العنوان موقف الأمة أمام الحضارات الأجنبية في الماضي والحاضر
الكاتب أبو الحسن علي الحسني الندوي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1981
مشاهدات 74
نشر في العدد 546
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 06-أكتوبر-1981
سلمان الفارسي، كان واليًا على المدائن، عمل عملًا لا يليق بالأمراء والولاة في عين عين كثير من الناس، فقد سقط شيء مما كان يأكله على الأرض، فأخذه ونظفه وأكله، فنظر إليه أحد الشباب الفرس شذرًا كأنه يستنكره و يتعيب منه، فقال:
أأترك سنة حبيبي لهؤلاء الحمقاء؟ بهذا الاعتزاز الإيماني، وبهذا الاعتداد النفسي، واجه العرب المسلمون الحضارة الإيرانية والحضارة الرومية فى وقت واحد، واستطاعوا أن يتغلبوا عليهما في سهولة وسرعة، إن الجيوش التي كان يقودها الروم والفرس كان أقل تأثيرًا على نفوس هؤلاء العرب ، إنهم قد نشأوا في الحرب، ورضعوا بلبانها، وكانت أقل تأثيرًا من هجمات الحضارة، أو من جيوش العلوم والآداب، وجيوش الشعر، الفلسفة، ومن جيوش المظاهر المدنية الخلابة والحياة الفاتنة، إنني لا أستغرب أنهم عبروا نهر دجلة يوم فتح المدائن في قيادة سعد بن أبي وقاص، ولم تبتل ثيابهم، إنني أستغرب أنهم عبروا نهري الحضارتين و بحر الثروة والترف من غير أن تمس بشخصيتهم وعقيدتهم عبروا نهر الحضارات، نهر التحديات ولم يتغيروا.
الشريعة الإسلامية والاقتباس:
هذا هو الاقتباس الكريم، إن الشريعة الإسلامية السمحة لا تمنعنا من الاقتباس مع الحضارات، من مرافق الحياة، مما تحتاج إليه من علوم وحكم وآداب، ولكنها قضية الاقتباس لا قضية التقليد والتطبيق. إنهم اقتبسوا هذه الأشياء، كما أنهم كانت ملكًا لهم، وتصرفوا فيها كما شاءوا، ولم يتركوها تتصرف فيهم كما تشاء، إنهم أخضعوها لواقع حياتهم وصبغوها بصبغتهم، وقد جاء أمير البيان الأمير شكيب أرسلان حين قال: من استرق شيئًا وقد استرقه فاستحقه إنه لم يكن استراقًا وإنما كان اقتباسًا، إن الشخصية لها أكبر قيمة بعد العقيدة، هذا إذا كان شخصية فرد واحد، فكيف بشخصية أمة، إنها شخصية تجمع آلافًا من الشخصيات وقيمتها بعدد هؤلاء الملايين، من أبناء الأمة المندمجين في شخصيتها، فمن أساء إلى شخصيتها أساء إلى الأمة بأسرها وإلى الرسالة بكاملها.
أخبرونى أيها الإخوان! كم منا – في الشعوب الإسلامية التى تتمتع بحكومات وثروات – يعتقد أن الأمريكان والروس والأوربيين يعيشون في ضيق، وفي سجن من صنع أيديهم، كما كان يؤمن بذلك ربعي بن عامر، وكم منا يعتقد أن الله أعز المسلمين بالإسلام، فإذا طلبوا العزة بغيره أذلهم الله، وكم منا يعمل بسنة من السنن النبوية، أو يقوم بشيء من تعاليم الإسلام، وهو بين أصدقائه وزملائه في وأمريكا وأوروبا وقد سخروا منه وهزأوا به، «أأترك سنة حبيبي لهؤلاء أمثالكم؟»، كما قال سيدنا سلمان الفارسي، كم منا يقف أمام الحضارة الغربية وجهًا لوجه، ويصمد أمامها، ويحفظ شخصيته الإسلامية.
