; الحلقة 10 مذكرات السلطان عبد الحميد | مجلة المجتمع

العنوان الحلقة 10 مذكرات السلطان عبد الحميد

الكاتب محمد أحمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 25-نوفمبر-1975

مشاهدات 94

نشر في العدد 276

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 25-نوفمبر-1975

مذكرات آخر خليفة إسلامي - الحلقة 10

  • حلقة مهمة يتحدث فيها عبد الحميد عن صراعه مع الدول الكبرى
  • الاندفاع الاستعماري الغربي يبلغ أقصى سرعته في زمن عبد الحميد
  • السياسي الألماني بسمارك يقلب ميزان القوى العالمية

ترجمة الأستاذ محمد حرب عبد الحميد 

المدرس المساعد بكلية الآداب بجامعة عين شمس

تعليقات: محمد أحمد الراشد

۱۷ مارت ۱۳۳۳ بيلربي

سألني مرافقي: لماذا توقفت عن الكتابة منذ يومين؟ أفكر، أفكر في مسار وطني. من أین وإلی أین؟

بلاد عظيمة فاتحة للعالم، تمتد عبر قارات ثلاث، أصبحت في مدى عشر سنوات حفنة من تراب.

 من سبب البلاء، وماذا يجدي لو عرفناه؟ ماذا يجدي هذا بعد أن خسرنا وطننا؟

 منذ أربعين عامًا وأنا أنتظـر أن تشتبك الدول الكبرى مع بعضهـا البعض. كان هذا كل أملي. كنت أرى أن سعادة الدولة العثمانية مرتبطة بهذا. وجاء ذلك اليوم الذي كنت أنتظره، ولكن... هيهات. فقد أبعدوني عن العرش، وابتعد الذين حكموا البلاد بعدي عن العقل والتبصر الفرصة العظيمة التي ظللت أربعين عامًا في انتظارها ولت وأفلتت من يد الدولة العثمانية إلى الأبد.

جاهدت لكي لا يعزلوني عن العرش طوال ثلاثين عامًا وجهادي هذا كان من أجل هذه الفرصة.

 حبست الأسطول في الخليج ولم أخرجه ولو للتدريب، وحبسي له كان من أجل هذه الفرصة. تجاهلت الحرب اليونانية لكي لا أدع للإنجليز منفذًا للاستيلاء على كريت، وتجاهلي هذا كان من أجل هذه الفرصة. بمعنى آخر. إن كل مجهودي قرابة ثلاثين عامًا، بصوابه وبخطئه، إنما كان من أجل هذه الفرصة.

 وحفظت هذا السر في نفسي أربعين عامًا.

وسأوضحه لأحفادي لكي يعرفوني لم أفاتح فيه أحدًا حتى مع أكثر صدوري العظام ثقة. لأني تعلمت بالتجارب أن شيئا يعرفه اثنان يخرج عن كونه سرًا. ولذلك كان من ألزم الأمور ألا يعرف مقصدي هذا أحد، وألا تحس به الدول الأجنبية.

 كان تقديري أن استخــدام العثمانيين لفرصة بهذه في وقتها، وبتبصر، كفيل بأن ينقذهم، فيعيدوا لدولتهم مكانتها في مصاف الدول العظمى. 

ولكي أوضح كيف وصلت إلى هذا الاقتناع، يجب معرفة أحوال العالم وأحوال الدولة وقت اعتلائي العرش، لم أصل إلى هذا الاقتناع في تلك الأيام، وإنما اقتنعت بهذا بعد أن خسرنا حربنا مع روسيا، وبعد أن لمست عن قرب أطماع الدول الكبرى في بلادنا، في هذه الحرب.

 لم تكن لدينا قوة تساعدنا على أن نعيش ونقاوم بأنفسنا فقط. إذن فلو حدث تصدع في صفوف أعدائنا المتوحدين من أجل تمزيقنا إلى أجزاء ولو أمكننا أن نصبح قوة لا تتراجع عن جزء من أجزاء البلاد، لأصبح من الممكن أن نصبح مرة أخرى أصحاب كلمة مسموعة في العالم.
 كان الواضح أن التنافس بـــــــين الدول الكبرى سيجرها أخيرًا إلـى التصارع والتصادم فيما بينها. وعلى هذا، فإن الدولة العثمانية أمام تصارع وتصادم كهذا تصبح بعيدة عن أخطار التمزق والتقسيم، ويوم التصادم سيوضح قيمتها بين الدول. هذا هو سر سياستي التي استمرت ٣٣ عامًا.

