العنوان خصائص الاستبداد السياسي قراءة في فكر الشيخ الغزالي (2 من 3)
الكاتب رمضان خميس
تاريخ النشر الأربعاء 02-فبراير-2011
مشاهدات 52
نشر في العدد 1939
نشر في الصفحة 34
الأربعاء 02-فبراير-2011
السرف الشديد على الحاكم وكل من يمت إليه بصلة أو يواليه بنصر.
انطلاق شهواته بكل أنواعها دون حدود ولا قيود.
رغبته في الانفراد بألفاظ لا تقال للبشر.
كرهه للمناقشة والمحاورة فهو لا يرى إلا نفسه ولا يسمع إلا صوته.
إذكاء الخلافات الفقهية التي لا تمس الحكم الفردي.
يذكر الشيخ محمد الغزالي خصائص كثيرة للاستبداد السياسي، ومن خلالها يوضح مدى ضغطه على النفوس وتجبره على الناس الذين خلقهم الله أحرارًا، ووهبهم الحرية نعمة من نعمه، ومن الخصائص التي ذكرها الشيخ الغزالي للاستبداد السياسي:
(1) السرف الشديد:
السرف الشديد على شخص الحاكم وعلى كل من تربطه به صلة أو ينتفع بهم في تحقيق مآربه، وهو يتصرف في مال الرعية تصرف الوصي الظالم في مال الأيتام القاصرين الذين لا يستطيعون ليده دفعا ولا لبطشه ردا يوضح هذه الخصيصة «من خصائص الاستبداد فيقول: ومن خصائص الحكم المطلق السرف الشديد على شخص الفرد الحاكم، وعلى كل من يمت إليه بصلة بنسب أو يواليه بنصر؛ فترى الشهوات الغي - في البطون والفروج مشبعة ومضلات الهوى مسيطرة على المشاعر والنهي وعبث هذه النزوات يقع على عاتق الخزانة العامة وحدها، فإن الاستبداد السياسي لا يبالي من أين يأخذ المال ولا أين يضعه، وقد نكب المسلمون من قديم بنفر من القطاع وقعت في أيديهم غنيمة الحكم فتقاسموها ،نهمين ولم يعرفوا من المناصب التي سقطت في أيديهم إلا أنها منابع ثروة الشباب الجامح والترف والإفراط، أما مصالح الأمة فلا مصالح لها».
والواقع يؤكد أن هذه خصيصة من خصائص الاستبداد، وسمة من سمات الحكم الفردي، فهو يرى أن بيت المال ملك له، وأن مصادر الدخل العامة إنما هي من مصادر دخله هو، وكأنه ورث هذه الأمة بمصادرها كما يرث قطعة أرض عن أبيه أو قطيع أغنام عن أهله.
(2) عدم توقف شهواته عند أحد:
ويرى الغزالي أن من خصائص الاستبداد كذلك انطلاق شهواته بكل أنواعها بدون حدود ولا قيود وكيف تقضي دونها الحدود أو القيود، وهو يرى أن الأمة بما فيها ومن فيها إنما هي وحدة دون سواه، يذكر الغزالي ذلك فيقول: «والحاكم المطلق يشتهي ما يشاء، فلا ينقطع شيء دون أمانيه الحرام والحلال عنده ما حل في اليد، أما الدين وتعاليمه ففكاهة النهار وسمر الليل»، فهو لا يأتمر بأمر ولا ينتهي بنهي ولا يرتدع بزجر ولأن الدين في نظرة ليس إلا سوطا تساق به العامة، ومخدرا يخدر به الواعون.
(3) صفات الجاهلية الأولى:
ويرى الشيخ الغزالي أن من خصائص الاستبداد السياسي رغبته في الانفراد بألفاظ لا تقال للبشر، فالفرد الحاكم المطلق يرضى من حاشيته الإغراق في الوصف، وعدم الوقوف في الإطراء، وتقوم البطانة الفاسدة والأتباع الذين يهمهم من الحياة حيازة الأموال واعتلاء الكرسي بهذه المهمة خير قيام.
يعبر الشيخ الغزالي عن هذه الخصيصة من خصائص الاستبداد السياسي فيقول: «إن تأليه الملوك ضلال قديم وبعد أن انتشر الإسلام ذهبت حقيقة التأليه ثم عادت الآن آثاره وخصائصه، فالملك يلقب صاحب الجلالة، وملك الملوك، ولا يسأل عما يفعل ويبطل شرائع الله ليقيم شرائع الهوى ويمتد هو وبطانته لتنكمش أمامهما أمته».
فيسمن الفرد الحاكم وتنحف أمته ويستطيل ويستعرض وتتقاصر رعيته؛ لأن العلاقة في ذهنه ليست علاقة فرد بأفراد هو من جنسهم وهم ذووه وأهلوه، وإنما العلاقة بينه وبينهم علاقة السيد بالعبيد.