إن الحضارة الغربية ليست حضارة إقليمية محلية، إنما هي حضارة قد تعاونت فيها جهود الفضلاء، وأصحاب الاختصاص، وهو حق مشاع، وثروة إنسانية عامة، نقتبس منها العلوم التطبيقية والتجريبية، وما يزيدنا قوة على قوة، ولكن يجب أن نعامل هذه الحضارة كمواد خام نصنع منها ما يطابق قامتنا وقيمتنا، لا كأشياء قد ختمت عليها بخاتم الكمال فلا تزيد عليه، ولا تنقص منها، ولا تحدث فيه تعديلًا إن لكل أمة قامة وقيمة، فليكن لباسنا مطابقًا لقامتنا وقيمتنا، نأخذ الحضارة الغربية، فنصهرها صهرًا جديدًا في بوتقتنا، ونبعد عنها عناصر المادية وعناصر اللادينية، وعناصر الشهوانية، وعناصر الأنانية، ونخضعها لأغراضنا ولمدنياتنا ولرسالتنا، وهذا هو الاقتباس الكريم، وهذا هو الذي فعله الصحابة -رضي الله عنهم- في القليل الذي اقتبسوه من الحضارة الرومية والحضارة الإيرانية.
التقليد الأعمى والتبعية الذليلة:
وهناك نوع آخر من موقف الأمم والحكومات والمجتمعات، من حضارات سابقة أو معاصرة، وهو موقف التقليد الخانع، والتطبيق الذي لا اختيار فيه ولا ابتكار، وهو الذي أشار إليه نابغة العرب وفيلسوف المؤرخين العلامة ابن خلدون، وعقد له فصلًا خاصًا في مقدمته العظيمة، فقال: «فصل في أن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه، ونحلته وسائر أحواله وعوائده» وعلل ذلك تعليلًا حكيمًا، يدل على ألمعيته وبعد نظره، وسعة دراسة لتاريخ الأمم والحضارات. فقال: «والسبب في ذلك أن النفس أبدًا تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب فإذا غالطت بذلك واتصل بها، حصل اعتقادًا فانتحلت كجميع مذاهب الغالب، وتشبهت به وذلك هو الأقتداء[1] ».
وهذه قصة كمال أتاتورك طاغية تركيا، فقد ذكر مؤرخه ومترجم حياته عرفان أوركا «IRFAN ORGA NARGARATE»: «إن مصطفى كمال كان يعبد الإله الجديد «الحضارة الحديثة» بحماس ولهفة، وكان عابدًا وفيًا، وقد نشر هذه الكلمة «الحضارة» من أقصى البلاد إلى أقصاها، وعندما يتحدث عن هذه الحضارة تتقد عيناه لمعانًا وإشراقًا. [2]
ويزيد فيقول: «يقول مصطفى كمال لشعبه، يجب علينا أن نلبس ملابس الشعوب المتحضرة الراقية وعلينا أن نبرهن للعالم أننا أمة كبيرة راقية، ولا نسمح لمن يجهلنا في الشعوب الأخرى بالضحك علينا، وعلى موضتنا القديمة البالية، نريد أن نسير مع التيار والزمن. [3]
لذلك قرر منع الطربوش وغطاء الرأس، والتزم لبس القبعة «البرنيطة» على الرأس عوضًا عنه، لكي ينصبغ الشعب التركي بصبغة الأمم الغربية بأسرع ما يمكن، واستعمل القسوة النادرة والعنف البالغ في تحقيق هذا الغرض، كأنه الشرط الأساسي لمجد تركيا وكرامتها، وقد تحولت حرب القبعة الدموية إلى حرب صليبية، وأقيمت المحاكم في كل ناحية وصوب، تحكم على الممتنعين من لبسها بالإعدام، ونجح في هذه المعركة بوسائله الحكومية وحكمه الديكتاتوري. [4]
إن كمال أتاتورك لو أضاف رصاصة بندقية واحدة كان خيرًا من ألف برنيطة، ولكن عقلية المقلدين المغلوبين عقلية الأطفال القاصرين، كذلك صرف في إبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية، قوة كانت جديرة بقلب الأوضاع وبتحويل تركيا إلى أمة قوية لفتح نصف الغرب، وأصبح التراث الإسلامي العربي الذي تكونت منه مكتبات من أعظم مكتبات العالم، ضائعًا لا قيمة له، وانقطعت صلة الشعب المسلم الغيور الباسل الأبي عن ثقافته الإسلامية، وفقد المفتاح الذي يفتح به الكنوز.