۱۸ مارت ۱۳۳۳ بيلربي

 عندما اعتليت العرش بعد استشهاد عمي واختلال عقل أخي مراد. أصبحت أواجه مشاكل كبيرة في الداخل والخارج: فالعاصمـة كانت تموج بالاضطرابات، ففي وقت قصير، أي خلال أشهر قليلة، أسقط سلطانان. استشهد أحدهما وجن الآخر، وكان لبعض كبار ضباط الجيش ورجال الدولة أيد في العمليتين وأذنبوا في هذا.  كانوا يقبضون على زمام الأمور في الدولة، ومع ذلك كانوا خائفين. وحدوا صفوفهم في سبيل غايتهم، وهي الهدم، ومع ذلك لم يكونوا عارفين بما سيعملونه. كان عوني باشا زعيم عصابتهم. أسقط من على العرش الشخص الذي نفاه، ثم تسبب في قتله واستشهاده، وصل حسين عوني إلى غايته، لكنه كان مضطربًا، فأصدقاؤه الذين شاركوه هذا العمل يضربون على وتر مختلف. مدحت باشا ورفاقه يهيمون بتجريد القصر من كل حقوقه. لم يكن الصدر الأعظم رشدي باشــا يستطيع الثقة في كلا الجانبين، ومع ذلك لا يستطيع الابتعاد عنهم. كانوا كثيرا ما يجتمعون في القصور، يتحدثون، لكنهم لم يكونوا بمستطيعين التوصل إلى قرار ([1]

وكبار رجال الدولة البعيدون عن هذا، كانوا يرون ما يحدث وهم متألمون بعضهم كان يأتي إليَّ طالبا مني منع ما يحدث، لكني كنت على غير قرار.

 فمدحت باشا يبدو أمام الشعب بصورة المنقذ، وتعاضده الدول الأوربية. كان مسايرًا لوجدان الشعب، وكان مسايرًا أيضًا لسياسة الرأي العام الأوربي وعقليته في تلك الأيام.. كما أني أيضا أسهمت في تأييده وتدعيمه عندما عينته صدرًا أعظم.

أما عن الوضع المالي، فالبلاد مثقلة بالديون. الدخل يقل عامًا بعد عام، والإنتاج المحلي كان يضمحل يومًا بعد يوم، فقد كنا منذ فترة التنظيمات، نأتي بكل أشيائنا من أوربا. المنسوجات الأوربية غطت كل مكان. أضحت عدة مصانع في طريق الزوال، وهبط دخل الجمارك إلى الحد الذي لا يجزي، بسبب تلك المعاهدات المعقودة مع الدول الكبرى. لم تعد تكفينا زيوتنا. الطرق غير موجودة. التخابر صعب وبدأ الأمر كأن أراضي الإمبراطورية تركت لأقدارها.

لا بد من فتح مدارس جديدة بكثرة لا بد من إرسال عدة شبان ليتعلموا في أوربا. ولكن لا المتخرجون من هذه المدارس، ولا أيضا المبعوثون العائدون من الخارج، استطاعوا أن يملأوا وظائف الدولة. كان القسم الأعظم من وظائف الدولة في يد الأقليات [2] وبالتدريج، بدأ الشبان يتولون الأعمال، ولا سيما في وزارة الخارجية، ولكن، كان في هيئاتنا التمثيلية في الدول الأوربية موظفون من أصل رومي في سفاراتنا يفضل بعضهم خدمة اليونان وإعلاء مصالحها على مصالح الدولة العثمانية، وإنها لحقيقة أن الجيش والأسطول كانا قويين على عهد عمي السلطان عبد العزيز خان، لدرجة أن الروس كانوا يجفلون عادة من قوة الجيش مثلهم في ذلك مثل الفرنسيين والإنجليز بالنسبة لقوة الأسطول. وفي حربنا مع الصرب والجبل الأسود لفتت الأنظار فعالية الجيش عندما بعثـر الضباط الفدائيين الروس. ولهذا السبب أيضا حاولوا بقدر ما وسعهم الجهد إسقاط عمي من نظر الشعب بالشائعات التي لفقوها عن إسرافه وسقوطه في الملذات، ووصلوا أخيرًا إلى ما يأملون. وبهذا لم يتخلصوا فقط من عبد العزيز خان وإنما نجحوا أيضًا في تمزيق الجيش والأسطول اللذين بناهما، ذلك أنه كان فيهما ضباط يؤيدون الأسرة المالكة وضباط متمردون عليها، ولم يكن كل فريق يثق بالآخر.

