; الوساطة في حرب الخليج | مجلة المجتمع

العنوان الوساطة في حرب الخليج

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يونيو-1984

مشاهدات 60

نشر في العدد 674

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 05-يونيو-1984

مع تطور حرب الخليج، وشمول السفن الكويتية والسعودية التي تنقل البترول ضمن نطاق هذه الحرب المدمرة، فإن النشاطات المتلاحقة لإنهاء هذه الحرب قد تكثفت.

وكان ياسر عرفات في الآونة الأخيرة من أبرز المتحركين بهذا الصدد، فقد زار كلًا من الصين وكوريا الشمالية وبنغلادش على اعتبار أن الصين وكوريا تدعمان إيران عسكريًا، كما أن بنغلادش عضو في لجنة المساعي الحميدة لإنهاء الحرب بين إيران والعراق. ثم عاد عرفات ليقوم بتحركات سريعة شملت الكويت وقطر والبحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية إضافة إلى الأردن والجزائر والعراق.

ومن المعروف أن الجزائر كانت من أولى البلاد العربية التي سعت لإنهاء الحرب منذ اندلاعها ودفعت ثمنًا لذلك وزير خارجيتها السابق وعددًا من مرافقيه الذين أسقطت طائرتهم على الحدود العراقية الشمالية كما كان للجزائر دور فعال في إنهاء أزمة الرهائن الأمريكيين في إيران، بل وأكثر من ذلك فإن اتفاقًا وقع في الجزائر بين شاه إيران السابق وبين حكومة العراق تم بموجبه ترسيم الحدود بين البلدين، وبناءً عليه انهارت ثورة الأكراد في شمال العراق وتجمدت ثورة عربستان ضد إيران.

إلا أن الوساطة الجزائرية هذه المرة لم تؤت أكلها في إيقاف حرب الخليج حتى الآن.

ترى... كيف يمكن للمراقب أن يشخص طبيعة الوساطة العربية والدولية من هذه الحرب؟

إذا ما استثنينا سوريا وليبيا اللتين وقفتا بصراحة ووضوح مع إيران ودعمتاها عسكريًا وإعلاميًا فإن بقية البلاد العربية وقفت مع العراق مع اختلاف في تفاوت الدعم العسكري والمالي والفني والتسهيلات الاقتصادية.

وعليه فقد انقسم العرب إلى عربين وأصبح المسلمون في طرفي الحرب يطحنون بصورة لم تعرف إلا في الحرب العالمية ودخل في لعبة الموت أطراف عديدون يغذون نار الحرب ويحرضون على استمرارها. وكان في الإمكان إيقاف الفتنة في مهدها لولا أن هنالك أعداء كثرًا للعروبة والإسلام في آن واحد وجدوا أنها الفرصة المناسبة للقضاء على روح هذه الأمة، وتكون النتيجة التي يرجون هي موت جذوة الإسلام في قلوب العرب والمسلمين معًا وبقاء هذه الأمة بلا روح بل وتجزئتها إلى أشلاء كما هو حاصل الآن في لبنان وكما هو مخطط لبقية بلاد العرب والمسلمين.

الدول الكبرى هي التي فرحت بهذه الحرب بل إنها قد خططت لها ووجدت فيها وسيلة مثلى لتحقيق مصالحها.

فأمريكا ومن بعدها بريطانيا وبقية الدول الغربية وجدت في هذه الحرب فرصتها لعرض الخدمات، ليس لإنهاء هذه الحرب بل للخلاص من السلاح القديم المكدس لديها وإشعار دول المنطقة بحاجتهم إلى أساطيلها وقواعدها وحمايتها، فتظاهرت -وهي مشعلة الحرب- أنها الوحيدة القادرة على إطفاء نار الحرب وعندما طلب منها ذلك أرادت الثمن باهظًا لتحصل على هدفين معًا: الأول تدمير المنطقة والثاني العودة إليها بشكل سافر ومباشر.

وبالمثل فإن الولايات المتحدة التي كان لها دور في تأجيج هذه الحرب فإنها في الآونة الأخيرة بدأت «تتعاطف» مع إيران التي تعلن العداء السافر ليس لأمريكا فقط وإنما للاتحاد السوفياتي أيضًا. ولما كان الروس قد تحولوا عن الخميني فلا بد أن «تحول» أمريكا إلى إيران ليتحقق شيء من التوازن أو بمعنى أدق لتستمر الحرب ويستمر النزيف ويستمر الدمار وكل ذلك لصالح الكبار.

وإذا كانت دول عدم الانحياز قد فشلت حتى الآن في إنهاء هذه الحرب فذلك لأن هذه الدول ليس فيها دولة غير منحازة للشرق أو للغرب فإذا أضفنا أن الشرق والغرب قد اتفقا على استمرار هذه الحرب لمصالحهما المشتركة حسب اتفاقاتهم السرية والمعلنة لتقاسم مناطق النفوذ في العالم أدركنا سر المساعي الفاشلة لدول عدم الانحياز في إنهاء حرب الخليج.

فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى الوساطة التي تقوم بها دول منظمة المؤتمر الإسلامي عبر لجنة المساعي الحميدة التي كان يرأسها سيكوتوري ومن بعد موته أصبح يرأسها الآن ياسر عرفات فإن الأخبار تؤكد أن اجتماعًا على مستوى الرؤساء ورؤساء الوزارات لهذه الدول الأعضاء في اللجنة سيتم عقده يوم 9 أو 10 يونيو الحالي وسيعلنون باسم مليار مسلم في العالم مبادرة لإيقاف هذه الحرب لم يعلن عن تفاصيلها بعد ولكن هناك تلميحات بأنها تتضمن:

- إيقاف القتال برًا وبحرًا وجوًا.

- ضمان حرية الملاحة في الخليج للجميع.

- الفصل بين الجيوش المتحاربة بقوة إسلامية.

- تشكيل لجنة إسلامية للتوفيق بين الآراء ماديًا ومعنويًا.

ومع الأنباء المتواترة عن حشد إيران لنصف مليون جندي واحتمال قيامها بهجوم شامل في شهر رمضان الحالي كما يقولون فإن هناك توقعات بقبول إيران للحل الإسلامي المزمع تقديمه نتيجة لاعتبارات عديدة منها أن مخطط بلقنة المنطقة وتجزئتها إلى دويلات للطوائف لن يكون قاصرًا على البلاد العربية وحدها بل سيشمل الوطن الإسلامي بأسره ومن ضمنه إيران نفسها، ثم إن بعض الذين أسهموا في إشعال نار الحرب وتغذيتها كانوا يهدفون من وراء ذلك إلى كسر شوكة العراق وإيران معًا والحفاظ على أنفسهم من خطر الطرفين، وقد تحقق لهم ذلك ثم أصبحوا هم أنفسهم في خطر نتيجة استمرار هذه الحرب، ولذلك لا بد من إيقافها.

وإذا كانت إحدى دول الصمود والتصدي قد أرسلت إلى إيران مع مطلع عام 1983م (650) دبابة فإن إحدى دول الصمود والتصدي أيضًا قد أفرغت مخزونها من الأسلحة الثقيلة والذخائر والمدافع بعيدة المدى وأرسلتها إلى إيران. ولم تقصر «إسرائيل» في هذا الدعم الذي كان يقابله في الطرف الآخر دعم مادي وتسليحي لا محدود. وعلى سبيل المثال فإن مصانع الذخيرة في إحدى البلاد العربية القريبة من إسرائيل تعمل ليل نهار لصالح الجبهة العراقية. والنتيجة استنزاف وتدمير مئات الآلاف من المسلمين ومئات الآلاف من أطنان الأسلحة ومئات الآلاف من المنشآت السكنية والاقتصادية والعسكرية من كلا الطرفين ثم احتمال امتداد النار لتأكل الأخضر واليابس لدى بقية ديار المسلمين لتطبق إسرائيل بعد ذلك ومن بعدها الدول الكبرى على المنطقة بشكل مباشر ونهائي ثم تكون دول الطوائف بزعامة إسرائيل وحماية الدول الكبرى.

واليوم يطلب من سوريا أن تتوسط لحل النزاع وهي طرف فيه فيسافر عبد الحليم خدام ومعه فاروق الشرع إلى إيران في الأسبوع الماضي ويجتمعان مع المسؤولين الإيرانيين ويقال بعد ذلك أن «الموضوع الرئيسي الذي جرى بحثه تركز حول التطور الأخير وبحث إمكانية تجنب توسيع رقعة الحرب في المنطقة» وتقول الأنباء أن مبعوثا سوريًّا سيزور دول مجلس التعاون الخليجي لإطلاعهم على نتائج الوساطة السورية لدى إيران وقد تفاءلت وكالة رويتر بنتائج هذه الوساطة... ولكن أطرافًا أخرى مطلعة أكدت أن هذه الوساطة ليس من شأنها إلا صب الزيت فوق نار الخليج.

وإذا كان عرفات يرى في إيقاف هذه الحرب إيقافًا لانهيار شامل يلحق بالمنطقة كلها وتهيئة لفرصة عودة مصر إلى الصف العربي تمهيدًا لحل «دولي عادل» للقضية الفلسطينية فإن هنالك أطرافًا كثيرة لا تريد لهذه الحرب أن تتوقف، كما أن هنالك أطرافًا كثيرة أخرى لا تريد الربط بين إيقاف حرب الخليج وتحقيق الحل الدولي للقضية الفلسطينية وإذا كان وجود إسرائيل في المنطقة سببًا دائمًا لاستمرار المشاكل بين العرب وبين المسلمين فإن غياب العقيدة الإسلامية عن مجال التطبيق في ديار العرب والمسلمين هو السبب المباشر في وجود إسرائيل حتى الآن وبالتالي وجود كافة المشاكل التي نجمت عن وجودها. ونحن ندعو إيران إلى التخلي عن مواقفها المتعنتة، ونطالبها بقبول وقف الحرب، وإننا نؤكد هنا إن المستفيد من الحرب العراقية الإيرانية هم أعداء الإسلام من الصهاينة وتجار السلاح، فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 28

107

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

المدرس الذي حول القلم إلى بندقية

نشر في العدد 190

129

الثلاثاء 05-مارس-1974

محليات (190)

نشر في العدد 186

85

الثلاثاء 05-فبراير-1974

العالم الإسلامي (186)