وليست كلمة المغلوب مقصورة على المغلوب السياسي أو المحكوم أو المستعمر فقط، فقد يكون شعب حاكمًا في بلاده يملك قوة حربية، وثروات هائلة مغلوبًا على أمره، مستعبدًا في عقليته، يعتقد العصمة والقدس والعبقرية في حضارة أجنبية، ويتمجد ويشعر بالسمو والظرف والأناقة أو الرقي والتقدم في تقليد مظاهر هذه الحضارة وإن كانت مظاهر خارجية قشورية، فيكون شأنه شأن المغلوب سياسيًا وينطبق عليه قول العلامة ابن خلدون انطباقًا كليًا، يزيد ابن خلدون فيقول:
«ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدًا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه، في اتخاذها وأشكالها، بل في سائر أحواله، وانظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبهين بهم دائمًا وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمال فيه. [5]
هذا نوع من مواجهة الحضارة، ينشأ من مركب النقص الذي يصاب به إنسان، ولكن إذا أصيبت أمة وهي في أوج حضارتها وثروتها فهنالك المصيبة، كان من الممكن أن نأخذ من الغرب هذه الأشياء التي اقتبسناها فنصبغها بصبغة إسلامية عربية، ونتصرف في ما نقتبسه من الغرب بذكائنا وبذوقنا الرفيع، وثقتنا بصلاحية هذا الدين وبما تحمله من حضارة ونطبعها بطابعنا الإسلامي الشرقي.
وكان من الممكن أننا إذا دخلنا أكبر فندق من الفنادق العالمية في العواصم العربية والشرقية، ولم أستطع في بعضها أن أتطهر وأتوضأ، طلبت ماعونا أستطيع أن أنتفع به في الماء فاعتذروا أنها كلها بنيت على الطراز الغربي الذي لا يعرف أصحابه، ولا يحتاجون إلى فهم معاني الطهارة، والطهارة كما تعلمون أخص من النظافة وأكثر من النظافة من فرض عليكم أيها الأسياد هذا النمط من الفنادق؟ ومن فرض عليكم هذا النمط من الحياة؟ أما كنت أحرارًا، تملكون ما يحتاج إليه الغرب، فتملون إرادتكم، والطراز المفضل عندكم المطابق لدينكم، ومدنيتكم على الشركات والمؤسسات التي تقيم هذه الفنادق وتديرها. دخلت في فندق من أكبر فنادق طهران، فوجدت أن الكتاب الوحيد الذي يوجد في الرف والدرج هو الكتاب المقدس عند المسيحين «BIBLE»,[6] فإذا لم تجرأوا يا إخوان على أن تهيئوا المصحف الكريم في كل غرفة، فما منعكم أن تهيئوا كتابًا في الآداب الإسلامي الفارسي الجميل، ونزلت في فندق في احدى المدن العربية الكبيرة، وكانت الصورة الوحيدة التي كانت معلقة في الغرفة هي صورة كنيسة، وهكذا شأن الطائرات والمكاتب كان من الممكن الميسور، أن يظهر فيها الطابع الإسلامي الشرقي.
إن مركزنا أيها الإخوان ليس مركز الأطفال، ولا مركز المقلدين إن مركزنا مركز المجتهدين، مركز الأئمة والقادة، يجب أن نكون روادًا فنأخذ -ما لا بد منه - من الحضارة الغربية، ولكن نصبغها بالصبغة الإسلامية الجميلة الفاضلة الكريمة المتزنة، ليس هناك شيء يحول بيننا وبين هذه العملية البنائية الاستقلالية التي يتجلى فيها الذكاء ويتجلى فيها الاعتزاز بالدين وبالرسالة التى نحملها، والاعتداد بالشخصية الجماعية التى نتجمل بها.
إن الإنسان يحن إلى أن يرى هذه الحضارة الإسلامية ويعيشها، ولكن لا يجدها متميزة ملموسة واضحة في بلاد إسلامية ما بقي كأثار تاريخية، إن هناك أربعين دولة إسلامية تخفق راياتها على بناء الأمم المتحدة، ولكن هل لها حضارات كما لها رايات؟ ووالله إن الحضارات أهم من الرايات، ولا معنى للاستقلال، ولا للحكم الذات إلا إذا كان معها اعتزاز واعتداد، وحضارة متميزة، وحياة حرة كريمة في البلاد، وهذا هو الفراغ الذي يجب أن يملأ.
وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين
[1] مقدمة ابن خلدون ص ١٠٤
[2] ATATURK... LONDOV - 1963 P.73
[3] ATATURK... LONDOV - 1962 H-760
[4] راجع كتاب المؤلف «الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية فصل» دور تركيا التقليدي ص ٥٣
[5] المقدمة ص ١٠٤
[6] وقد سر المحاضر حينما رأى في زيارته الأخيرة للرياض في أواخر فبراير 1981م، وقد نزل في فندق «الخزامي» أن القرآن وترجمته الإنجليزية للعلامة عبد الله يوسف علي، موجود في كل غرفة، نشكر على هذا رئاسة دار الإفتاء والبحوث الإسلامية التي عنيت بذلك
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل