العنوان اليسار المغربي يقود معركة «جذرية» ضد الإسلام في مناهج التعليم الرسمية وعلى مستوى الفكر والإعلام (العدد 283)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يناير-1976
مشاهدات 66
نشر في العدد 283
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 20-يناير-1976
المقايضة هي: تأييد الملك.. مقابل إطلاق يد اليسار في المغرب!!
1- ظروف ضرب الحركة الإسلامية بالمغرب وأسبابه؟
هل قمع الحركة الإسلامية من شروط اليسار التي يتشبث بها مقابل تأييده للملك في قضية الصحراء؟
2- كيف استطاع اليسار بالمغرب أن يجعل من التعليم بكل مراحله منبرًا للشيوعية ووسيلة يلهو للوصول إلى الحكم؟
3- اليسار بالمغرب يعتقد أنه لن يستطيع الثبات في الحكم إلا باستئصال الإسلام من المجتمع؟
4- اليسار بالمغرب يدعو إلى «حرب أيديولوجية سافرة ولا هوادة فيها ضد الإسلام»، ومع ذلك تقدم له الخدمات الرسمية والمرافق الإدارية، ويلقى الدعم الحكومي.
5- اليسار بالمغرب يقول: «هذا الهدوء يجب أن ينتهي ويخلفه صراع متواصل من أجل اجتثاث الإسلام».
ويرتقي هذا الاتجاه بتهديد وعاظ المغرب ومرشديه الدينيين بالقتل، ويضع قنبلة تنفجر في مركز تدريبهم بثانوية فاطمة الزهراء بالدار البيضاء.. ومع ذلك يرخص لليسار بإصدار صحيفتين!
6- اليسار بالمغرب يستغل ظروف الصحراء وحاجة الدولة إلى التأييد، فيعيث في الأرض فسادًا وإفسادًا. ويلقى التشجيع الرسمي ويهيأ له السبيل.
7- في الوقت الذي تعلن فيه الدولة المغربية تشبثها بالكتاب والسنة يعلن اليسار بالمغرب أن معركته الحقيقية هي ضد الكتاب والسنة.. فكيف تفسر حكومة المغرب مواقفها المؤيدة لليسار؟
مقدمة لا بد منها:
في هذه الظروف القاسية التي تمر بها حركة الإسلام والمسلمين بالمغرب الشقيق، ارتأينا أن نمكن قراءنا من نظرة موجزة عن واقع التعليم ومناهجه بهذا البلد المسلم، وعن المؤامرة الخبيثة التي حاكتها الشيوعية ضد مقومات الأمة المغربية، وشعبها العريق المتمسك بدينه.
ولا بد من التذكير- بادئ ذي بدء- بأن اليسار في هذا القطر الشقيق استغل ظروف حرب الصحراء الغربية، وحاجة الملك الحسن الثاني إلى ترميم الجبهة الداخلية، فراح يعلق مشاركته وتأييده للملك في هذه القضية بشروط وشروط، وراح الملك يلبي هذه الشروط واحدًا تلو الآخر.. وراح اليسار يستفيد من الظروف، ويوطد أقدامه، ويعيد تنظيم صفوفه، وينشر بين الجماهير المسلمة أفكاره ومعتقداته.
طالب بإلغاء الشريعة الإسلامية في قانون الأحوال الشخصية ونادى بضرورة اتخاذ لغة وطنية خاصة بدل اللغة العربية التي لم تستطع عبر العصور التغلغل في أوساط الشعب حسب تعبير جريدة المحرر اليسارية بالمغرب.
وطالب بإحداث كرسي في الجامعة لتدريس اللغات البربرية، وبتطوير طرق تدريس الفلسفة في التعليم الثانوي بكيفية- تيسر عملية استئصال «فكرة الله»- كذا- من الأذهان.
والواقع أن تكتيك اليسار- هذا- حقق كثيرًا من أهدافه: فاسترضاء اليساريين كي يشاركوا في مسيرة الصحراء أوقف الملك الحسن الثاني العمل بمشروع منهاج جديد لتدريس المواد الإسلامية بالمدارس الابتدائية، كانت قد وضعته لجنة وزارية رسمية مؤلفة من مجموعة مربين إسلاميين في السنة الماضية.
وأوقف أعمال لجنة وطنية أخرى تواصل اجتماعاتها لمراجعة مناهج التعليم الابتدائي والثانوي والعالي بقصد تطهيره من الإنحرافات الشيوعية.
