته - وكان وقتها نائبا لمدير المخابرات المركزية - لتنفيذ هذه المهمة.
ويضيف «تينيت» في أوائل مارس ١٩٩٦م، قبل أيام من انعقاد قمة صناع السلام في شرم الشيخ، وفي أول ممارسة حقيقية لواجباتي توجهت إلى «إسرائيل» مع بعض كبار المسؤولين المحاولة التوصل إلى أرضية مشتركة بين أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والفلسطينية التشديد قضايا الأمن كمسار مواز للقضايا السياسية - الإقرار بأن عملية السلام غير ممكنة بدون الأمن - كان فريدا، في تجربتي على الأقل. وشدد دينيس روس» كبير المفاوضين الأمريكيين في شرم الشيخ على النقطة نفسها أمام ياسر عرفات. وكما روى دينيس روس لاحقا ما دار بينه وبين الرئيس الفلسطيني: ستنتهي عملية السلام ما لم تفعل شيئا في القضية الأمنية، ولا يمكنك تزوير الأمر، بل يجب أن يكون حقيقيا، وعندما أقنعه روس» بأننا جاهزون للمساعدة وأنه لا يستطيع أن يرفض عرضنا أبلغ عرفات «كلينتون» بأنه مستعد للتحدث مع الإسرائيليين»، فدارت عجلة عملية السلام ثانية، إلى حد ما.
لقاء في القدس
بعدها طلب دينيس روس من جورج تينيت التوجه إلى الشرق الأوسط ومساعدة الفلسطينيين في تطوير خطة أمنية محددة يحضرونها معهم إلى واي بلانتيشن - نوع من بوليصة التأمين بأن القدرة على التأثير ستكون حاضرة عند الحاجة إليها!! يقول تينيت» وهكذا وجدت نفسي، قبل أيام فقط من بدء القمة محصورا في غرفة المعلومات الحساسة في القنصلية الأمريكية في القدس مع محمد دحلان، وجبريل الرجوب مدير جهاز الأمن الوقائي في الضفة الغربية، وأمين الهندي المسؤول عن جهاز الاستخبارات العامة الفلسطيني.. كان هدفي، وفقا للتعليمات الحصول كتابة على التنازلات المحددة التي كان الفلسطينيون مستعدين لتقديمها وتنفيذها.. سرعان ما أدركت أن الفلسطينيين قلقون من الاحتمال الكبير لتسرب كل ما يضعونه على الورق إلى «الإسرائيليين»، ومن الإسرائيليين» إلى وسائل الإعلام، وذلك يعني مواجهة المشكلات في مجتمعهم لأنهم قدموا تنازلات.
سلط افتتاح المناقشات - في واي بلانتيشن - الضوء على لب المشكلة فللتنازلات وخطط العمل ضد البنية التحتية والعسكرية لحركة «حماس» عواقب سياسية بالنسبة إلى الفلسطينيين وانعدام الثقة واحتمال حدوث تسريبات يمكن أن تصوّر دحلان تابعا له إسرائيل، لم يكن حرج موقف دحلان خافيا على الإسرائيليين»، مع ذلك لم تكن تفوتنا أيضا حاجة الفلسطينيين المطلقة إلى العمل والسؤال في نهاية المطاف عما فعلوه وما لم يفعلوه.. هنا جاء دور المخابرات الأمريكية فنحن الهيئة التي يثق بها الجانبان ونلاحظ من النص السابق أن الأمريكيين نجحوا في جذب المسؤولين الأمنيين الفلسطينيين إلى موقف فقدوا فيه كل سند، ولم يبق لهم من خيار سوى الاحتماء بالأمريكيين والصهاينة.
وأخيرا، في اجتماع يوم الأربعاء في ٢١ أكتوبر في السادسة بعد الظهر تم التوصل إلى اتفاق.. بدونا جميعا متفقين في شأن القضايا الأمنية.. كان الفلسطينيون مستعدين للتصرف بطريقة لم يقدموا عليها من قبل، ونتيجة للتعاون الأمني، تراجعت حوادث الإرهاب» بين ١٩٩٦ و ١٩٩٩م. يستحق الجانبان حصة الأسد من الثناء لكن ضباط المخابرات المركزية مارسوا دورا حاسما وفتحوا خطوط الاتصال، كما كانت الولايات المتحدة منخرطة سياسيًا أيضًا. وكما قال ستان موسكوفتز»، كانت المخابرات الأمريكية ترعى الثقة بالفلسطينيين. وكان دبلوماسيونا يضغطون على عرفات، وكان يثق بنا لأنهم يضغطون على «الإسرائيليين» أيضا!! لقد نجحت مكافحة الإرهاب؛ لأن الأمن والدبلوماسية اجتمعا في الوسط، وقد قدم دور المخابرات المركزية إلى حكومتنا الأساس للمساعدة في التدخل في السنوات التالية، ومنح العملية السياسية الأكسجين
الذي تحتاج إليه المواصلة التنفس.
في عدد قادم..
الجنرال دايتون يكمل المهمة.