العنوان نظرات ناصحة من واقع الحركة الإسلامية
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1980
مشاهدات 86
نشر في العدد 485
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 17-يونيو-1980
لئلا يخطر في ذهن متسرع من أي جماعة من الجماعات الإسلامية التي ترفع رايات الاستقطاب أنها هي المعنية نقول: إن مرادنا بالحركة الإسلامية هنا مجموع القوى العاملة لتحقيق حكم الله في أرضه، سواء كانت معنوية أو اعتبارية فردية أو جماعية، وبعد هذا لا بد أن نؤكد أن الذي نكتبه ما هو إلا نظرات!! وأخطاء النظر كثيرة منها ما يأتي من النظر نفسه: من ضعف وبُعد أو قصر، ومنها ما منبعه ما يحيط بالنظر من مؤثرات حتى ترى السراب ماء.. وهكذا فللخطأ أسباب فإن أخطأنا فمن عند أنفسنا ونستغفر الله....
النظرة الأولى:
مع تتبع النظر وتقليبه من واقع بعض الحركات الإسلامية نرى أنها كثيرًا ما تغير بعضًا من مبادئها مع تغييرها لمواقع دعوتها، ويكفي هذا الأمر خطورة أنه مخالف لمنهج النبي صلي الله عليه وسلم ، حيث كان يتغير مكانه ومنصبه، ومع ذلك لم يتغير شيء من مبدئه قيد أنملة، فهو في مكة في السفح في أسفل الوادي ينادي بالمبادئ نفسها التي نادى بها في الطائف في أعلى الجبال، وهو بين قومه وعشيرته وعصبته في مكة أعلنها صريحة، نقية، وكذلك في المدينة في ديار لا يعرف فيها أحدًا، وبالقوة نفسها والتواضع والوضوح، سطّر خطوط الدعوة، وهو فرد ضعيف ليس له جاه ولا سلطان في مكة، وكذلك في المدينة حيث كان رئيسًا لأول دولة في الإسلام. وهكذا كان القدوة، وهكذا يجب أن تكون الحركة الإسلامية...!! لا نراها في مهد الطفولة نقية طاهرة، ثم هي في عهد الشباب والفتوة طائشة متخبطة، فطبيعة الدعوات في نموها، وأثر هذا النمو يجب ألا يخضع لمثل تغيرات الإنسان في نموه من طيش ورعونة إلى شيخوخة وضعف.
النظرة الثانية - امتطاء ظهر الدعوة وإخفاء الدافع الحقيقي:
حيث نسمع كلامًا، ونتسمع همسًا في مناسبات كثيرة.. في مجال الركض إلى الدرهم والدينار.. يقول هذا الداعي الراكض: إنما أبحث عن المال لأنه عصب الحياة، وقوة للدعوة فهو لها ومن أجلها.. وإلا فمن يتبرع للأفغان، ومن يبني المدارس والمستشفيات في الباكستان، ثم يتغنى بقول الشاعر:
لولا توقع معتر فأرضيه *** ما كنت أوثر أترابًا على ترب
ونحن لا ننكر أهمية المال في الحياة، ولكننا ننكر طبيعة هذا التبرير، فلماذا لم تقل: وبالمال أوسع على نفسي بالعيش وأوفر للأولاد ما يحتاجون، ولأدخر بعضًا من المال للزوجة والأطفال؟ نعم الذي لا ترتاح له النفس هو عدم ذكر الدافع الثاني الذي لا يقل في حقيقة الأمر عن الدافع الأول لدى ذلك الداعي، وذاك آخر يتنهد من طول الدراسة والاغتراب قائلا: إنما يجب أن نجتهد حتى نحصل على الشهادة العالية لنتصدر منابر الاتصال بالناس، فنعلن كلمة الحق من مكان يسمع له الناس.. فنحن لا نريد هذه الورقة إلا لتكون بمثابة الجناح الذي يطير بنا حيث يصغي الناس.. نعم هو كذلك ولكن.. هناك تناسٍ مقصود لدافع كامن بالنفس البشرية.. وهو تحسين الوضع الاجتماعي وتأمين المستقبل وزيادة الوجاهة وارتفاع الراتب.. إلى غير ذلك مما يحصل عليه الناس من وراء الشهادات العالية.. ولذلك فإنه يجب على من يتصدر للحركة الإسلامية أن يصدق مع الله، ويعلم أنه يتعامل مع رب يعلم السر وأخفى.. ونسأل الله تعالى أن يمنحنا الإخلاص.
النظرة الثالثة - الحب ونقيضه:
فمما تناساه كثير من أصحاب الحركة الإسلامية أنهم جسد واحد.. يفرح بعضهم لأفراح بعض ويحزن لمصائبه، عِز بعضهم من عِز البعض الآخر، وكذلك الذل.. أقول: لقد ذهب هذا المبدأ الأصيل من حس وشعور بعض أصحاب الحركة الإسلامية، وأصبح حال بعضهم مع بعض يمثله قول الشاعر:
إن يسمعوا سبة طاروا بها فرحًا مني وما سمعوا من صالح دفنوا
فنرى العجب العجاب.. فإذا وفق الله جماعة من الجماعات العمل خير يعود على الإسلام والمسلمين بالخير نرى جماعة أخرى -إن استطاعت أن تقلل من أهمية هذا العمل فعلت- وإلا حاولت دفن هذا الخير حتى لا تشرئب رقاب من معها من الاتباع إليه فتميل إلى تلك الجماعة... أما إذا قدر الله وأخطأت هذه الجماعة في فكرها أو سيرها واجتهادها.. فمعاول التجريح ومطارقه تنتظر.. متناسية أن من ستر مسلمًا ستره الله، غافلة عن أن (من نصح في الملأ فقد فضح)، وصور ذلك كثيرة نراها ونسمعها كل يوم فلا حول ولا قوة إلا بالله.