كما حقق تكتيكهم هذا، نصرا إعلاميًا خطيرًا، إذ رخص بصدور جريدتين يوميتين يساريتين بالدار البيضاء «المحرر والبيان» بالإضافة إلى تمكين أحزاب اليسار من جميع مرافق الدولة الرسمية المخصصة للمؤتمرات والمحاضرات والاجتماع وإذا ما عرفنا أن عاصمة المغرب الاقتصادية -الدار البيضاء- التي تعتبر أكبر مدينة بالقطر يحكمها محافظ من حزب الاتحاد الاشتراكي، هو الذي يقود حاليًا حملة «تطهيرها» من الإسلاميين.. اتضحت لدينا الصورة، وتأكدت خطورتها على المسلمين في هذا البلد.
فهل ضرب الإسلاميين وقمعهم من جملة الشروط التي يتشبث بها اليسار لتأييد الملك في قضية الصحراء؟
-كيف يخطط اليسار للسيطرة على الحكام في المغرب والوطن الإسلامي. لعل أهم ما يشغل اليسار في الوطن الإسلامي هو مشكلة السيطرة على الحكم، وتثبيت أقدامه فيه.
ويبدو أن تجربته في الحكم كانت مريرة، فقد استطاع فعلا أن يحكم في بعض الأقطار ولكنه لم يستطع أن يهيمن على القلوب والأذهان، بعد أن سيطر على الأوطان والأبدان.. وذلك لسبب رئيسي واحد، هو أن الإسلام له بالمرصاد، وأن عقيدة الشيوعية لا تهزمها وتصدها إلا عقيدة التوحيد.
فكيف يتغلب اليسار على هذه المعضلة؟
هل يتخذ السيطرة على الحكم سبيلًا للاستيلاء على العقول؟
والإرهاب وسيلة لعزل الإسلام «كما جرى بوضع قنبلة في مركز تدريب الوعاظ بالدار البيضاء؟»
أم يتخذ الهيمنة على العقول سبيلًا للوصول إلى الحكم؟
يبدو أن اليسار بعد تجاربه المريرة في الحكم، تراجع خطوة إلى الوراء، ليندفع خطوتين إلى الأمام حسب تقديره.. فخطط للسيطرة الثقافية أولا..
ولذلك نجده في الظروف الراهنة يمهد لتركيز عقيدته في ميدان الثقافة والفكر، والتعليم كمقدمة للقفز إلى سدة الحكم والتعليم والثبات فيها.
وقد أشرف على تنفيذ هذه الخطة استاذ شيوعي هو العابد الجابري الذي وصفته جريدة المحرر المغربية بأنه أول من «فرض» تدريس الماركسية في التعليم بالمغرب، كما شرحها بتفصيل كاتب شيوعي واستاذ جامعي ومسئول في معهد البحث العلمي بالمغرب هو الدكتور العروي عبد الله في كتابه «العرب والفكر التاريخ» حيث تساءل:
هل يجب أن يحتل مشكل السيطرة الثقافية محل الصدارة على حساب مشكل الاستيلاء على الحكم، إننا لا نرفض هذا الاستنتاج، لكن من يزعم أن الهدف يختلف في الحالتين؟ ومن منا يقول إن المعركة الثقافية أسهل من المعركة السياسية؟ الواقع أن السيطرة الثقافية لن تتحقق للماركسيين بسرعة ولا بيسر، وإذا ما تحققت فستعطى للمطلب السياسي صبغته الشرعية لن ترتكز المطالبة بالحكم في المستقبل على إعانة أو تبرير أعمال فئة وطنية لا نعرف لها هوية بالضبط، وبعكس ذلك ستتأصل هذه المطالبة في تطور مجتمعي شامل نحو المعاصرة، وسيكون نصيب الماركسيين في إنجاز هذه المعاصرة وافرًا.. إن الذين يكدون ويجهدون لكي تنقل معاداة الرأسمالية ومعاداة الاستعمار ووحدة الأمة من إطار «ديني قومي «إلى إطار »تاريخي طبقي« يخدمون في آن واحد تطلعهم نحو السلطة والكونية الفعلية. من كتاب العرب والفكر التاريخي ص 143.
