; مَن قتل الشيخ صبحي الصالح؟ | مجلة المجتمع

العنوان مَن قتل الشيخ صبحي الصالح؟

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1986

مشاهدات 56

نشر في العدد 791

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 11-نوفمبر-1986

بعد شهر من اغتيال نائب رئيس المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى وعميد كلية الآدب في الجامعة اللبنانية السؤال ما زال يطرح نفسه:  

  • بیروت -مراسل المجتمع 

لمصلحة مَن اغتيال العلماء ورجال الدعوة الإسلامية في لبنان؟

في الثامنة والدقيقة العاشرة من صباح الثلاثاء 7/10/1986 غادر الدكتور الشيخ صبحي الصالح منزله في الطابق الخامس من بناية نصر في منطقة «الجامعة العربية» في بيروت الغربية مستخدمًا سيارة مرسيدس (220) رمادية تحمل الرقم( 83153) يقودها جاره. 

انطلقت السيارة إلى جامع خالد بن الوليد في منطقة ساقية حيث يشرف الشيخ على تنظيم مدرسة دينية ملحقة بالمسجد لرعاية أطفال المسلمين. لم يكد يترجل من السيارة حتى اقترب منه شخصان كانا على دراجة نارية من نوع «ياماها» زرقاء اللون اعتمر سائقها قبعة سوداء للسباق فيما غطى الآخر وجهه بقناع صوفي وهو يحمل مسدسًا مزودًا بكاتم للصوت. ترجل المسلح وعاجل الشيخ الصالح بثلاث رصاصات أصابته في رأسه من الجهة الأمامية فيما عاد المسلح إلى الدراجة التي بقي محركها دائرًا وتوارى مع رفيقه عن الأنظار. 

وفي أثناء فرار المسلحين روی شهود عيان أن الدراجة انقلبت فيهما فوقع الجانيان أرضا، إلا أن أحدهما تمكن من ركوبها مجددًا والفرار بها، فيما اختفى رفيقه في أزقة المنطقة. 

تقرير الطبيب الشرعي الدكتور أحمد الحاراثي أفاد بعد كشفه على الجثة أن الرصاص المستخدم في الجريمة من عيار 6.75 ملم أصيب الشيخ بثلاثة رصاصات على الشكل الآتي:

 الأولى: إصابته في وسط الجبين بين الحاجبين واستقرت في الرأس وكسرت عظام الجمجمة وسحقت سحايا الدماغ وكانت السبب الرئيسي للوفاة الفورية.

الثانية: دخلت من زاوية الأنف العليا إلى الجهة اليمني وخرجت من الزاوية اليسرى.

الثالثة: دخلت في الخد الأيمن واستقرت في الرأس.

هذه أبرز الوقائع التي تتناقلها الأجهزة الأمنية في بيروت حول اغتيال العلامة الشيخ صبحي الصالح حتى الآن. ولكن هل هذه المعلومات كافية لكشف النقاب عن الجناة المجرمين؟!

 وزير الداخلية الدكتور عبد الله الراسي رصد جائزة نقدية لم يفصح عن قيمتها لمن يدلي بمعلومات تساهم في مساعدة التحقيق على كشف هوية الجناة.

المراقبون السوريون والأحزاب الموالية لهم تدارسوا إمكانية منع سير الدراجات النارية في بيروت الغربية لتفادي مثل هذه الحوادث ووعدوا بالتوسع في التحقيق للتوصل إلى الجناة!

مصادر أمنية خاصة كشفت عن «خطة للاغتيالات» اكتشفت منذ مدة كانت تستهدف عددًا من الشخصيات الدينية البارزة نذكر منها: الشيخ عبد الأمير قبلان (المفتي الجعفري الممتاز) والدكتور الشيخ محمد علي الجوزو (مفتي جبل لبنان) بهدف إثارة الفتنة المذهبية وتأجيجها بين السنة والشيعة في لبنان.

وقد أفادت هذه المصادر أن بعض العناصر التي تنتمي إلى الشبكة المخططة لهذه العمليات قد اعتقلت والتحقيق جار معها لمعرفة مدى علاقة هذه الشبكة بجريمة اغتيال العلامة الصالح.

ولكن حتى يومنا هذا لم يرد خلال التحقيقات أية معلومات جدية يمكن أن تؤدي إلى كشف الجناة والجهة التي تقف خلفهم. فعلى الرغم من الجهود التي بذلها ويبذلها رجال المفرزة القضائية اللبنانية وأكثر من جهاز أمني يعمل على الساحة اللبنانية إلا أن المعلومات لا تزال قليلة لا تفي بالغرض ولا تشفي الغليل. 

وهذا مما يعيد إلى الأذهان سلسلة من جرائم الاغتيالات التي استهدفت ولا تزال عددًا من رموز العمل الإسلامي في لبنان من العلماء ورجال الدين والتي لم تجرؤ الأجهزة الأمنية على الإعلان عن مرتكبيها. 

في ليل 26/4/1982 اغتيل رئيس اتحاد الجمعيات الإسلامية في لبنان الشيخ أحمد عساف (40 عامًا) برصاص مسلحين طاردوه بعد خروجه من المركز الإسلامي في محلة عائشة بكار. يومها تكتم التحقيق ولم يعلن عن الجهة المنفذة التي أفادت مصادر أمنية إسلامية أنها تنتمي «لمنظمة العمل الشيوعي» في لبنان ومن بينها عناصر استقدمت من الجنوب لهذه المهمة.

وفي الخامس من أيار 1982 انفجرت سيارة ملغومة في عرمون كانت متوقفة قرب جامع أزهر لبنان الذي يبعد 200 متر عن منزل سماحة مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد.