النظرة الرابعة- سياسات ردة الفعل:
وهذا مما ابتليت به الحركة الإسلامية في عصرها الحالي، فنرى ميزان الحركة وخطها البياني في حالة اضطراب، وعدم اتزان دائم.. فحالات الضعف التي قد يعيشها الصف القيادي نتيجة لطول الطريق، أو ضربة من الضربات.. تجعل الخط البياني ينزل إلى المهادنة والضعف والتبرير للباطل الذي تعمل الحركة على إزالته.. وفي الجانب الآخر نرى واقعًا سيئًا يحيط بالحركة مع إحباط في العلاقة مع جمهور الناس.. يدفع بالحركة إلى الانتقام والتدمير.. وهكذا تعيش الحركة في تبعية من غير ميزان وفق عواطف قادتها، وظروف مجتمعها.. نسأل الله العفو والعافية..
النظرة الخامسة - نسيان الفضل لأهل الفضل:
في زحمة العمل الإسلامي ومناشدة الأحسن للدعوة، وحرصًا على السرعة في الوصول للهدف، تنسى طاقات لأهل الفضل كانت تواصل الليل مع النهار، ولكنها لم تنل حظًا وافرًا من الشهادات العالية أو الوجاهات الاجتماعية والمادية. أقول: نسي هذا الصنف عندما تقدم صاحب الشهادة والوجاهة وأصحاب الحركة الإسلامية يخطئون في ذلك لأنهم نسوا منهج النبي صلي الله عليه وسلم الذي لم ينسَ فضل زيد وابنه أسامة، فولى أسامة جيشًا فيه أصحاب الجاه والأصل والشرف.
وسلك هذا النهج من بعده من تلقوا التربية عن طريقه، فها هو الفاروق رضي الله عنه يقف على بابه سادة قريش الذين امتنعوا عن الدعوة في أول الأمر، ويدخل عليه من غير انتظار سابق الروم وسابق الحبشة وسابق الفرس، فهم سبقوا في الدخول إلى الإسلام، فسبقوا بالدخول إلى مجالس الخلفاء.
وهذا ما فهمه سهيل بن عمر حين رأى الغضب على وجوه سادة قريش وهم ينتظرون الإذن فقال، ويا له من رجل ما كان أعقله!! أيها القوم إني والله قد أرى الذي في وجوهكم فإن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم، دعي القوم ودعيتم، فأسرعوا وأبطأتم، ثم قال: إن هؤلاء قد سبقوكم بما ترون، ولا سبيل لكم والله إلى ما سبقوكم إليه، فانظروا هذا الجهاد فألزموه هذه هي الحقيقة فيمن أمعن النظر في الحركة الإسلامية، فهذا صاحب شهادة يأتي حديثًا إلى سلك الحركة، ولكنه يحسن الحديث، ويرتب العبارة، وينمق الأسلوب، ومع حداثته تراه يعتلي منابر التوجيه، فيخطب ويوجه ويخطط ويدبر لسير الحركة الإسلامية، وما هي إلا فترة حتى يعتلي موج الوجاهة والمادة والمنصب، ومن ثم يفرق صاحب الفضل عديم الشهادة والجاه!!
النظرة السادسة- من ينظر إلى الحركة الإسلامية عن قرب يراهم فرسانًا في المظهر.. ولكن!!
فهذه المحاضرات وتلك المهرجانات وغيرها من المنتديات والمخيمات قمة في الإعداد والجمال والإبداع، ولكن هذه جميعها وسائل ما أروعها وما أطهرها ولكن!! الثمرة!! النتيجة!! الخلاصة!! متى الحصاد؟ الجواب: التريث، الظروف لا تسمح، الأخلاق الإسلامية يجب أن تبين، ومن هذه التبريرات وغيرها تلوكها الألسن حتى يجف الزرع ويخرب الثمر وتضيع النتيجة، ويصدق فيهم قول الشاعر:
فأما القتال لا قتال لديكم *** ولكن سيرًا في عراض المواكب
النظرة السابعة- كل حزب بما لديهم فرحون:
هذا ما نراه، ويتأفف منه الناس، كل دعوة من الدعوات قد أمسكت بمكبر الصوت وقالت: من يقترب منا ويخضع فلا يخشى ظلمًا ما أقام، وهذا هو داء الأنانية الذي كرهه النبي صلي الله عليه وسلم عندما قال طارق البيت «أنا» فقال المربي الأول يستنكر: أنا أنا، نعم إنه المرض نفسه، ولكنه بصورة مختلفة، وهذا منبعه داء آخر وهو الأنانية وحب الذات واحتقار الغير، فكفى ركضًا وراء الشهرة وانبطاحًا في سراب المجد الخادع، وهلموا إلى دين يقول فيه ابن عباس: وهل الدين إلا الحب في الله والبغض في الله إلى دين يقول فيه الفاروق: «ما جادلت أحدًا إلا وتمنيت أن يكون الحق على لسانه»، إلى دين لا نرى فيه صاحب الدعوة الإسلامية يكشر أنيابه ويسلط لسانه على من معه في ظل دعوة، فإذا ما اصطدم مع من يختلف معه في الخط والنهج نمق له العبارة وزين له الأسلوب، وبذلك غافلين عن قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: ٥٤).
وهناك نظرات غير هذه كثيرة، ولكن أتعبني التبحر والتدقيق وأدمعت عيني، فإلى اللقاء مع منبر آخر.