وفي هامش نفس الصفحة يوجه العروي أنظار الماركسيين منبهًا ومحذرًا:
«نرتكب خطًأ فادحًا عندما نتخذ أفكار إخوان الصفا وأعمال ابن الراوندي أو أبي بكر الرازي كأمثلة على وجود فكر متحرر عندنا، لأننا بذلك نقطع حبل التطور التاريخي ونتبع طريق الفكر الانتقائي، إن الاتجاه السني هو الذي تغلب منذ قرون على كل الاتجاهات الأخرى لأسباب معينة لا يكفي في توضيحها أن نقول إنها رجعية وإنها نتجت عن تحول طرق التجارة «إلخ. هذه عموميات لا توضح شيئًا، ولن تحررنا أبدًا من سلطة الفكر السني، علاقتنا الحقيقية ليست مع الفلاسفة المسلمين أوالمعتزلة أو دعاة الباطنية، لأن هؤلاء كلهم أصبحوا تقريبا أجانب في ثقافتنا، علاقتنا مع كلام السنوسي، وفقه خليل، ونحو ابن مالك، ويجب أن ننطلق من هذا المنطلق لنحلل أسباب تغلغله واستمراره في الفكر العربي ونكشف إمكانية تجاوزه.
إعلان حرب أيديولوجية لاجتثاث الفكر السلفي:
وفي ختام الكتاب يستجمع عبدالله العروي كل قواه فيصدر الأمر للمثقف العربي» بأن ينفلت نهائيًا من غرور العمل السياسي التقليدي السهل، أي عليه أن يرفض المداراة وينفذ إلى الجذور، ويتصدى لحرب أيديولوجية لا هوادة فيها، لقد كانت الواجهة الثقافية الأيديولوجية دائما هادئة لأنها ميدان تعايش سلمي على أساس عبادة المقدسات المطلقة، هذا الهدوء يجب أن ينتهي ويخلفه صراع متواصل، إن اجتثاث الفكر السلفي من محيطنا الثقافي يستلزم منا كثيرًا من التواضع، ورب معترض يقول: ستكون حينئذ ثقافتنا المعاصرة تابعة لثقافة الغير! فليكن، إذا كان في ذلك طريق الخلاص، سنؤدي بذلك ثمن سباتنا الطويل، وتقهقرنا المتواصل واتباعيتنا «سنيتنا» المركبة.
تقاعسنا طويلًا إزاء القومية الثقافية، إزاء تقديس اللغة والتاريخ والتراث، لنتقبل في هذا الميدان أيضًا حرية الدرس والنقد»
العروي يهاجم الدين والسلفية بمحضر المرحوم علال الفاسي:
وليست هذه أول مرة يشير فيها عبد الله العروي المخطط الماركسي الذي وضعه أساتذته للماركسيين العرب، فقد وجد الشجاعة الكافية ليقول في ندوة علنية نظمها اتحاد كتاب المغرب لمناقشة كتاب «النقد الذاتي» لفقيد المغرب الأستاذ علال الفاسي وبمحضره:
»لست مقتنعًا بأن وجود الأمة المغربية مرتبط بالإقرار بأن الدولة تخدم هدفا أعلى، إذا قلنا إن الدولة في خدمة الله فهذا يعني أنه ليس من حقنا مطالبتها بشيء فهي مسئولة أمام الخالق لا أمام المغاربة، الدولة يجب أن تكون في خدمة المغاربة فقط.
إن الحركة السلفية عندما ركزت على فكرة الرجوع إلى السلف، ركزت في نفس الوقت على نمط واحد، أي أن هناك حقيقة تنزل من السماء على بعض الأفراد ورغم كل مجهودات الحركة لم يتحرر المجتمع الإسلامي من هذا النمط في الفكر، وبقي نمط الوحي مسيطرًا على جميع مظاهر الحياة الاجتماعية.
نقول فقط هل «الوحي» هو أساس التخلف أم لا؟ لكننا قد اقتنعنا، إذا أردنا التقدم، فلا بد من إقصاء هذا النمط من التفكير«الوحي» لكي لا يقول لنا أحد: أنا أدرى بمصالحكم..
أنا لا أثق في إيمان الحكام لأننا في عصر الشك، إذا استمررنا في الوحي يطلع علينا رئيس ويقول: «أنا أعلم ما لا تعلمون» بالحرف: من العلم الثقافي عدد ۱۰۰ بتاريخ ٥ فبراير۱۹۷۱
ويمكن أن نجمل المخطط الماركسي الآنف الذكر الذي وضعه اليسار وشرح العروي أسلوب تنفيذه فيما يلي:
أولًا- السيطرة على الفكر الثقافي، أي على فكر الأطر المتعلمة عقليًا وعاطفيًا ابتداءًا من التعليم الثانوي والعالي باعتبار أنها هي التي ستصبح يوما ما في مراكز الإدارة والقيادة والقوة، كوسيلة للسيطرة على الحكم.