عندما توليت العرش لم أكن أعلم بهذه الحقائق، وإنما ابتدأت بمعرفتها واحدة بعد واحدة بالتجربة وأثناء الحرب الروسية، كما ظهر أمر آخر أيضًا هو: أننا نقف بمفردنا في العالم لنا أعداء، وليس لنا صديق. يمكن للصليب أن يتحد في كل وقت، لكن الهلال دائما بمفرده. كل ينتظر النفع من الدولة العثمانية، ويظهر لنا الصداقة، ولكن في الوقت الذي لا يجد فيه ما يأمل، سرعان ما يعاديهما.

 ووضعت بالتالي سياستي على هذا الأساس: التوجه للعدو بسلاح العدو، شرحت باختصار تلك المشكلات التي كانت تواجهها الدولة العثمانية في تلك الأيام.

وعليَّ أن أشرح الآن باختصار أحوال العالم في تلك الأيام أيضًا، لتظهر أسانید سياستي التي اتبعتها خلال ما يقرب من ثلاثين عامًا.

 الشيء الذي لفت انتباهي بادئ ذي بدئ في السياسة الخارجيـة وقت اعتلائي العرش كان تأسيس الاتحاد الألماني. بعد انتصار بروسيا الصغيرة ألمانيا عظيمة.

هذه الدولة التي ولدت وأسرعت في التوسع في عدة أعوام، أفسدت توازن القوى في أوربا، وأدت بالدول الأوربية كلها إلى ضرورة إحداث تغيير كبير في سياستها الخارجية.

 خففت فرنسا- المتنافسة مع إنجلترا في ذلك الوقت- من حدة تنافسها، وإن لم تتركه، وبدأت في البحث عن طرق للتفاهم مع الروس لتأمين أمنها. ولهذا السبب أيضًا بدأت تراجع من جديد السياسة التي تنتهجها تجاهنا. بسبب هذا الخوف، بدأت في التأييد المتصل للروس في خلافاتهم مع الدولة العثمانية.

وبدأ الروس يعملون حسابًا للألمان، جيرانهم الأقوياء في الغرب وأقامت النمسا من جديد سياسة التداخل بين العدو والصديق. ولكن إنجلترا، وهي تعتمد على جزرها وعلى أسطولها القوي، لم تكن على وفاق كبير مع ألمانيا بسمارك، بل إنها أفادت من نزاع الدول الأوربية الأخرى مع بعضها البعض، واتبعت طريق تأمين مصالح جديدة لها في أراضي الدولة العثمانية في البحر الأبيض وفي آسيا، وسلك جلادستون طريق إقامة دولة غازية، بسياسة- اعمل ما تستطيع عمله، وأكسب ما تستطيع كسبه-.

في العام الذي توليت فيه العرش، كان الإنجليز قد استولوا على الهند وصرفوا جهدهم في تأمين سلامة طريق الهند. وكانوا يحاولون من ناحية أخرى الدخول إلى الصين وإلــى آسيا الوسطى. والروس حولوا أيضًا أنظارهم في تلك الأعوام إلى آسيا الوسطى، واستولوا علـــــــى فرغانة وخانية خواقند، وأعقبوا ذلك بالاستيلاء على قيرغستان وترکستان وتاجيكستان [3] ، وكان التنافس بين الإنجليز والروس عظيمًا في آسيا.