هذه الرسالة كانت تستهدف المفتي الذي كان يبتعد في مواقفه يومها عن مسايرة توجهات إحدى الجهات الإقليمية النافذة في حقل الأزمة اللبنانية.

وفي 27/12/1985 تعرض أمير منطقة الميناء في «حركة التوحيد الإسلامي» الشيخ هاشم فقارة لمحاولة اغتيال وأصيب بجروح خطيرة خرج بعدها من لبنان للعلاج في الخارج. 

وفي التاسع من شباط 1986 اغتال مسلحون خليل عكاوي (أبو عربي) مسؤول لجان المساجد والأحياء في طرابلس وعضو اللقاء الإسلامي في منطقة التبانة.

ولا ننسى في هذا المجال محاولة اغتيال الشيخ سعيد شعبان التي تمت قبل حوالي السنة بتفجير المسجد الذي كان يزمع إلقاء خطبة الجمعة فيه، فضلًا عن اكتشاف محاولة أخرى واعتقال بعض المنفذين الذين تبين يومها أنهم ينتمون إلى حركة «24 تشرين» التابعة لفاروق المقدم المتعاون مع المخابرات اللبنانية والذي يقيم الآن في المنطقة الشرقية في «سن الفيل».

 وكذلك محاولة اغتيال كنعان ناجي مسؤول جند الله في طرابلس.

وإحباط محاولة تمت قبل سنتين لاغتيال المسؤول السياسي للجماعة الإسلامية في لبنان المهندس عبد الله يابتي في طرابلس على يد بعض الشباب الفلسطينيين المرتبطين بأحد أجهزة المخابرات العربية. 

هذه السلسلة من الاغتيالات التي استهدفت عددًا من رموز العلم والدعوة الإسلامية تدل إن دلت على شيء على وجود خطة منظمة لاستئصال رجالات العلم والفكر والدعوة الإسلامية في لبنان وذلك بما لا يدع مجالا للشك.

قد يكشف التاريخ عن مرتكبي جريمة اغتيال الشهيد الشيخ الصالح وقد لا يكشف، ولكن هذا لن ينسينا أبدًا تسجيل بعض الملاحظات حول هذه الجريمة:

اولًا: أن الأسلوب الذي تمت فيه عملية الاغتيال باستخدام الدراجة النارية ودقة التصويب تدل على أن المنفذين مدربون تدريبًا جيدًا على ارتكاب مثل هذه العمليات مما يستبعد أية توقعات تبعد الشبهة عن الأجهزة المخابراتية المتخصصة في مثل هذه العمليات أيا كانت.

ثانيا: من المؤكد أن هناك أكثر من جهاز يعمل على تنفيذ الاغتيالات في الساحة اللبنانية بدءًا من الأجهزة الدولية CIA و K J B مرورًا بأجهزة المخابرات الإقليمية التي تعودت أن تلاحق مناوئيها وتعمل على تصفيتهم عبر الساحة اللبنانية. ولا أقول انتهاء بأجهزة الأمن الخاصة التابعة للتنظيمات والأحزاب اللبنانية والفلسطينية والدولة اللبنانية. 

ثالثًا: هناك دلائل تكاد تكون قاطعة تشير إلى خطة مدروسة تنفذ كل حين بقدر تهدف إلى استئصال الرموز والقيادات الإسلامية العلمية والدعوية على الساحة اللبنانية تمهيدًا لإضعاف حركة الصحوة الإسلامية وتركها تعاني من فراغ القيادة والرمز الذي تحتاجه في طريقها لمواجهة الأنظمة الجاهلية وإقامة حكم الله. 

وهذه الخطة لا تقتصر على الطائفة السنية وإن اكتوت هذه الطائفة بالكثير من نيرانها بل تستهدف رموزًا (شيعية) لها توجهاتها الأصولية، ونشير في هذا المجال إلى محاولة اغتيال السيد محمد حسين فضل الله في 8/3/1985 باعتباره أحد أبرز الوجوه الأصولية الشيعية في لبنان وذلك بتفجير سيارة مفخخة بكميات كبيرة من الـ «ت.ن.ت» في منطقة بئر العبد في الضاحية الجنوبية من بيروت قبل دقائق من مرور موكيه.

رابعًا: إن اغتيال الشيخ الصالح بما يمثله من قيمة علمية يذكرنا باغتيال عدد من الوجوه العلمية الإسلامية في لبنان وخارجه. نتذكر اغتيال الشهيد سمير الشيخ رئيس تحرير مجلة «الفهرست» اللبنانية وعائلته وهو رمز إسلامي بارز كانت له اليد الفضلى في دعم مسيرة الصحوة الإسلامية والتجديد للمسيرة الإسلامية في لبنان. كما نتذكر الشهيد إسماعيل الفاروقي المحاضر في جامعة تمبل الأميركية لثماني عشرة سنة خلت.

وهذا مما يؤكد وجود جذور دولية لمشروع تصفية القيادات والرموز الإسلامية عبر الساحة الإسلامية عامة والساحة الإسلامية في لبنان على وجه الخصوص مما يستدعي المزيد من اليقظة والحذر لدى مختلف القيادات الإسلامية في العالم.

إننا أمام هذه الوقائع لا نستطيع إلا أن نتوجه إلى كل المخلصين في حقل العمل الإسلامي، مشددين على ضرورة التحلي بالمزيد من الوعي لإدراك طبيعة المؤامرة التي تستهدف بشكل خاص رموز العمل الإسلامي على الساحة اللبنانية بعد أن فشلت كل المحاولات لوأد الوعي الإسلامي وتيار الصحوة الراشدة على الأرض اللبنانية، هذا التيار الذي يعتمد الوعي المقاوم خيارًا لدرء المؤامرة ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).

الرابط المختصر :