ثانيًا- تحويل معاداة الرأسمالية والاستعمار ووحدة الأمة العربية من إطارها الحالي «الديني القومي» إلى الإطار «التاريخي الطبقي».
ثالثًا- حيث إن كل المذاهب الفلسفية الإسلامية قد انهزمت واضمحلت أمام مذهب أهل السنة الذي أثبت قدرته وسيطرته على الجماهير العربية خلال جميع عصور التاريخ، والذي يقوم على التوحيد والفقه واللغة العربية، فيجب أن ننطلق بكل قوانا المادية والفكرية والنقدية لتفتيته، وإزالته من طريقنا، وتجاوزه.
رابعًا- حيث إن وحدة المغرب قائمة على أساس الدين، والمذهب السني والإيمان يمثل أعلى إهي، وتصديق الوحي الذي ينزل من السماء- وهذه كلها عوائق كبرى في طريق الزحف الماركسي- فيجب إقصاء الفكر الديني جملة وتفصيلًا، واجتثاثه من جذوره، وإيقاف مد الأجيال الناشئة به، سواء في التعليم أوعن طريق وسائل الإعلام، حتى يفسح المجال لقيام دولة ماركسية علمانية «ثورية وتقدمية».
خامسًا- وأخيرًا، ولكي لا ننسى، يجب أن نجعل نصب أعيننا دائمًا أنه بدون القضاء على الحواجز الأربعة الكبرى التي تقف في طريق الماركسية وهي: الدين واللغة العربية والتاريخ الإسلامي، والتراث الإسلامي، فلن تتحقق لها أبدا السيطرة على الحكم.
هذا هو المخطط الماركسي الذي وضعه اليسار المغربي لحكم المغرب وجند له الشيوعيون كل طاقاتهم المادية والفكرية، في معركتهم المصيرية.
ولكن نقطة الضعف الكبرى في هذا المخطط من الوجهة الفكرية والعملية، هو أنهم جردوا نظرية الفكر التاريخي التي يدعون لها من أي محتوى أو دلالة منطقية عندما أجاب العروي المعترض الذي قال له: إذا نحن طبقنا مخططك هذا فستصبح ثقافتنا المعاصرة تابعة لثقافة الغير؟ بقوله: فليكن، إذا كان في ذلك طريق الخلاص، «كما ورد في آخر كتابه المذكور». وذلك نظرًا للاعتبارات التالية:
أ- من يستطيع أن يضمن بأن المسلمين عندما يتخلون عن قيمهم وخصائصهم الروحية والتاريخية كلها سيجدون في الماركسية طريق الخلاص؟ بل بالعكس فإن المنطق والتاريخ يؤكد أن حتمية وتبعية شعوب كهذه للغير وخضوعها له بسهولة.
ب- يتناسى العروي المؤرخ، أو هو يستغفل القراء الذين يجهلون التاريخ العربي، فلا يحب أن يذكر أو يعترف بأن هذا الشعب منذ أربعة عشر قرنًا- أي منذ آمن العرب بالإسلام، كغيرهم من الشعوب المسلمة غير العربية- أثبت قدرته الفائقة، على رفض الخضوع والتبعية للغزاة والمستعمرين الأجانب كيفما كان شكلهم ولونهم، العروي يعلم جيدًا أن المسلمين في القرون الوسطى استطاعوا رغم ضعفهم القضاء على الجيوش الصليبية الأوروبية بعد حروب استمرت ٢٠٠ سنة، كما أنهم وقفوا وسحقوا جيوش المغول والتتار التي اكتسحت آسيا وشرق أوربا كلها، ولم تمض على نهاية الحروب الصليبية إلا نحو ٦٠ عاما.