(4) كراهيته للنقد والمناقشة
ويذكر الغزالي أن من خصائص الاستبداد السياسي كذلك كرهه للمناقشة والمحاورة فالحاكم الفردي لا يرى إلا نفسه ولا يسمع إلا صوته في مكان مغلق بالمرايا كلما استدار على وجهه رأى نفسه فيها: «إن الرجل العظيم يلقي الناس بآرائه فلا يبالي أن يناقشوه ويناقشهم حتى يستبين وجه الحق.. شتان بين هذه القمم الشم وبين الأغمار الذين ظهروا في الشرق أيام عاره وانهياره، فأسسوا بأسمائهم دولًا وأصبحت لذويهم إرثًا، وتعاموا بغبائهم عمن ورائهم؛ فأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء - السبيل».
لأنهم لا يريدون أن يبرز من رعيتهم. الصوت الناقد الذي يدلهم على الهدى أو يبعدهم عن الردى ويهديهم إلى سبل السلام.. فهم يكرهون دائما من يقول لهم: لماذا وكيف ومن أين؟ يعبر الغزالي عن هذه الخاصية مبينا موقف الإسلام منها فيقول: «ومن خصائص الاستبداد السياسي في كل زمان ومكان كراهيته الشديدة لحرية الرأي والنقد والتوجيه ومن خصائص الإسلام التي امتاز بها لتقويض أركان الاستبداد أن أوجب على كل فرد أن ينتقد الخطأ، وأن يوجه إلى الخير والثورة على الظالم في كل بلد وقع فريسة الحكام المستبدين يطلبون حرية القول، وهؤلاء الحكام يخشون من الحرية على كيانهم منهم، يحظرونها ولا يجوز أن يذاع إلا ما كان مدحًا لهم أو زلفى إليهم».
(5) إذكاء الخلافات العلمية التي لا تمس الحكم الفردي:
ومن خصائص الاستبداد السياسي كذلك والتي يذكرها الغزالي إنماء الخلافات العلمية الفرعية، وإذكاء روح التناحر فيما لا السلطة الحاكمة، ليس ذلك لشيء إلا ليتيه الناس في هذه الجزئيات المبعثرة، والفروع ذات المسالك والدروب، ويبتعدوا عن الحديث المالي والإداري وشؤون الدولة وقضايا الحكم، يذكر الغزالي ذلك قائلا: «وإن السلطات المستبدة قديما وحديثا تسرها الخلافات العلمية التي لا تمسها مثل هل الشك ينقض الوضوء أم لا؟ هل رؤية الله في الآخرة ممكنة أم ممتنعة؟ هل قراءة الإمام تكفي عن المصلين أم لا تكفي»؟
إن حكام الجور يتمنون لو أن الجمهور غرق في هذه القضايا فلم يخرج لكنه يشعر بضر بالغ عندما يقال: هل الدولة لخدمة فرد أم مبدأ؟ لماذا يكون المال دولة بين بعض الناس؟ هل يعيش الناس كما ولدوا أحراراً، أم تستعبدهم سياط الفراعنة حينا ولقمة الخبز حيناً آخر؟
إن البدوي الذي خاطب الفرس في الفتح الأول قال لهم: جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد، كان هذا البدوي بفطرته الصادقة يعلم ما هي الحقائق الكبرى في المنهاج الإسلامي ففتح البصائر عليها، أما الحاكم الفرد فلا مكان للنقد عنده، ولا للمناقشة الموضوعية الصادقة لديه.
(6) انقطاع الصلة بين الراعي والرعية:
ويرى الغزالي أن من خصائص الاستبداد السياسي انفراج الصلة بين الحاكم والمحكوم حيث يحوط الحاكم نفسه بهالة مكبرة وحاشية مستغرقة بحمده مسبحة بذكره وشكره وحسن سياسته، يقول الشيخ الغزالي عن ذلك: «وفرض الأذهان أن الملوك - يقصد المستبدين - ليسوا من عبيد الله المألوفين، فإن الأبراج التي يحيون فيها قطعت نسبتهم من الأرض ووصلتها بالسماء فزعموا أنهم نسل الآلهة أو عاشوا كذلك وإن لم يقولوا بألسنتهم ما يقولون بأفعالهم».
(7) رياء الحاشية:
ويذكر الغزالي أن الرياء في جو الحكم المطلق والاستبداد السياسي ينبت كما تنبت الديدان في أجساد الموتى؛ لأنه لا يُقرّب إلا من تمدح ولا يُدني إلا من يرائي، ولا ينظر إلا للعبيد الراضخين، يقول الغزالي عن ذلك: «وكما ينبت الشرك في أحضان الوثنية، ينبت الرياء في أحضان الكبر، وحيث يوجد السادة المفكرون يوجد الأتباع المتملقون والأشياع والمراؤون، وجو الحكم المطلق احتل الأجواء بجماهير العبيد الراضخين للهون عن طواعية أو كراهية وفي الحرب التي شنها القرآن الكريم على هذه المجتمعات المظلمة؛ نرى الهجوم يتتابع على مبدأ السيادة والتبعية وعلى ما يلحق هذا الجو من إلغاء للعقول والضمائر».
وهكذا تبدو خصائص الاستبداد السياسي في نظر الشيخ الغزالي واضحة جلية تنادي على كل ذي لب أن يقف نفسه وأهله وكل ما يملك في سبيل مقاومة الاستبداد والاستعباد.