 وولدت في أميركا دولة فتية قوية وكانت إسبانيا قد أخرجت مـــــن مستعمراتها. وانتظم يهود العالم، وسعوا عن طريق المحافل الماسونية في سبيل «الأرض الموعودة». وجاءوا إليَّ بعد فترة وطلبوا مني أرضًا لتوطين اليهـود في فلسطين مقابل أموال طائلة وبالطبع رفضت ([4]).

ولم أكن أستطيع الوقوف أمام هذه القوى بمفردي. طاقاتنا لم تكن تكفي، الشيء الوحيد الذي كنت أستطيـع عمله هو أن أفيد من التنافس بين هذه القوى. هذه الإفادة كانت عبارة عن توزيع الأمل، في لقمة كبيرة بعض الشيء، على كل واحدة منها، والإيقاع بين كل واحدة وأخرى.[5]

الهوامش: 

[1] المتتبع لنفسيات وسلوك الكتل الانقلابية في تاريخنا المعاصر يلمس بوضوح صدق عبد الحميد هنا في تصوير حال معارضيه، إذ ما يزال الشك والتعجيل بالغدر خوفًا من غدر آخر، هو المسيطر على طبائع عمل كل الانقلابيين، وأغلبهم يظهرون دومًا شهواتهم الرئاسية في صورة من اختلاف الاجتهاد السياسي مفضوحة لدى الخبير المتأمل، ونادرًا ما تجد المخلص المتجرد، دعك عن مدى الصواب، وما ثمّ إلا قواعد المكيافيلية تتجدد صياغاتها، وإلا كتاب -الأمير - يعاد إخراجه على مسرح الواقع بعد كل انقلاب.

[2] حقيقة يغفل ذكرها المزورون للتاريخ العثماني، ويظهرون الأقليات بمظهر المظلوم المحروم من الفرص.

[3] هذه مدن وحواضر إسلامية عظیمـة، كان لها دور كبير في نشر الإسلام بين شعوب البلاد العليا، وفي العلوم الشرعية، والتمدن الحياتي، نشأ الجيل الجديد من دعاة الإسلام بمعزل عن أخبارها وتاريخ مناقبها وقصصها في الجهاد، وما زال الحكم الشيوعي يضرب حصارًا من التكتم على أحوالها، حتى كادت مشاعر المسلمين في البلاد العربية أن تنساهم.

وبغض النظر عن مواكبتنا لعبد الحميد هنا في تحليله للتاريخ السياسي الذي عاصره، نجـد المناسبة واردة لحث الشباب المسلم على مطالعة كتاب - حاضر العالم الإسلامي- لشکیب أرسلان، لیری فيه تفصيل أخبار تلك البلاد العريقة في إيمانها فيقوم في قلبه شاهد جديد على نجابة دعواه وأصالتها وضخامة ما سلف من عطائها، مثلما يحس في فؤاده بلذعة جديدة تخرجه إلى استشعار سعة واجبه، في وقت قصرت فيه همم غيرهم عن تحسس هذا الواجب، بما انغمسوا في الملذات، و دلست عليهم الدعايات الشيوعية، ومقالات علماء السوء الذين يخفون الحقائق مقابل نزهة سياحية تنظمها لهم موسكو بين آثار بخارى و سمرقند تحجبهم خلالها عن رؤية إخوتنا من أبناء تلك الشعوب المضطهدة.

[4] ما يزال هذا الرفض هو المنقبة العظمى لعبد الحميد رحمه الله، ومن أجلها استحق منا كل هذا الدفاع وإطالة النفس معه، والصبر على روايته لقصته. وما كنا لندعي له العصمة، أو ننفي عنه احتمال الخطأ والخضوع لبعض موازين الملوك، ولكن الله تعالى أمرنا أن نحفظ للمحسن إحسانه، والمصيب صوابه، وعناده في قضية فلسطين تتصاغر دونه صور الإحسان الأخرى، وترفعه منازل فوق حكام اليوم الذين لا نجد فيهم أحدًا إلا وقد أسرف على نفسه وغرق حتى أذنيه في التقصير إزاء فلسطين.

[5] نقطع ما دوّنه عبد الحميد في هذا اليوم عند هذا الحد، لطوله وسنورد في الحلقة القادمة أقواله في التخطيط للإفلات من هذا الطوق العالمي.

الرابط المختصر :