والعروي يعلم أيضا أن الفكر التاريخي الموضوعي لا يمكنه أن ينكر استمرار قيم وخصائص الأمة الإسلامية المتعلقة برفضها الخضوع والتبعية للغزاة والمستعمرين فبعد ثمانية قرون من سحقهم للصليبيين الأوروبيين، والوثنيين الآسيويين، وفي خلال فترة قصيرة جدًا من تاريخنا المعاصر استطاعت شعوب العالم العربي والإسلامي وهي مقسمة مفككة الأوصال، أن تطرد كلا من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واسبانيا من جميع الأراضي المحتلة، لتواجه في نفس الوقت الاستعمار الصهيوني الجديد بنفس العزم والإصرار.. كل ذلك بفضل عقيدة الإسلام، وخلق الإسلام، وقوة الإسلام.
هذا هو تاريخ الدين الإسلامي وتاريخ الأمة المسلمة منذ أربعة عشر قرنًا، ولكن عندما يجيب العروي المعترض على مخططه بأن ثقافة الأمة العربية عن كل قيمها وخصائصها الروحية والفكرية التي عاشت عليها طيلة هذا التاريخ، فهذا يعني أن العروي بدأ يتحدث بلغة الأطفال المغرورين المعجبين بأنفسهم، إن التخلي عن الثقافة القومية يعادل التخلي عن الكيان الذاتي أي الوجود المستقل، وآخر شعب عربي كان المؤرخون الاستعماريون يعتقدون أن عملية تجريده من ثقافته الإسلامية قد تمت بعد ١٣٠ عاما من الاستعمار الأجنبي، وأصبح راضيًا إلى الأبد بالتبعية الثقافية، هو الشعب الجزائري الذي قدم مليونًا ونصف المليون من الشهداء استرجاع كيانه الذاتي ووجوده المستقبل، أي من أجل بعث ثقافته الإسلامية.
لقد بلغت سذاجة الفكر التاريخي عند اليساريين قمتها عندما تخيلوا أن الأمة العربية التي تحررت بفضل إسلامها من نير الاستعمار الغربي ستقبل الدخول من جديد إلى قمقم الشيوعية مقابل وعد منها بالخروج من التخلف.
الماركسيون يحققون انتصارًا بتوجيه البرامج والكتب المدرسية:
وبهدي هذا المخطط استطاع الماركسيون أن يتسربوا إلى وزارة التربية الوطنية المغربية وأن يكسبوا ثقة بعض المسئولين المضبوعين باعتبار أنهم يؤيدون سياسة ازدواجية اللغة وتدعيم الفرنسية، وعدم التعجيل بتعريب التعليم، فأفسحت لهم الوزارة المجال لوضع برامج التعليم وتأليف الكتب المدرسية، وركز هؤلاء نشاطهم التخريبي في كتب الفلسفة والتاريخ، الأولى لهدم عقيدة التوحيد والإيمان عند التلاميذ، والثانية لتشويه التاريخ الإسلامي برمته، وإفساح المجال لتمجيد الماركسية وتاريخ نضالها.
فعندما اجتاحت موجة من الإلحاد المدارس الثانوية والمعاهد العليا تبين أن المسؤول الأول عن ذلك هو كتب الفلسفة أولًا.
وعندما تضخمت موجة الماركسية بين تلاميذ التعليم الثانوي والطلبة الجامعيين وبحثنا عن أسباب ذلك أطلعنا بعض الأساتذة على كتب التاريخ التي قررتها وزارة التربية الوطنية وكلفت بإعدادها الأساتذة محمد زنيبر وإبراهيم شرف الدين ومحمد الراجي وإبراهيم بو طالب ومحمد الزعيمي وعبد العزيز أمين.
لنكتشف بدهشة بالغة أن هؤلاء المؤلفون لم يكتفوا بتشويه تاريخ الإسلام كله وتفسيره طبق المادية التاريخية الماركسية كعقيدة ومذهب وحزب ودولة وحركة أممية عالمية، وإنما تجرأوا على اختلاق الأكاذيب على رسول الله والسخرية به في الدرس الوحيد المخصص للدعوة الإسلامية في الجزء الأول للسنة الأولى من الثانوي.
وتأكد بعد البحث في كتب التاريخ هذه أنها تعتبر أكبر مؤامرة ضد الإسلام والمسلمين في المغرب ظلت تعمل في الخفاء منذ ١٩٧١ في غفلة عن المسؤولين والرأي العام المغربي كله، لتحويل الملايين من الأطفال والشبان في التعليم الثانوي عن كل قيمهم ومقدساتهم الدينية والوطنية، وتلقينهم الفكر الشيوعي باعتباره طريق الخلاص من العبودية والتخلف، وسنشير فيما يلي لأهم الخطوط التي قام عليها منهج التاريخ هذا.
المنهج العام لتصنيف التاريخ:
أول عملية قام عليها مخطط هذا التاريخ لإذابة تاريخ الإسلام والأمة الإسلامية بالمغرب هي تقسيم التاريخ إلى قديم ووسيط وحديث، وإذا كان هذا التقسيم في حد ذاته، وبالنسبة للدراسات الجامعية، شيء معقول، فإنه كان مقصودًا لإذابة تاريخ الإسلام ومقومات المغرب في تاريخ العالم، وتضييق مجال عرضة وشرحه ماديًا ومعنويًا بحيث يصبح عبارة عن أسماء وعناوين وأرقام فقط، وبإلقاء نظرة سريعة على فهارس أجزاء الكتاب وبقطع النظر عن محتواها يدرك الإنسان بسهولة الصورة الباهتة التي يمكن أن تتكون لدى التلميذ المغربي عن تاريخه، وسنعطي بعض الأمثلة لندرك كيف استغل هذا المنهج لتحقيق الأغراض المذهبية للمؤلفين.
أ- تمجيد الماركسية والدعوة لها:
في الجزء الخاص للسنة الرابعة من الثانوي «تاريخ العالم الحديث» الغلاف نصفه أحمر والنصف الآخر أخضر به صورة محمد الخامس أمام جمهور شعبه «كجواز مرور» الدرس ١٥ ص ۱۹۷«الحركتان العمالية والاشتراكية».
-التركيز الرأسمالي وظهور الطبقة العمالية
-الصراع الطبقي
«عنوان كبير في إطار أحمر»
ص 199 «سيطرت البورجوازية على زمام الاقتصاد بواسطة الشركات والمؤسسات والمصارف مما أدى إلى تركيز الأموال في أيديها«
ص 202- نشأة النقابات العمالية (مع صورة لوحة تمثل بؤس الطبقة العاملة)،
ص ٢٠٤- صورة لمظاهرة عمالية في نيويورك
ص ٢٠٦- الحركات الاشتراكية «عنوان درس يتلوه عنوان كبير على مربع أحمر«: «ظهور الفكر الاشتراكي نتيجة لتطور المجتمعات الأوروبية في ظل الصناعة مما أدى إلى تكوين أحزاب اشتراكية تدعو للإصلاح الاجتماعي«.
ص ۲۰۷- «ولم تلبث أن انبثقت من الفكر الاشتراكي أحزاب سياسية بعثت بنوابها إلى البرلمانات، أما خارج إنجلترا فقد تأثرت سائر الأحزاب الاشتراكية بمذهب الفيلسوف الألماني كارل ماركس المسمى بالاشتراكية العلمية أو بالمذهب الشيوعي«.
ب- شرح المذهب الماركسي:
ص ۲۰۸- عنوان كبير على الأحمر: «تأثرت معظم الأحزاب الاشتراكية
بأفکأر كارل ماركس ومذهبه الاشتراكي:
-ترجمة كارل ماركس مع صورة له
- «وينبني مذهب الماركسية على تصور خاص لمجرى التاريخ، ولتطور المجتمعات في مراميها البعيدة إلى قلب الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية السائدة في العالم، ليحل محلها النظام الشيوعي الذي يصفه ماركس بأنه نظام إجتماعي إقتصادي وسياسي، يتيح للمجتمعات الآخذة به أن تعيش بدون طبقات، وتسيطر فيها الدولة على وسائل الإنتاج قاطبة بعد إلغاء الملكيات الشخصية وزوال الرأسمالية».
ص ۲۰۹- في إطار جميل يشبه بطاقة ورد ما يلي:
قال ماركس:
إن المرحلة الأولى من الثورة العمالية هي بروز البروليتاريا كطبقة مسيطرة- ويشكل هذا- فتحًا للديمقراطية، ثم تستعين البروليتاريا بتفوقها السياسي لتنتزع شيئًا فشيئًا جميع الرأسمال من البورجوازية، واضعة كافة وسائل الإنتاج بين يدي الدولة، أي بين يدي البروليتاريا المنتظمة حينئذ في شكل طبقة مسيطرة، والتي ستبادر حينا إلى الرفع من كمية القوى المنتجة» «من البيان الشيوعي الماركسي».
في العدد القادم الجزء الثاني من هذا التقرير
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل